لا يعكس التقدم العسكري للقوات المشتركة الحليفة للجيش، وفي معيتها ما أمكن تدبيره على عجل من متحركات للجيش في شمال كردفان، تحولاً استراتيجياً قادراً على تغيير مسار الحرب.
فالقيمة الفعلية للتحركات الأخيرة في بوادي كردفان تظل محدودة إذا قورنت بحجم المسرح الجغرافي واتساع الأهداف المطلوبة لتحقيق تأثير عملياتي مستدام.
وتكشف القراءة العسكرية أن العملية تقوم على ثلاثة قيود أساسية، تتمثل في محدودية الأهداف، وضعف القيمة العملياتية للمواقع التي تم الاستيلاء عليها، وصعوبة الحفاظ على خطوط الإمداد والسيطرة في مسرح واسع، مع عدم وجود مؤشرات واضحة وحقيقية على إلحاق ضرر جوهري بمنظومة قوات الدعم السريع.
أما على المستوى السياسي، فقد جاء الهجوم في توقيت يتزامن مع ضغوط دبلوماسية مكثفة على قائد الجيش، بالتزامن مع أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتحركات الأمريكية والإقليمية لدفع مسار تفاوضي. لذلك، فإن قراءة التحركات باعتبارها تحركاً عسكرياً منفصلاً عن سياقها السياسي تفقد جزءاً مهماً من تفسيرها.
سودري – مكسب تكتيكي محدود
لعل أبرز المكاسب المعلنة من قبل قيادة الجيش هو إعلان البيان الرسمي السيطرة على بلدة سودري، وهي، للدقة، مقر رئاسة المحلية. لكن السيطرة على مركز المحلية لا تعني السيطرة على المحلية نفسها، التي تمتد على مساحة واسعة وتضم سودري، وأم بادر، وحمرة الشيخ، مع استمرار وجود قوات الدعم السريع في باقي أجزاء المحلية.
وبالتالي، فإن السيطرة على مركز إداري واحد لا تساوي إخضاع المجال الذي يتبعه. فمحلية سودري هي من أكبر محليات شمال كردفان مساحة، بينما تبلغ مساحة الولاية نحو 190 ألف كيلومتر مربع. وهذا يضع العملية في حجمها الحقيقي، إذ تمثل السيطرة على نقطة إدارية محدودة داخل مسرح جغرافي واسع، وليس فرض سيطرة إقليمية متماسكة.
وبالنظر إلى طبيعة الموقع نفسه، نجد أن بلدة سودري ليست مركز ثقل عسكرياً أو حضرياً رئيسياً، والسيطرة عليها لا تعني انهيار منظومة دفاع قوات الدعم السريع في شمال كردفان، أو حتى فتح طريق مؤمَّن إلى دارفور.
فالطريق إلى أي تأثير عملياتي أوسع يتطلب تأمين خطوط إمداد آمنة بالكامل، مع وجود مقتربات ومناطق واسعة بين المواقع المتقدمة، وهي مسألة تختلف جذرياً عن الاستيلاء على مركز إداري.
ولهذا، فإن وصف سودري باعتبارها نقطة تتحكم في خطوط الإمداد القادمة من الحدود الغربية ومناطق شمال دارفور لا يمنحها قيمة لوجستية حقيقية، وكذلك لا يحولها تلقائياً إلى اختراق استراتيجي. فقيمة الموقع تتوقف على قدرة القوات التي تسيطر عليه على حماية طرق الوصول إليه والمحافظة على الاتصال به، وليس على السيطرة على مبنى أو مركز إداري داخله، وإذا كانت فعلاً ذات أهمية استراتيجية، فلماذا خسرها الجيش سابقاً بسهولة؟
مصداقية الإعلان
تكشف طريقة الإعلان عن العملية جانباً آخر من المشكلة، فقد أعلنت القوات المسلحة السيطرة على سودري قبل أن تصبح الأدلة المصورة المتداولة مرتبطة مباشرة بالموقع، بينما قُدِّم مقطع فيديو باعتباره دليلاً على السيطرة، ثم تبيّن لاحقاً أنه صُوِّر في موقع آخر بعيد تماماً عن ساحة العملية.
كما أعلن الجيش إلحاق “خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات” بقوات الدعم السريع، دون تقديم أي أرقام أو تفاصيل مستقلة تعزز بيانه ويمكن التحقق منها.
إن المشكلة الحقيقية هنا تكمن في الفارق بين الإعلان والسيطرة الميدانية القابلة للإثبات، وليست في الدعاية العسكرية وحدها. فكلما اتسعت الفجوة بين ما يُعلن وما يمكن التحقق منه على الأرض، أصبحت قيمة الإعلان العسكري أقل من قيمة السيطرة المستدامة التي يمكن إثباتها ميدانياً.
وتزداد أهمية ذلك عند مقارنة سودري بمناطق أخرى أقرب إلى مركز الولاية. فمدينة بارا، مثلاً، أقرب إلى مركز الولاية وأكثر ارتباطاً بشبكة الحركة والإمداد، مما يجعل السيطرة المستقرة على مناطق من هذا النوع ذات أهمية عملياتية مختلفة عن السيطرة على نقطة بعيدة في شمال غرب الولاية.
الاعتماد على القوة المشتركة
يعتمد تقدم الجيش في كردفان بدرجة كبيرة على الدفع “بالقوة المشتركة” التابعة لحركات دارفور، لتتقدم المتحركات القتالية وتنفذ الهجوم الأول. وهذا يطرح سؤالاً حول قدرة الجيش على التنفيذ دون سند ميداني، وتحويل المكاسب التكتيكية إلى حملة مستقلة ومستدامة.
ومن المعلوم بالضرورة أن القوة المشتركة ليست بأي حال من الأحوال امتداداً تنظيمياً للجيش، بل لها حساباتها المحلية والسياسية والعسكرية الخاصة. لذلك، فإن مشاركتها قد توفر قدرة هجومية إضافية في مرحلة معينة، لكنها لا تعني تلقائياً وجود قدرة موحدة على إدارة عمليات طويلة المدى وتأمين الأراضي التي يتم الاستيلاء عليها.
ويضاف إلى ذلك العامل المناخي، فموسم الأمطار في كردفان يفرض قيوداً كبيرة على الحركة والإمداد في الطرق الثانوية.
وبالتالي، فإن أي تحسن مؤقت في ظروف الحركة يوفر نافذة عملياتية ضيقة، لكنه لا يحل المشكلة الأساسية المتعلقة باستدامة خطوط الإمداد والسيطرة، وهي الأهم، إلا إذا لم تكن هناك أي اعتبارات للاحتياجات الأساسية للقوات التي تنفذ العملية، من استدامة في التعيينات، والأسلحة، والذخائر، وقطع الغيار، والوقود.
الجبهة الثانوية وتشتت الموارد
يأتي التحرك في كردفان في وقت يواجه فيه الجيش ضغطاً متزامناً في إقليم النيل الأزرق. فقد تقدمت قوات الدعم السريع منذ منتصف أغسطس باتجاه الدمازين، واستولت على مواقع في محيطها، من بينها قاعدة “سركم” في 28 أغسطس، ثم “باكوري” و”جبل كدام” في 16 سبتمبر. وأدى ذلك إلى تحويل موارد عسكرية، بما فيها كتيبة من القوات الخاصة، إلى الجبهة الشرقية منذ أواخر أغسطس، وتعيين قيادة متقدمة لجبهة النيل الأزرق بعد إخفاقات متتالية للفرقة الرابعة مشاة.
وتزداد أهمية هذا التطور لأن النيل الأزرق، البالغة مساحته 45,844 كيلومتراً مربعاً، أصغر بكثير من شمال كردفان، البالغة مساحتها 190,000 كيلومتر مربع، من حيث المساحة، أي أن شمال كردفان تعادل أربعة أضعاف مساحة النيل الأزرق تقريباً. ومع ذلك، اضطرت إدارة العمليات الحربية للجيش إلى تخصيص موارد إضافية لحماية الدمازين، التي تضم مقر الفرقة الرابعة مشاة ومنطقة خزان الروصيرص.
وتبدو المشكلة العملياتية الأساسية ظاهرة للعيان، فالهجوم في كردفان يحتاج إلى قوات وإمداد واستطلاع وحماية للطرق، بينما تفرض الجبهة الشرقية متطلبات عسكرية موازية. وكلما توزعت الموارد بين مسارح متباعدة، تقل قدرة القيادة على تركيز القوة في اتجاه واحد وتحويل التقدم التكتيكي إلى اختراق عملياتي حقيقي على الأرض، وليس في وسائل الإعلام فقط.
وبذلك، يمكن تفسير جزء من التقدم في كردفان باعتباره استغلالاً لمساحات غير محمية أو أقل كثافة في الانتشار، وليس بالضرورة نتيجة انهيار في خطوط الدفاع المقابلة. وهذه نقطة تختلف جذرياً عن تحقيق اختراق يؤدي إلى تفكيك القدرة القتالية للخصم.
التزامن السياسي
جاء الهجوم في منتصف سبتمبر بالتزامن مع الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي وقت نشطت فيه التحركات الدبلوماسية حول السودان. فقد عقد مبعوث الشؤون الأفريقية الأمريكي في نيويورك محادثات ثلاثية مع وزيري الخارجية السوداني والمصري، كما أعلن وزير الخارجية المكلف من الجيش أن الحكومة مستعدة للتفاوض، مع تأكيده على عدم المساس بالسيادة وتحفظاته على بعض عناصر مقترح وقف إطلاق النار الإنساني الأمريكي.
وفي الوقت نفسه، التقى وفد من القوى المدنية بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك برئيس الاتحاد الأفريقي، إيفاريست ندايشيميي، رئيس جمهورية بوروندي، الذي أشار إلى استعداد الحكومة و”تحالف التأسيس” لقبول الوساطة.
في هذا السياق، يمكن تفسير إصرار قيادة الجيش على صناعة تقدم ميداني لتوظيفه سياسياً إلى جانب وظيفته العسكرية، فإظهار قدرة الجيش على تحقيق مكاسب على الأرض يمكن أن يُستخدم لتدعيم موقفه التفاوضي، خصوصاً في لحظة تزداد فيها الضغوط الدولية باتجاه وقف الأعمال العدائية والتفاوض. ولا يعني ذلك بالضرورة أن العامل السياسي هو السبب الوحيد للعملية، لكنه يجعل توقيتها جزءاً لا يمكن فصله عن الحسابات التفاوضية المحيطة بالحرب.
حدود المكسب العسكري
إن المشكلة الأساسية في العملية ليست في السيطرة على سودري بحد ذاتها، وإنما في الفجوة بين قيمة الموقع وحجم الادعاء المرتبط به. وفي المقابل، تواصل قوات الدعم السريع الضغط على جبهة أخرى في النيل الأزرق، الأمر الذي يجبر الجيش على توزيع موارده بين مسرحين.
وبالتالي، فإن السؤال العملياتي لا يتعلق بعدد المواقع التي يمكن الاستيلاء عليها، وإنما بقدرة الجيش على الاحتفاظ بها، وربطها بشبكة إمداد آمنة، وتحويلها إلى قاعدة لتقدم لاحق. يتزامن ذلك مع استمرار الدعوات الدولية إلى وقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وضمان الوصول الإنساني.
كما أعلن تحالف القوى السياسية والمسلحة السودانية في إعلان المبادئ الموقع في ديسمبر 2025 أن لا حل عسكرياً للحرب، بينما يواصل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية التحذير من آثار القتال على المدنيين.
وفي الوقت نفسه، أدت المعارك في كردفان إلى نزوح واسع، إذ تجاوز عدد النازحين من ولايات كردفان الثلاث منذ أكتوبر 2025 مئات الآلاف، كما اضطر مدنيون إلى الفرار من مناطق بينها حمرة الشيخ، وتعرّض مستودع لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة، يونيسف، لهجوم بطائرات بدون طيار في شمال كردفان.
وهكذا، فإن المكسب الميداني لا يمكن تقييمه بمعزل عن كلفته الإنسانية وعن قدرته على إنتاج سيطرة مستدامة. فالسيطرة على مركز إداري قد تكون مكسباً تكتيكياً، لكن قيمتها الاستراتيجية تتحدد بما إذا كانت تغير ميزان القوة والقدرة على الحركة والإمداد والسيطرة، وهو ما لم تثبته العملية حتى الآن.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة