هدنة السودان: جسر إلى السلام أم تجميد للحرب؟ بقلم : طارق اسماعيل
في السودان، قد تكون أخطر الهدن تلك التي توقف الحرب ولا تنهيها. فصمت البنادق قد يكون بداية للسلام، لكنه قد يصبح أيضاً فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة قبل جولة جديدة. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي بشأن الهدنة المقترحة لتسعين يوماً ليس: من يقبل السلام ومن يرفضه؟ بل: هل ستكون الهدنة جسراً إلى السلام، أم آلية لتجميد الحرب؟
تأتي المبادرة في حرب أصبحت فيها السيطرة على الأرض جزءاً من معادلة مستقبل الدولة. ولذلك فإن وقف القتال، إذا لم تحدد قواعده وما يترتب عليه خلال الهدنة وبعدها، قد يجمّد الواقع العسكري بدلاً من أن يفتح الطريق لتغييره سياسياً.
وتزداد المسألة تعقيداً لأن الهدنة قد تتيح مكاسب مختلفة لأطراف متعددة، من دون أن تكون هذه المكاسب متساوية أو متعارضة بالضرورة: طرف قد يستفيد من تثبيت مواقعه، وآخر من تحسين موقعه التفاوضي، وثالث من إعادة بناء تحالفاته أو نفوذه. وقد تجد القوى الإقليمية والدولية بدورها مجالاً لإعادة ترتيب أولوياتها. وبين هذه الحسابات كلها يبقى المدنيون الطرف الذي يفترض أن تكون حمايته الغاية الأولى، لا النتيجة العرضية للاتفاق.
لكن الحاجة الإنسانية لا تحتمل الانتظار. فالغذاء والدواء وحماية المدنيين وفتح ممرات آمنة للمساعدات أهداف لا يمكن تأجيلها إلى حين اكتمال التسوية السياسية. ولذلك لا يكفي رفض الهدنة بدافع التحفظ عليها، كما لا يكفي قبولها لمجرد أنها تحمل صفة «إنسانية». المعيار هو ما إذا كانت شروطها تجعل فائدتها الإنسانية متوافقة مع طريق واقعي إلى السلام.
والتجربة السودانية تجعل هذا الشرط جوهرياً. فقد سبقت الهدنة المقترحة محاولات متعددة لوقف القتال، بينها اتفاق جدة، لكنها لم تنتج تسوية مستدامة. والدرس الأوضح منها أن إعلان وقف النار أسهل من ضمانه؛ فغياب الرقابة الفعالة وآليات التعامل مع الخروقات يمكن أن يحول الهدنة إلى توقف مؤقت، فيما تبقى أسباب الحرب ومصادر قوتها قائمة. لذلك لا ينبغي قياس قيمة التسعين يوماً بعدد الأيام التي تصمت فيها المدافع، بل بما يتغير خلالها: هل تصل المساعدات بأمان؟ هل توجد رقابة مستقلة وقابلة للتحقق؟ هل تمنع الهدنة إعادة التموضع أو تعزيز القدرات العسكرية؟ هل تُحيد المساعدات عن التنافس السياسي والعسكري؟ وهل تفتح مساراً تفاوضياً يقود إلى تسوية قابلة للاستمرار؟
هنا يصبح التحفظ على صيغة الهدنة مختلفاً عن رفض السلام، كما يصبح قبولها مسؤولية لا تقل عن مسؤولية رفضها. فالهدنة التي تضمن حماية المدنيين وتمنع تحويل الهدوء إلى مكسب أحادي، وتربط التوقف بخطوات سياسية وأمنية قابلة للتحقق، يمكن أن تكون جسراً حقيقياً إلى السلام.
أما إذا توقفت البنادق بينما بقيت موازين القوة، وآليات النفوذ، وأسباب الحرب على حالها، فقد يتحول الهدوء إلى واقع مؤقت يصعب فصله عن الصراع نفسه.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش الدولي والسوداني ليس: هل نقبل الهدنة أم نرفضها؟
بل: هل تستوفي الهدنة الشروط التي تجعل قبولها خطوة نحو السلام، لا مجرد تأجيل للحرب؟
فإذا لم تكن الإجابة مدعومة بضمانات واضحة وقابلة للتحقق، فإن المشكلة لا تكمن في رفض الهدنة أو قبولها بحد ذاته، وإنما في قبول صيغة لا تستطيع أن تضمن أن يكون اليوم الحادي والتسعون مختلفاً عن اليوم الأول.
فالهدنة الناجحة ليست التي تؤجل الحرب تسعين يوماً، بل التي تستخدم التسعين يوماً لجعل العودة إلى الحرب أصعب من ذي قبل.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة