ارفعوا البنزين، ارفعوا المواصلات، ارفعوا السكر، ارفعوا الزيت، ارفعوا الدقيق ذاته، ارفعوا حتى سعر السلام لو عايزين...
لكن الرغيف؟
الرغيف لا يا جماعة!
الرغيف دا ما سلعة عادية.
دا شريك رسمي في معركة البقاء.
دا الزول البنشيلوا في الكيس ونرجع بيهو البيت ونحن حاسين إنو لسه في أمل.
تجي تقول لي - الرغيف بقى غالي؟
ياخ أنا شخصياً ثلاثة سنين بآكل من التكية، وبعدها من عطايا ومنح أهل الله، وجبة واحدة في اليوم، وكمان الوجبة ذاتها ما فيها رفاهية. بوش موية فول. موية جبنة. شوية زيت. والرغيف! الرغيف دا ما أكل يا ناس... دا وقود الصمود! دا الطاقة البتخليني أصحى الصباح وأقول - «يلا يا زول... نواصل.» نواصل شنو؟ الله أعلم! لكن نواصل. لأنو في السودان، أحياناً الواحد ما عندو مشروع واضح للحياة، لكن عندو رغيف. والرغيف بيديهو سبب إضافي يعيش ليوم تاني. والآن جايين تقولوا لي- الرغيف ذاته بقى غالي؟!
يا اتحاد المخابز...بالله عليكم خلونا نعيش! إنتو عايزين المواطن دا يعمل شنو؟ يأكل البيان الصحفي؟ الخبر اليوم يقول إن أسعار مدخلات إنتاج الخبز ارتفعت، وإن سعر جوال الدقيق قفز من نحو 103 آلاف إلى 123 ألف جنيه، الأمر الذي انعكس على تكلفة الإنتاج وسعر الرغيف في عدد من المناطق. طيب يا جماعة نحن فاهمين. الدقيق غالي. الزيت غالي. الخميرة غالية. الكهرباء قصة براها. الوقود عندو رأي. المحلية عندمو فرار هم كمان والمخبز ذاتو محتاج يعيش. فاهمين كل دا. بس نسوي شنو
لكن المواطن؟ المواطن ذاتو بقى ما عندو مدخو ل من اي شيء حتي الماهية ما زي زمان تغيب كدا وتظهر في النص التاني من الشهر وما حد سألنا و عن انتو عايشين قالنا امكن الكبار مشغوليين . الزول البمشي المخبز عندو تكلفة مواصلات. وعندو إيجار. وعندو دواء. وعندو أولاد. وعندو كهرباء. وعندو موية. وعندو بلد كاملة قاعدة فوق راسو. وفي النهاية تقول ليهو--الرغيف بألف جنيه لرغيفين. ياخ ألف جنيه دي كانت زمان بتعمل ليك ميزانية مؤتمر! هسع بقت بتعمل ليك وجبة صمود. والأخطر من ارتفاع السعر إنو الرغيف ذاته بقى عندو سياسة خارجية.
اليوم ثلاثة بكرة اتنين. بعد بكرة ربنا كريم ما الموت زاتو حضر كفنك يا مواطن
وفي بعض المناطق، أصلاً أزمة الخبز ما بقت سعر بس؛ بقت توفر وسيولة ووقوف في الصفوف. وفي الجنينة مثلاً ظهرت خلال الأيام الماضية شكاوى من شح الخبز واختفائه من بعض المناطق خلال ساعات النهار.
يعني نحن وصلنا مرحلة المواطن ممكن يقوم الصباح ويسأل - «العيش موجود؟» ما «أشتري كم؟» لا. «موجود أصلاً؟» ودي يا جماعة مرحلة خطيرة. لأنو البلد ممكن تصبر على غلاء حاجات كثيرة. لكن الرغيف؟ الرغيف عندو مكان مختلف. الرغيف مربوط بالمعدة. والمعدة، على حسب معلوماتي المتواضعة، ما بتفهم البيانات السياسية المعدة ما عندها صبر على ----«نؤكد حرص الحكومة على...» المعدة تقول ليك =«يا زول جيب العيش!» أنا شخصياً، بعد ثلاثة سنين من التكية والعطايا ومنح أهل الله، ما عندي استعداد أخش معركة جديدة مع الرغيف. كفاية علينا الحرب. كفاية علينا النزوح. كفاية علينا الكهرباء البتجي زي ضيف ما عندو موعد. كفاية علينا الموية البتحتاج مفاوضات. كفاية علينا المواصلات. كفاية علينا الأسعار. أدونا الرغيف ساكت! خلونا نختلف في السياسة. خلونا نختلف في الجيش. خلونا نختلف في الأحزاب. خلونا نختلف في شكل الدولة. خلونا نختلف حتى في معنى الديمقراطية. لكن بالله- ما تختلفوا لينا في الرغيف. الرغيف دا خليهو بعيد من السياسة
خلوهو آخر مواطن محايد في البلد. وأنا عارف إنو المخابز ذاتها ما قاعدة تضحك. الخباز عندو تكاليف، والمواد ارتفعت، والقطاع نفسه تحت ضغط كبير بل إن السلطات في الخرطوم كانت قد سعت خلال سبتمبر لتثبيت السعر وتوفير الدقيق وإعفاء المخابز من بعض الرسوم، في محاولة للحفاظ على استقرار سلعة الخبز.
