من كرمة إلى سنار إلى دولة 56: السودان وإعادة تعريف الدولة والهوية!

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-31-2026, 10:13 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-29-2026, 01:46 AM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6395

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
من كرمة إلى سنار إلى دولة 56: السودان وإعادة تعريف الدولة والهوية!

    01:46 AM August, 28 2026

    سودانيز اون لاين
    محمد جمال الدين-The Netherlands
    مكتبتى
    رابط مختصر



    التركية والمهدية والإنجليز
    قد يبدو للوهلة الأولى أن الحكم التركي، ثم المهدية، ثم الحكم الإنجليزي، مثلت تحولات حضارية متباينة. وهذا صحيح من حيث السياسة والإدارة وموازين القوة، لكنه لا يعني أنها أحدثت قطيعة حضارية كاملة مع النسق السناري.

    فالتركية كانت نظاماً إمبراطورياً مركزياً فرض جهازاً إدارياً وعسكرياً جديداً، لكنها لم تستبدل البنية الدينية والاجتماعية العميقة للمجتمع السوداني. بل تعاملت مع الإسلام والعربية والطرق الدينية والبنى المحلية بوصفها أدوات لا غنى عنها للحكم.

    وظل الحكم المهدوي، رغم طابعه الثوري والصدامي، يتحرك داخل المجال الإسلامي الذي تشكل في السودان، مستنداً إلى الدين والقيادة الروحية والولاء للطريقة والشيخ والقبيلة. أما الحكم الإنجليزي، فقد أحدث تغييرات كبيرة في الإدارة والتعليم والاقتصاد والحدود، لكنه لم ينجح، أو لم يسعَ بالضرورة، إلى تغيير جذري في العقيدة الرسمية واللغة العربية والأنساق الاجتماعية التي تشكلت في المجال السناري.

    ومن هنا يمكن القول إن التركي والمهدية والإنجليز كانوا أنساقاً سياسية وإدارية داخل الإطار السناري العام، لا تحولات حضارية جذرية بالمعنى الكامل. فقد تغيرت الدولة من حيث السلطة والموظفين والقوانين ووسائل السيطرة، لكن لم يتغير بصورة حاسمة مركز الدين، ولا اللغة الرسمية، ولا القبلة الرمزية، ولا البنى الصوفية والقبلية والاجتماعية التي ظل المجتمع يتحرك داخلها.

    ما الذي يجعل التحول حضارياً لا سياسياً؟
    التحول الجذري لا يقاس بعدد السنوات التي حكمتها سلطة ما، ولا بحجم التغيير الإداري الذي أحدثته، بل بمدى انتقال المجتمع من منظومة حضارية إلى منظومة أخرى. ويقاس ذلك، في هذا التصور، بتغيرات عميقة مثل:
    الانتقال من إله أو منظومة دينية إلى أخرى.
    انتقال الدين الرسمي أو المرجعية الدينية للدولة.
    استبدال لغة رسمية بلغة أخرى.
    تغير بنية الشرعية السياسية.
    إعادة تشكيل الطبقات الاجتماعية والرموز العامة.
    نشوء مخيال جديد للعالم والإنسان والسلطة.
    وبهذا المقياس، كان الانتقال من آمون إلى أبادماك، ومن النسق المروي إلى المسيحية، ومن المسيحية إلى الإسلام والعربية، تحولات حضارية عميقة؛ لأنها مست الدين واللغة والرموز والسلطة والطبقات الاجتماعية. أما الانتقال من التركية إلى المهدية، أو من المهدية إلى الحكم الإنجليزي، أو من الحكم الإنجليزي إلى دولة الاستقلال، فلم يكن بالدرجة نفسها من القطيعة الحضارية، مهما كان أثره السياسي كبيراً.

    وهنا ينبغي الحذر من مساواة «التغيير السياسي» بـ«التغيير الحضاري». فقد يتغير الحاكم، بينما تبقى البنية التي تجعل الحكم ممكناً كما هي. وقد تتغير القوانين، بينما تظل علاقة الفرد بالجماعة، وبالشيخ، وبالقبيلة، وبالمركز، محكومة بالمنطق القديم نفسه.

    الخراب التكراري للحواضر
    إذا نظرنا إلى هذه التحولات مجتمعة، تظهر أمامنا فكرة أخرى: الخراب التكراري للحواضر. ليس المقصود أن كل مدينة دُمرت عسكرياً بالضرورة قبل ظهور المركز الجديد، وإنما أن مركزاً حضارياً يفقد قدرته على التجدد، ثم يظهر مركز جديد، فيعيد تأسيس الشرعية فوق أنقاض المرحلة السابقة، مادياً أو رمزياً.
    ومن هذه الزاوية يمكن فهم نهاية مروي وصعود المراكز المسيحية، ثم خراب سوبا وصعود سنار. فالتحول لا يبدأ لحظة الغزو. غالباً ما يبدأ قبل ذلك، عندما تفقد البنية القديمة قدرتها على التجدد، أو عندما تتسع التناقضات بين مركز السلطة والأطراف، أو عندما تصبح الشرعية القديمة عاجزة عن استيعاب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والدينية.

    وعليه، فإن خراب مروي أو سوبا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادثاً عسكرياً منفرداً، بل بوصفه نتيجة لمسار طويل من التآكل الداخلي. وحين جاءت القوى الجديدة، وجدت أرضاً متشققة، فاستكملت ما كان قد بدأ داخل المجتمع نفسه. إن الخارج قد يفتح الباب، لكن الانهيار الكامل يحدث عندما تكون الأبواب قد تصدعت من الداخل.
    وهذه القاعدة مهمة لفهم الحاضر السوداني. لا ينبغي أن ننسب أزمتنا كلها إلى الخارج، ولا أن ننكر أثر التدخلات الخارجية في إضعاف الدولة. فالخارج يستثمر عادةً في الانقسامات القائمة، ويعمق الشروخ الموجودة، لكنه لا يستطيع وحده خلق نسق متشقق من العدم.

    دولة 56 واستمرار النسق
    يمكن النظر إلى دولة ما بعد الاستقلال، أو «دولة 56»، باعتبارها استمراراً مركباً للنسق السناري، مع إضافات استعمارية وحداثية ومؤسسات دستورية جديدة. فقد ورثت الدولة جهازاً إدارياً مركزياً، وحدوداً سياسية، وتعليماً حديثاً، ونظاماً قانونياً، لكنها لم تنجح في بناء عقد اجتماعي يتجاوز الامتيازات القديمة.
    ظلت الدولة الحديثة، في جانب كبير منها، تعمل داخل مجتمع تتجاور فيه المواطنة القانونية مع الانتماءات الدينية والقبلية والجهوية والطرق الصوفية. كما ظل المركز السياسي والثقافي قادراً على تعريف الدولة وفق مخياله الخاص، بينما بقيت أقاليم عديدة تشعر بأن الدولة لا تمثلها إلا جزئياً، أو أنها تطالبها بالولاء قبل أن تمنحها الحقوق.

    ولهذا لم تستطع دولة الاستقلال أن تتحول من دولة ذات امتيازات تاريخية إلى دولة مواطنة مكتملة. لقد استبدلت بعض مؤسسات الحكم، لكنها لم تفكك البنية التي تجعل بعض المواطنين أقرب إلى الدولة من غيرهم، ولا عالجت بصورة كافية التفاوت في السلطة والثروة والاعتراف.
    إن دولة 56 لم تبدأ من الصفر، ولم تكن نقيضاً كاملاً لما سبقها. لقد حملت في داخلها آثار سنار، وآثار التركية، وآثار الإنجليز، وآثار الصراعات السابقة، ثم أعادت إنتاجها في صورة وطنية حديثة. وبذلك أصبحت حلقة جديدة في تاريخ البناء فوق الخراب، لا نهاية لهذا التاريخ.

    الأقاليم خارج المخيال السناري
    ومن الأخطاء المنهجية أن نتحدث عن السودان وكأنه عاش تاريخاً واحداً ومخيالاً واحداً. فقد ظل عدد من أقاليم السودان خارج النسق السناري أو في علاقة جزئية به. والاختلاف هنا ليس مجرد اختلاف جغرافي، بل اختلاف في البنى الاجتماعية، وأنماط السلطة، والنظم الإدارية، والذاكرة التاريخية، والتصورات المحلية للانتماء.

    فجنوب السودان لم يتشكل داخل المجال السناري بالطريقة نفسها التي تشكل بها الوسط النيلي. وكذلك دارفور، وجبال النوبة، وأجزاء من شرق السودان. ولم تكن هذه المناطق مجرد أطراف ناقصة من المركز، بل مجتمعات ذات تاريخها وبنيتها ومخيالها الخاص.

    لذلك فإن إدخالها في الدولة بالقوة أو تعريفها دائماً من خلال المركز لا ينتج وحدة وطنية، بل ينتج مقاومة وعنفاً وشعوراً مستمراً بالتهميش. ولهذا فإن مشروع دولة المواطنة لا يمكن أن يقوم على توسيع النسق السناري ليشمل الجميع قسراً. المطلوب ليس «سنرنة» السودان، بل الاعتراف بأن السودان متعدد المسارات، وأن الدولة ينبغي أن تكون إطاراً دستورياً يساوي بين هذه المسارات، لا أداة لإخضاعها لمخيال واحد.

    من دولة الهوية إلى دولة المواطنة
    ظل النسق السناري، في جوهره، نسقاً من أنساق دولة الهوية؛ أي الدولة التي تستمد جزءاً مهماً من شرعيتها من الدين، أو اللغة، أو التاريخ، أو الجماعة الحاكمة، أو تحالف هذه العناصر. وفي دولة الهوية لا تُعامل الهويات المختلفة باعتبارها شركاء متساوين، بل يجري ترتيبها في سلم رمزي وسياسي: هوية مركزية وأخرى تابعة، جماعة أصيلة وأخرى تحتاج إلى الاندماج، ثقافة معيارية وثقافات محلية.

    وهنا تصبح سلسلة التحولات التي بدأت من كرمة مروراً بنبتة ومروي وسوبا وانتهت إلى سنار ذات دلالة خاصة. ففي كل مرحلة من هذه المراحل نرى انتقالاً في مركز السلطة، ومعه إعادة تعريف للرموز الدينية واللغوية والسياسية. وهذا هو جوهر الفرضية: دولة الهوية تميل إلى إعادة تأسيس نفسها بإلغاء مركز الشرعية السابق، بدلاً من استصحابه داخل عقد جديد.

    أما دولة المواطنة فتنطلق من سؤال مختلف. لا تسأل المواطن أولاً: من أي قبيلة أنت؟ وما دينك؟ وما لغتك؟ وما موقعك من السردية الرسمية؟ بل تسأله: ما حقوقك؟ وما واجبات الدولة تجاهك؟ وكيف نعيش معاً في إطار قانوني عادل؟

    إن دولة المواطنة لا تنفي الدين، ولا تمحو اللغة، ولا تلغي الذاكرة، ولا تحارب القبيلة بوصفها واقعاً اجتماعياً. لكنها ترفض تحويل هذه العناصر إلى مصادر للامتياز السياسي أو إلى شروط للانتماء الكامل. فهي تحمي الهويات في المجتمع، لكنها تحيدها عن احتكار الدولة والسلطة.

    التحدي: كيف نخرج من سنار دون أن نصنع سناراً مضادة؟
    قد يبدو في البداية أن دولة المواطنة لا يمكن أن تولد إلا بعد محو دولة الهوية. لكن الواقع أكثر تعقيداً. فدولة المواطنة لا تنشأ في فراغ، بل تحتاج إلى مادة تاريخية وثقافية سابقة تعيد قراءتها ونقدها وإعادة تركيبها. إنها لا تبدأ من العدم، لكنها لا ترتهن للماضي.

    وهنا يكمن التحدي السوداني: كيف ننتقل من النسق السناري دون أن نعيد إنتاجه في صورة مضادة؟ وكيف نغادر دولة الهوية من غير أن نبني دولة هوية جديدة باسم الكوشية أو العروبة أو الأفريقانية أو السودانوية أو غيرها؟ فاستبدال هوية مهيمنة بهوية مهيمنة أخرى لا يحقق المواطنة، بل يعيد دورة الإقصاء نفسها.

    لقد شهد السودان في العقود الأخيرة صعود خطابات تبحث عن أصل جامع جديد، أو عن تاريخ بديل، أو عن هوية مضادة. وقد تكون لهذه الخطابات قيمة احتجاجية، لأنها تكشف المظالم وتقاوم الهيمنة، لكنها تصبح خطرة عندما تتحول من أدوات نقد إلى مشاريع احتكار رمزي وسياسي. فالخروج من سنار لا يكون ببناء «سنار مضادة»، وإنما ببناء دولة لا تحتاج إلى أسطورة أصل واحدة كي تبرر شرعيتها.

    سنار بوصفها أرضية تاريخية لا عقيدة سياسية
    وهنا ربما تكمن المفارقة الأهم. إذا كانت دولة المواطنة تحتاج إلى أرضية تاريخية وثقافية تستند إليها، فإن النسق السناري نفسه يمكن أن يكون جزءاً من هذه الأرضية، ولكن بشرط أساسي: أن نستند إليه دون أن نعتنقه. أن نقرأه دون أن نقدسه. أن نفهم ما صنعه دون أن نسمح له بأن يحكم مستقبلنا. أن نأخذ منه ما يصلح للحياة المشتركة، ونترك ما يحول التاريخ إلى امتياز.

    فالدولة الجديدة لا تحتاج إلى محو سنار. بل تحتاج إلى أن تغير علاقتها بسنار. سنار تصبح تاريخاً. والتاريخ يصبح معرفة. والمعرفة تصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية. لكن التاريخ لا يصبح شهادة ملكية سياسية للحاضر. وهنا يمكن أن تتحول سنار من نهاية نسق هوياتي إلى جسر نحو نسق جديد.






                  

08-29-2026, 08:59 AM

اسماعيل عبد الله محمد
<aاسماعيل عبد الله محمد
تاريخ التسجيل: 08-26-2007
مجموع المشاركات: 3807

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: من كرمة إلى سنار إلى دولة 56: السودان وإعاد� (Re: محمد جمال الدين)

    Quote: لذلك فإن إدخالها في الدولة بالقوة أو تعريفها دائماً من خلال المركز لا ينتج وحدة وطنية، بل ينتج مقاومة وعنفاً وشعوراً مستمراً بالتهميش. ولهذا فإن مشروع دولة المواطنة لا يمكن أن يقوم على توسيع النسق السناري ليشمل الجميع قسراً. المطلوب ليس «سنرنة» السودان، بل الاعتراف بأن السودان متعدد المسارات، وأن الدولة ينبغي أن تكون إطاراً دستورياً يساوي بين هذه المسارات، لا أداة لإخضاعها لمخيال واحد.
    شكراً استاذ محمد جمال الدين
                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de