لكن السؤال الحقيقي - المواطن البجيب ليهو كل دا من وين؟
الخباز يقول- «أنا ما قادر.» المطحنة تقول لبنا «الدقيق غالي.» الناقل يقول - «الوقود غالي.» الكهرباء تقول 0«أنا ما مضمونة.» السوق يقول- «أنا حر.» والجنيه السوداني واقف في الركن، ساكت، عامل فيها ما سامع.
والمواطن في النص يقول - «طيب أنا آكل شنو؟» وهنا الخوف الحقيقي. لأن الجوع ما عندو صبر سياسي طويل. الجائع ممكن يكون أهدأ إنسان في الدنيا. لكن لما يصل للمرحلة البكون فيها ما عندو ما يخسره، الحسابات كلها بتتغير. وعشان كدا، الرغيف ما مفروض نتعامل معاهو كأنه مجرد سلعة في السوق. الرغيف جزء من الأمن الاجتماعي. لأنو لما المواطن يعجز عن توفير وجبته الأساسية، ما بتكون المشكلة في المطبخ وحده. المشكلة بتطلع للشارع. والشارع، يا جماعة، عندو ذاكرة. والتاريخ السوداني سبق وورانا إن الخبز ممكن يتحول من رغيف صغير إلى عنوان كبير لغضب اجتماعي واسع. عشان كدا... يا ناس، كل شيء إلا الرغيف! خلوا للمواطن حاجة واحدة يقول عليها - «الحمد لله، دي لسه مقدور عليها.» لأنو المواطن السوداني صابر بطريقة تخلي الصبر ذاتو يقول-- «ياخ أنا تعبت منك.» صبر على الحرب. صبر على النزوح. صبر على الغلاء. صبر على انقطاع الكهرباء. صبر على شح الموية.وصبر على الخوف. صبر على فقد الأحبة. صبر على البيانات. صبر على الوعود. صبر على لجان ما بتنتهي. صبر على مؤتمرات السلام التي أحياناً تحتاج مؤتمراً آخر لتفسير لماذا لم تحقق السلام. لكن الرغيف؟ الرغيف خط أحمر يا جماعة. ما خط أحمر بتاع البيانات السياسية - خط أحمر بتاع المعدة. لأنو الإنسان الجعان ممكن يقول- «أنا ميت ميت... لكن موتوا معانا.» ودي الجملة البتخوف. ما لأن الجائع عايز الفوضى. لكن لأن الجوع لما يكسر آخر حاجز للصبر، ما بتكون في قوة في الأرض قادرة تقنع المعدة الجعانة بخطاب سياسي. عشان كدا، قبل ما نتفلسف في إنقاذ الدولة، وقبل ما نتخانق على شكل السلطة، وقبل ما نعمل مؤتمر جديد عن «المسار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي»... أدونا الرغيف. رغيف واحد بس. خلوا المواطن ياكلو، يشرب موية، يقعد تحت حيطة، ويقول: «الحمد لله... بكرة نشوف باقي المصايب.» أما لو حتى الرغيف دخل المعركة... فيا جماعة... نحن ما بقينا بنحارب عشان نعيش. بقينا بنحارب عشان نلقى حاجة ناكلها عشان نقدر نواصل الحرب. وهنا... الموضوع ما عاد غلاء رغيف. الموضوع بقى --- كم تبقى من الصبر في بطن المواطن؟
10-07-2026, 04:09 AM
عزالدين عباس الفحل عزالدين عباس الفحل
تاريخ التسجيل: 09-26-2009
مجموع المشاركات: 9630
سلاااااااام صديقي أبو الزهور خليتني أبكي من الصباح بكاءاً مراً أذكر كانت الوالدة عليها رحمة الله تعالي تصحيني في السودان أيام كنا تلاميذ في المدرسة تصحيني قبل الفجر عشان أمشي أوقف في طابور المخبز الطويل طويل التيلة وتلقي هناك ناس بايتة من الليل في صف العيش ونوم السودان الحلو داك في زمن الخريف وأتمرمق في السرير في بحر النعاس والكسل وتجي الوالدة تعنفني وتقول لي لو ما مشيت هسة جبت العيش م تجي بعد المدرسة تقول م بحب الكسري ي أبو الزهور بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ. وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرامُ
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة