من كرمة إلى سنار إلى دولة 56 السودان وإعادة تعريف الدولة والهوية!

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-31-2026, 10:13 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-29-2026, 01:41 AM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6395

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
من كرمة إلى سنار إلى دولة 56 السودان وإعادة تعريف الدولة والهوية!

    من كرمة إلى سنار إلى دولة 56: السودان وإعادة تعريف الدولة والهوية!

    ملاحظة استباقية:
    هذا النص امتداد لمانيفستو (مستقبل السودان)، وتطوير لأفكاره حول الانتقال من دولة الهوية إلى دولة المواطنة.

    تمهيد
    يقدم هذا النص محاولة لفهم السودان من خلال مسار طويل من انتقال المراكز الحضارية: من كرمة إلى نبتة، فمروي، فسوبا وعلوة، ثم سنار، وصولاً إلى دولة ما بعد الاستقلال، أو ما يُسمّى «دولة 56». الفكرة الأساسية التي ننطلق منها هنا، هي أن السودان لا يزال يعيش، حتى اليوم، داخل ما يمكن تسميته «النسق السناري الحضاري»؛ أي منظومة من العقيدة واللغة والبنى الاجتماعية والرموز السياسية ترسخت منذ سلطنة سنار، واستمرت بأشكال مختلفة عبر التركية والمهدية والحكم الإنجليزي ودولة الاستقلال 56.

    لا يهدف النص إلى تأريخ الممالك والدول بقدر ما يهدف إلى طرح سؤال أعمق: أي نسق حضاري ظل يسيطر على المخيال العام في السودان من وراء تعاقب الإدارات السياسية؟ وكيف يمكن الانتقال من هذا النسق، الذي يظل في جوهره نسق دولة هوية، إلى دولة مواطنة لا تجعل من الدين أو اللغة أو القبيلة أو الذاكرة التاريخية أساساً للامتياز السياسي، بل إطاراً مشتركاً للعيش معاً؟

    من خلال تتبع سلسلة التحولات الحضارية في وادي النيل، يحاول النص أن يبيّن أن الخروج من النسق السناري لا يعني محو سنار ولا استبدالها بـ«سنار مضادة»، بل تغيير علاقتنا بها: من عقيدة سياسية إلى أرضية تاريخية، ومن ملكية حصرية لجماعة إلى ميراث مشترك للجميع. وهكذا يصبح الانتقال من دولة الهوية إلى دولة المواطنة ليس مجرد تغيير دستوري، بل تحولاً في المخيال الوطني نفسه.


    المقدمة
    نعيش في السودان، حتى هذه اللحظة، داخل النسق السناري الحضاري؛ لا بمعنى أننا نعيش فقط في حدود المملكة التي قامت عاصمتها في سنار، بل بمعنى أننا نعيش داخل منظومة تاريخية وثقافية ودينية ولغوية واجتماعية تشكلت منذ صعود سنار، وما تزال آثارها حاضرة في الدولة والمجتمع والخيال السياسي. وقد تعاقبت على هذا النسق أنظمة سياسية وإدارية مختلفة: التركية، والمهدية، والحكم الإنجليزي، ثم دولة ما بعد الاستقلال، من دون أن تحقق قطيعة حضارية جذرية معه.

    لا يقصد هذا إنكار التحولات السياسية أو التقليل من أهميتها، بل التمييز بين تغير نظام الحكم وتغير النسق الحضاري. فقد تتبدل السلطة والإدارة والقوانين وأسماء المؤسسات، بينما تبقى الأصول العميقة التي تنظم علاقة المجتمع بالدين واللغة والقبيلة والسلطة والتاريخ كما هي. ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الأهم ليس: من حكم السودان؟ بل: أي نسق حضاري ظل يحكم السودان من وراء تعاقب الحكومات؟

    من كرمة إلى سنار: تاريخ طويل من انتقال مركز الحضارة جنوباً
    يمكن قراءة تاريخ السودان، وفق التصور الذي تقترحه ورقة «دولة المواطنة»، بوصفه تاريخ طبقات حضارية متراكبة؛ طبقة فوق طبقة، يتداخل فيها الهدم والبناء، والانقطاع والاستمرار. لكن هذه القراءة تكتسب بعداً آخر إذا نظرنا إلى حركة مراكز الحضارة نفسها داخل القسم الجنوبي من وادي النيل.
    فالمسألة، في هذا التصور، ليست فقط تعاقب ممالك ودول، وإنما أيضاً تحرك متدرج لمراكز الثقل الحضاري نحو الجنوب:
    من كرمة إلى نبتة،
    ومن نبتة إلى مروي،
    ومن مروي إلى سوبا وعلوة في مرحلة المسيحية،
    ثم من سوبا إلى سنار.

    أي أننا أمام سلسلة طويلة من التحولات الحضارية، تحرك فيها مركز السلطة والحضارة جنوباً، بينما ظل المركز الأقدم موجوداً في الجغرافيا، لكنه أخذ يفقد شيئاً فشيئاً موقعه المركزي في صناعة النسق الجديد.
    ولا يعني هذا أن كل انتقال كان مجرد نقل للعاصمة بالمعنى الإداري الحديث، أو أن الحركة كانت دائماً خطاً مستقيماً بلا تعقيدات. المقصود أن مركز الثقل الحضاري والسياسي والديني أخذ يتحول عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وأن كل مرحلة جديدة حملت معها قدراً من الاستمرار وقدراً من القطيعة.
    وتبدأ السلسلة، في هذه القراءة، من كرمة.

    كرمة: البداية الأولى في هذا المسار
    تضع الفرضية المطروحة مرحلة كرمة (كوش الكلية) في مدى زمني واسع، يقارب 5000 ق.م – 350 ق.م، مع الإقرار بأن هذا التأريخ يمثل إطاراً للنظرية قيد التطوير، وليس حكماً نهائياً على كل تفاصيل التاريخ القديم.
    في هذه المرحلة تتشكل واحدة من أقدم المراكز الحضارية الكبرى في هذا الجزء من وادي النيل، وتصبح كرمة مركزاً سياسياً وحضارياً مهماً. ثم يتحرك مركز الثقل جنوباً باتجاه نبتة، على مسافة تقارب 150 كيلومتراً، من دون أن يعني ذلك في البداية قطيعة جذرية مع النسق السابق.
    المهم هنا أن الانتقال جنوباً لا يعني بالضرورة انهياراً كاملاً للنسق السابق؛ فالمركز الجديد غالباً ما يحمل عناصر من المركز القديم ويعيد ترتيبها في سياق جديد. وهذا ما يجعل تاريخ وادي النيل أكثر تعقيداً من كونه مجرد سلسلة من الحضارات تولد ثم تموت: فيه استمرارية وقطيعة معاً؛ بقاء للرموز وإعادة تفسير لها؛ وانتقال للمركز دون اختفاء المركز القديم من الجغرافيا.

    (عدل بواسطة محمد جمال الدين on 08-29-2026, 01:51 AM)
    (عدل بواسطة محمد جمال الدين on 08-29-2026, 01:52 AM)
    (عدل بواسطة محمد جمال الدين on 08-29-2026, 03:54 AM)







                  

08-29-2026, 01:56 AM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6395

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: محمد جمال الدين)

    من كرمة كمركز حضاري إلى نبتة
    مع انتقال مركز الثقل من كرمة إلى نبتة، يصبح جبل البركل والمنطقة المحيطة به مركزاً أكثر وضوحاً للسلطة والرمزية الدينية. وهنا يبدأ النسق الجديد في بناء علاقته الخاصة بالدين والسلطة والتاريخ.
    في هذه المرحلة تظهر رمزية آمون بصورة مركزية، ليس فقط بوصفه إلهاً في منظومة دينية، وإنما باعتباره جزءاً من تشكيل اجتماعي وسياسي معقد. وهذا مفتاح لفهم النظرية: فالدين هنا ليس منفصلاً عن الدولة، بل جزء من بناء الشرعية. والرمز الديني ليس مجرد رمز روحي، بل يدخل في تشكيل السلطة والمجتمع والتراتبية السياسية.
    من هنا نفهم لماذا تصبح التحولات الدينية في تاريخ وادي النيل أكثر من مجرد تحولات في العقيدة؛ إنها تحولات في طريقة تنظيم المجتمع، وفي الطريقة التي تقدم بها السلطة نفسها إلى الناس.

    من نبتة إلى مروي
    ثم يأتي التحول الثاني الكبير. في حدود 350 ق.م – 350 م ينتقل مركز الثقل من نبتة إلى البجراوية، أي مروي، بنحو 200 كيلومتر تقريباً جنوباً. وهنا لا يعود الانتقال مجرد استمرار هادئ.
    تظهر عناصر جديدة في الدين واللغة والسلطة. تتقدم رمزية أبادماك، ويظهر نسق ديني وسياسي مختلف، كما تتقدم اللغة المروية في مواجهة النسق اللغوي السابق. وفي هذه القراءة، يمثل التحول من نبتة إلى مروي مرحلة أكثر وضوحاً من القطيعة.

    فالرموز الدينية السابقة تتراجع، وتظهر رموز جديدة. اللغة تتغير. بنية السلطة تتغير. وتتشكل أيديولوجيا جديدة لنظام الهوية الحاكم. والمثال الذي تستند إليه النظرية في هذا السياق هو الصراع مع كهنة آمون، بما يكشفه من أن التحول الديني لم يكن منفصلاً عن الصراع على السلطة.
    وبذلك يصبح الانتقال من نبتة إلى مروي واحداً من الأمثلة المهمة على أن انتقال مركز الحضارة جنوباً كان يصاحبه أحياناً إعادة تأسيس للشرعية نفسها.

    مروي: حضارة جديدة فوق إرث قديم
    لم تختفِ نبتة عندما برزت مروي. ولم تختفِ كرمة عندما برزت نبتة. وهذا أمر بالغ الأهمية. فالمراكز القديمة تبقى في الجغرافيا، وتبقى آثارها، وتبقى ذاكرتها، وتبقى بعض عناصرها داخل النسق الجديد. لكنها تفقد موقعها المركزي.

    وهنا يمكن فهم إحدى الأفكار الأساسية في هذه القراءة: المركز الحضاري القديم لا يختفي بالضرورة؛ الذي يختفي هو مركزيته. وهذا الفارق مهم. لأن ما يحدث لاحقاً في السودان يشبهه بصورة أو بأخرى. فقد بقيت مروي، لكن المركز انتقل إلى فضاء جديد. ثم بقيت مراكز المسيحية، لكن مركز السلطة انتقل لاحقاً إلى سنار. وهكذا فإن تاريخ السودان، في هذه القراءة، ليس تاريخ اختفاء الأمكنة، وإنما تاريخ انتقال المركز وإعادة تعريفه.

    من مروي إلى سوبا وعلوة: التحول اليسوعي
    ثم تأتي مرحلة التحول الثالث. بين نحو 450م و1500م، تدخل المنطقة في مرحلة مسيحية طويلة، وتنتقل مراكز الثقل السياسي والحضاري إلى ممالك مسيحية، وفي مقدمتها علوة، التي ارتبط مركزها بسوبا في منطقة الخرطوم الحالية. وهنا يتحرك مركز الحضارة مرة أخرى جنوباً: من مروي إلى سوبا.

    لكن التحول هذه المرة لا يتمثل فقط في انتقال جغرافي. إنه تحول في المرجعية الدينية نفسها. تتراجع الآلهة القديمة، ويظهر المسيح والكتاب المقدس. وتدخل لغات جديدة في المجال الرسمي والثقافي والديني، ومنها اليونانية والقبطية، إلى جانب استمرار لغات محلية متعددة.

    وهكذا، مرة أخرى، لا يكون التحول مجرد تغيير في اسم العاصمة. إنه تغيير في تصور العالم: تغيير في الدين، في الرموز، في اللغة، وفي بنية السلطة. ومن هنا يصبح من الممكن أن نرى نمطاً يتكرر: كل مركز جديد لا يرث المركز السابق فقط، بل يعيد تعريف الشرعية من جديد. وهذا هو الجانب الذي يهمنا أكثر من التفاصيل السياسية لكل مملكة.

    سوبا وعلوة: مركز جديد، وذاكرة مركز قديم
    ومثلما لم تختفِ مروي فور صعود الممالك المسيحية، لم تختفِ كل آثار النسق السابق. بقيت الجغرافيا. وبقيت المجتمعات. وبقيت اللغات المحلية. وبقيت عناصر ثقافية واجتماعية مختلفة. لكن مركز الشرعية تغيّر. وأصبح الدين المسيحي جزءاً أساسياً من النظام السياسي والثقافي الجديد.
    وهنا نصل إلى مرحلة بالغة الأهمية في فهم صعود سنار لاحقاً. فالتاريخ لا يتحرك من فراغ. كل نسق جديد يأتي إلى أرض مشبعة بآثار النسق السابق. لكنه، في كثير من الأحيان، لا يتعامل مع هذه الآثار باعتبارها تراثاً مشتركاً ينبغي استصحابه، وإنما باعتبارها شيئاً يجب تجاوزه أو محوه لكي تكتمل شرعيته. وهنا تبدأ فكرة القطائع غير المكتملة.

    من سوبا إلى سنار: التحول الرابع
    ثم يأتي التحول الرابع والأخير في هذه السلسلة. في حدود 1503/1504م تبدأ مرحلة سنار، التي سوف يصبح أثرها أعمق بكثير من مجرد عمر السلطنة نفسها. ينتقل مركز الثقل من سوبا إلى سنار، بنحو 300 كيلومتر تقريباً جنوباً. وهنا يتكرر النمط نفسه، ولكن بصورة جديدة: انتقال جغرافي، انتقال ديني، انتقال لغوي، وانتقال في بنية السلطة.

    تتحول المرجعية الدينية من المسيحية إلى الإسلام. وتنتقل الرمزية الدينية من أورشليم إلى مكة. وتتقدم العربية لتحل محل اللغات السابقة في مجالات الإدارة والثقافة والدين، مع استمرار اللغات المحلية في المجتمع. وتتغير بنية السلطة. وتتراجع الطبقة الحاكمة السابقة، في الروايات التاريخية المختلفة، لصالح نظام جديد.
    لكن الأهم بالنسبة إلينا ليس تفاصيل كل رواية عن كيفية سقوط علوة أو صعود الفونج، وإنما محتوى التحول نفسه. فقد ظهرت مرة أخرى منظومة جديدة للدين واللغة والسلطة والشرعية. وهنا تبدأ سنار في تكوين ما أسميه: النسق السناري الحضاري.

    لماذا سنار بالذات؟
    لأن سنار لم تكن مجرد سلطنة انتهت عندما انتهت سلطنتها. إنها تركت وراءها منظومة واسعة امتدت في المجتمع، واستمرت آثارها بعد تغير الحكام. فالنسق السناري ليس مجرد فترة تاريخية تبدأ في القرن السادس عشر وتنتهي بسقوط السلطنة. إنه نمط شامل من تنظيم الحياة العامة، يقوم على تضافر عناصر رئيسية، أبرزها:

    الإسلام الصوفي بوصفه المرجعية الدينية العامة للدولة والمجتمع.
    اللغة العربية (العامية الوسطسودانية) بوصفها لغة الإدارة والتجارة والثقافة الرسمية.
    الطرق الصوفية بوصفها مؤسسات دينية واجتماعية وسياسية مؤثرة.
    البنى القبلية والاجتماعية التي تنظم الانتماء والوساطة والحماية.
    مركزية السلطة مع تفاوت كبير في توزيع الموارد والاعتراف.
    شرعية تاريخية تستند إلى الدين والنسب والرمز والامتياز.

    وقد ساعد صعود سلطنة سنار على ترسيخ الإسلام وانتشار العربية، كما أصبحت الطرق الصوفية من أهم قنوات التنظيم الاجتماعي والديني في السودان. لكن الأهم أن هذه العناصر لم تتوقف بسقوط السلطنة. لقد انتقلت إلى مراحل لاحقة، وأعيد ترتيبها داخل أنظمة سياسية جديدة. وهنا يكمن الفرق بين سقوط الدولة وسقوط النسق الحضاري.

    النسق السناري ليس سلطنة الفونج
    هذه نقطة أساسية. عندما نقول إن السودان ما يزال يعيش داخل النسق السناري، فنحن لا نقول إن سلطنة الفونج ما زالت موجودة. ولا نقول إن النظام السياسي الذي حكم سنار ما زال قائماً. المقصود أن عناصر أساسية من المخيال الذي تشكل في ذلك العهد استمرت في الدولة ومخيال المجتمع.
    فالتركية جاءت. ثم جاءت المهدية. ثم جاء الحكم الإنجليزي. ثم جاءت دولة الاستقلال. لكن هذه التحولات، رغم ضخامتها السياسية والإدارية، لم تُنجز بالضرورة قطيعة حضارية كاملة مع النسق السناري كما حدث في التحولات السابقة.

    التركية والمهدية والإنجليز
    قد يبدو للوهلة الأولى أن الحكم التركي، ثم المهدية، ثم الحكم الإنجليزي، مثلت تحولات حضارية متباينة. وهذا صحيح من حيث السياسة والإدارة وموازين القوة، لكنه لا يعني أنها أحدثت قطيعة حضارية كاملة مع النسق السناري.

    فالتركية كانت نظاماً إمبراطورياً مركزياً فرض جهازاً إدارياً وعسكرياً جديداً، لكنها لم تستبدل البنية الدينية والاجتماعية العميقة للمجتمع السوداني. بل تعاملت مع الإسلام والعربية والطرق الدينية والبنى المحلية بوصفها أدوات لا غنى عنها للحكم.

    وظل الحكم المهدوي، رغم طابعه الثوري والصدامي، يتحرك داخل المجال الإسلامي الذي تشكل في السودان، مستنداً إلى الدين والقيادة الروحية والولاء للطريقة والشيخ والقبيلة. أما الحكم الإنجليزي، فقد أحدث تغييرات كبيرة في الإدارة والتعليم والاقتصاد والحدود، لكنه لم ينجح، أو لم يسعَ بالضرورة، إلى تغيير جذري في العقيدة الرسمية واللغة العربية والأنساق الاجتماعية التي تشكلت في المجال السناري.

    ومن هنا يمكن القول إن التركي والمهدية والإنجليز كانوا أنساقاً سياسية وإدارية داخل الإطار السناري العام، لا تحولات حضارية جذرية بالمعنى الكامل. فقد تغيرت الدولة من حيث السلطة والموظفين والقوانين ووسائل السيطرة، لكن لم يتغير بصورة حاسمة مركز الدين، ولا اللغة الرسمية، ولا القبلة الرمزية، ولا البنى الصوفية والقبلية والاجتماعية التي ظل المجتمع يتحرك داخلها.

    ما الذي يجعل التحول حضارياً لا سياسياً؟
    التحول الجذري لا يقاس بعدد السنوات التي حكمتها سلطة ما، ولا بحجم التغيير الإداري الذي أحدثته، بل بمدى انتقال المجتمع من منظومة حضارية إلى منظومة أخرى. ويقاس ذلك، في هذا التصور، بتغيرات عميقة مثل:
    الانتقال من إله أو منظومة دينية إلى أخرى.
    انتقال الدين الرسمي أو المرجعية الدينية للدولة.
    استبدال لغة رسمية بلغة أخرى.
    تغير بنية الشرعية السياسية.
    إعادة تشكيل الطبقات الاجتماعية والرموز العامة.
    نشوء مخيال جديد للعالم والإنسان والسلطة.
    وبهذا المقياس، كان الانتقال من آمون إلى أبادماك، ومن النسق المروي إلى المسيحية، ومن المسيحية إلى الإسلام والعربية، تحولات حضارية عميقة؛ لأنها مست الدين واللغة والرموز والسلطة والطبقات الاجتماعية. أما الانتقال من التركية إلى المهدية، أو من المهدية إلى الحكم الإنجليزي، أو من الحكم الإنجليزي إلى دولة الاستقلال، فلم يكن بالدرجة نفسها من القطيعة الحضارية، مهما كان أثره السياسي كبيراً.

    وهنا ينبغي الحذر من مساواة «التغيير السياسي» بـ«التغيير الحضاري». فقد يتغير الحاكم، بينما تبقى البنية التي تجعل الحكم ممكناً كما هي. وقد تتغير القوانين، بينما تظل علاقة الفرد بالجماعة، وبالشيخ، وبالقبيلة، وبالمركز، محكومة بالمنطق القديم نفسه.
                  

08-29-2026, 01:56 AM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6395

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: محمد جمال الدين)

    الخراب التكراري للحواضر
    إذا نظرنا إلى هذه التحولات مجتمعة، تظهر أمامنا فكرة أخرى: الخراب التكراري للحواضر. ليس المقصود أن كل مدينة دُمرت عسكرياً بالضرورة قبل ظهور المركز الجديد، وإنما أن مركزاً حضارياً يفقد قدرته على التجدد، ثم يظهر مركز جديد، فيعيد تأسيس الشرعية فوق أنقاض المرحلة السابقة، مادياً أو رمزياً.
    ومن هذه الزاوية يمكن فهم نهاية مروي وصعود المراكز المسيحية، ثم خراب سوبا وصعود سنار. فالتحول لا يبدأ لحظة الغزو. غالباً ما يبدأ قبل ذلك، عندما تفقد البنية القديمة قدرتها على التجدد، أو عندما تتسع التناقضات بين مركز السلطة والأطراف، أو عندما تصبح الشرعية القديمة عاجزة عن استيعاب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والدينية.

    وعليه، فإن خراب مروي أو سوبا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادثاً عسكرياً منفرداً، بل بوصفه نتيجة لمسار طويل من التآكل الداخلي. وحين جاءت القوى الجديدة، وجدت أرضاً متشققة، فاستكملت ما كان قد بدأ داخل المجتمع نفسه. إن الخارج قد يفتح الباب، لكن الانهيار الكامل يحدث عندما تكون الأبواب قد تصدعت من الداخل.
    وهذه القاعدة مهمة لفهم الحاضر السوداني. لا ينبغي أن ننسب أزمتنا كلها إلى الخارج، ولا أن ننكر أثر التدخلات الخارجية في إضعاف الدولة. فالخارج يستثمر عادةً في الانقسامات القائمة، ويعمق الشروخ الموجودة، لكنه لا يستطيع وحده خلق نسق متشقق من العدم.

    دولة 56 واستمرار النسق
    يمكن النظر إلى دولة ما بعد الاستقلال، أو «دولة 56»، باعتبارها استمراراً مركباً للنسق السناري، مع إضافات استعمارية وحداثية ومؤسسات دستورية جديدة. فقد ورثت الدولة جهازاً إدارياً مركزياً، وحدوداً سياسية، وتعليماً حديثاً، ونظاماً قانونياً، لكنها لم تنجح في بناء عقد اجتماعي يتجاوز الامتيازات القديمة.
    ظلت الدولة الحديثة، في جانب كبير منها، تعمل داخل مجتمع تتجاور فيه المواطنة القانونية مع الانتماءات الدينية والقبلية والجهوية والطرق الصوفية. كما ظل المركز السياسي والثقافي قادراً على تعريف الدولة وفق مخياله الخاص، بينما بقيت أقاليم عديدة تشعر بأن الدولة لا تمثلها إلا جزئياً، أو أنها تطالبها بالولاء قبل أن تمنحها الحقوق.

    ولهذا لم تستطع دولة الاستقلال أن تتحول من دولة ذات امتيازات تاريخية إلى دولة مواطنة مكتملة. لقد استبدلت بعض مؤسسات الحكم، لكنها لم تفكك البنية التي تجعل بعض المواطنين أقرب إلى الدولة من غيرهم، ولا عالجت بصورة كافية التفاوت في السلطة والثروة والاعتراف.
    إن دولة 56 لم تبدأ من الصفر، ولم تكن نقيضاً كاملاً لما سبقها. لقد حملت في داخلها آثار سنار، وآثار التركية، وآثار الإنجليز، وآثار الصراعات السابقة، ثم أعادت إنتاجها في صورة وطنية حديثة. وبذلك أصبحت حلقة جديدة في تاريخ البناء فوق الخراب، لا نهاية لهذا التاريخ.

    الأقاليم خارج المخيال السناري
    ومن الأخطاء المنهجية أن نتحدث عن السودان وكأنه عاش تاريخاً واحداً ومخيالاً واحداً. فقد ظل عدد من أقاليم السودان خارج النسق السناري أو في علاقة جزئية به. والاختلاف هنا ليس مجرد اختلاف جغرافي، بل اختلاف في البنى الاجتماعية، وأنماط السلطة، والنظم الإدارية، والذاكرة التاريخية، والتصورات المحلية للانتماء.

    فجنوب السودان لم يتشكل داخل المجال السناري بالطريقة نفسها التي تشكل بها الوسط النيلي. وكذلك دارفور، وجبال النوبة، وأجزاء من شرق السودان. ولم تكن هذه المناطق مجرد أطراف ناقصة من المركز، بل مجتمعات ذات تاريخها وبنيتها ومخيالها الخاص.

    لذلك فإن إدخالها في الدولة بالقوة أو تعريفها دائماً من خلال المركز لا ينتج وحدة وطنية، بل ينتج مقاومة وعنفاً وشعوراً مستمراً بالتهميش. ولهذا فإن مشروع دولة المواطنة لا يمكن أن يقوم على توسيع النسق السناري ليشمل الجميع قسراً. المطلوب ليس «سنرنة» السودان، بل الاعتراف بأن السودان متعدد المسارات، وأن الدولة ينبغي أن تكون إطاراً دستورياً يساوي بين هذه المسارات، لا أداة لإخضاعها لمخيال واحد.

    من دولة الهوية إلى دولة المواطنة
    ظل النسق السناري، في جوهره، نسقاً من أنساق دولة الهوية؛ أي الدولة التي تستمد جزءاً مهماً من شرعيتها من الدين، أو اللغة، أو التاريخ، أو الجماعة الحاكمة، أو تحالف هذه العناصر. وفي دولة الهوية لا تُعامل الهويات المختلفة باعتبارها شركاء متساوين، بل يجري ترتيبها في سلم رمزي وسياسي: هوية مركزية وأخرى تابعة، جماعة أصيلة وأخرى تحتاج إلى الاندماج، ثقافة معيارية وثقافات محلية.

    وهنا تصبح سلسلة التحولات التي بدأت من كرمة مروراً بنبتة ومروي وسوبا وانتهت إلى سنار ذات دلالة خاصة. ففي كل مرحلة من هذه المراحل نرى انتقالاً في مركز السلطة، ومعه إعادة تعريف للرموز الدينية واللغوية والسياسية. وهذا هو جوهر الفرضية: دولة الهوية تميل إلى إعادة تأسيس نفسها بإلغاء مركز الشرعية السابق، بدلاً من استصحابه داخل عقد جديد.

    أما دولة المواطنة فتنطلق من سؤال مختلف. لا تسأل المواطن أولاً: من أي قبيلة أنت؟ وما دينك؟ وما لغتك؟ وما موقعك من السردية الرسمية؟ بل تسأله: ما حقوقك؟ وما واجبات الدولة تجاهك؟ وكيف نعيش معاً في إطار قانوني عادل؟

    إن دولة المواطنة لا تنفي الدين، ولا تمحو اللغة، ولا تلغي الذاكرة، ولا تحارب القبيلة بوصفها واقعاً اجتماعياً. لكنها ترفض تحويل هذه العناصر إلى مصادر للامتياز السياسي أو إلى شروط للانتماء الكامل. فهي تحمي الهويات في المجتمع، لكنها تحيدها عن احتكار الدولة والسلطة.

    التحدي: كيف نخرج من سنار دون أن نصنع سناراً مضادة؟
    قد يبدو في البداية أن دولة المواطنة لا يمكن أن تولد إلا بعد محو دولة الهوية. لكن الواقع أكثر تعقيداً. فدولة المواطنة لا تنشأ في فراغ، بل تحتاج إلى مادة تاريخية وثقافية سابقة تعيد قراءتها ونقدها وإعادة تركيبها. إنها لا تبدأ من العدم، لكنها لا ترتهن للماضي.

    وهنا يكمن التحدي السوداني: كيف ننتقل من النسق السناري دون أن نعيد إنتاجه في صورة مضادة؟ وكيف نغادر دولة الهوية من غير أن نبني دولة هوية جديدة باسم الكوشية أو العروبة أو الأفريقانية أو السودانوية أو غيرها؟ فاستبدال هوية مهيمنة بهوية مهيمنة أخرى لا يحقق المواطنة، بل يعيد دورة الإقصاء نفسها.

    لقد شهد السودان في العقود الأخيرة صعود خطابات تبحث عن أصل جامع جديد، أو عن تاريخ بديل، أو عن هوية مضادة. وقد تكون لهذه الخطابات قيمة احتجاجية، لأنها تكشف المظالم وتقاوم الهيمنة، لكنها تصبح خطرة عندما تتحول من أدوات نقد إلى مشاريع احتكار رمزي وسياسي. فالخروج من سنار لا يكون ببناء «سنار مضادة»، وإنما ببناء دولة لا تحتاج إلى أسطورة أصل واحدة كي تبرر شرعيتها.

    سنار بوصفها أرضية تاريخية لا عقيدة سياسية
    وهنا ربما تكمن المفارقة الأهم. إذا كانت دولة المواطنة تحتاج إلى أرضية تاريخية وثقافية تستند إليها، فإن النسق السناري نفسه يمكن أن يكون جزءاً من هذه الأرضية، ولكن بشرط أساسي: أن نستند إليه دون أن نعتنقه. أن نقرأه دون أن نقدسه. أن نفهم ما صنعه دون أن نسمح له بأن يحكم مستقبلنا. أن نأخذ منه ما يصلح للحياة المشتركة، ونترك ما يحول التاريخ إلى امتياز.

    فالدولة الجديدة لا تحتاج إلى محو سنار. بل تحتاج إلى أن تغير علاقتها بسنار. سنار تصبح تاريخاً. والتاريخ يصبح معرفة. والمعرفة تصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية. لكن التاريخ لا يصبح شهادة ملكية سياسية للحاضر. وهنا يمكن أن تتحول سنار من نهاية نسق هوياتي إلى جسر نحو نسق جديد.

    نحو مخيال المواطنة
    لا يكفي أن نكتب في الدستور أن المواطنين متساوون، ما لم يتغير المخيال الذي يحدد من هو المواطن الكامل ومن هو المواطن الناقص. فالمواطنة ليست مادة قانونية فقط، بل ثقافة عامة، وتربية، وذاكرة، ورموز، ومؤسسات، وتوزيع عادل للموارد.
    ولذلك فإن الانتقال من النسق السناري إلى دولة المواطنة يحتاج إلى مسارات متزامنة:
    إعادة كتابة التاريخ الوطني بوصفه تاريخاً متعدد المراكز والروايات.
    الاعتراف بتنوع الأقاليم والثقافات واللغات، لا التعامل معها كهوامش تحتاج إلى التطبيع.
    حياد الدولة تجاه الأديان والهويات، مع ضمان حرية المعتقد والممارسة.
    إصلاح الجيش والأجهزة الأمنية وإخضاعها للسلطة المدنية والدستور.
    تفكيك اقتصاد الامتيازات المركزية وإعادة توزيع التنمية والموارد.
    اعتماد نظام لا مركزي أو فدرالي يتيح مشاركة الأقاليم في إدارة شؤونها.
    إطلاق عدالة انتقالية تعترف بالضحايا وتكشف جذور العنف والتهميش.
    بناء تعليم وإعلام وفنون تنتج سردية مشتركة لا تقوم على محو الذاكرات المحلية.
    وتحتاج هذه العملية أيضاً إلى رموز وطنية يشعر الجميع بأنها ملك لهم، لا رموزاً تعكس تاريخ جماعة واحدة أو انتصار مركز واحد. فالعدالة الرمزية ليست أمراً تجميلياً؛ إنها مدخل إلى العدالة السياسية، لأن المواطن لا يشعر بالانتماء إلى دولة لا يرى نفسه في لغتها وصورها واحتفالاتها وسرديتها.

    ما الذي نتعلمه من سلسلة التحولات الحضارية الكبرى؟
    عندما ننظر إلى المسار كله، من كرمة إلى نبتة، ومن نبتة إلى مروي، ومن مروي إلى سوبا وعلوة، ومن سوبا إلى سنار، يمكن أن نرى تاريخاً طويلاً من الانتقال الحضاري والجغرافي. لكن يمكننا أيضاً أن نرى شيئاً آخر: كل مرحلة كانت تحمل في داخلها شيئاً من المرحلة التي سبقتها، حتى عندما كانت تعلن القطيعة معها.

    كرمة لم تختفِ من الأرض عندما جاءت نبتة. ونبتة لم تختفِ من الذاكرة عندما صعدت مروي. ومروي لم تختفِ عندما ظهرت الممالك المسيحية. وسوبا لم تختفِ من التاريخ عندما صعدت سنار. لكن مركز الحضارة انتقل. ومع كل انتقال، أعيد تعريف الدين واللغة والسلطة والرموز.

    وهنا ينبغي أن يكون درسنا الأساسي. ليس مطلوباً أن نعيد التاريخ إلى الوراء. ولا أن نبحث عن عاصمة حضارية قديمة لنضعها في مواجهة عاصمة أخرى. ولا أن نختار من هذه السلسلة مرحلة ونقول: هذه هي السودان الحقيقي. بل المطلوب أن نفهم أن السودان كان دائماً أكثر من مرحلة واحدة. وأن كل محاولة لتحويل مرحلة تاريخية إلى مالك سياسي للحاضر تعيد إنتاج منطق دولة الهوية.
                  

08-29-2026, 01:57 AM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6395

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: محمد جمال الدين)

    موقـف هذا النص من الوحدة والانقسام والاندماج
    لا ينادي هذا النص بوحدة ولا بانقسام ولا باندماج بصيغتها التقليدية؛ غايته هي الدعوة إلى إعادة تعريف الدولة نفسها. دولة لا تجعل من التاريخ أو الدين أو اللغة أو القبيلة شرطاً للانتماء الكامل، بل تجعل المواطنة هي الجسر الذي يجعل اختلاف السودانيين ممكناً، عادلاً، وقابلاً للحياة.
    في هذا المنظور، تتعدد السيناريوهات السياسية الممكنة: وحدة بأشكال جديدة، أو ترتيبات لامركزية واسعة، أو حتى انفصال بعض الأقاليم. لكن مهما تعددت هذه الاحتمالات، أو تحقّق بعضها فعلياً على الأرض، يبقى جوهر الخلاص واحداً: دولة المواطنة. فبدون مواطنة متساوية، تتحول أي وحدة إلى هيمنة مقنّعة، وينقلب أي انقسام إلى إعادة إنتاج لمنطق الإقصاء، ويغدو أي اندماج قسري مجرد استمرار للتهميش بأدوات جديدة.

    وعليه، فإن دولة المواطنة ليست خياراً من بين خيارات، بل هي الشرط الأساسي الذي يجعل أي خيار سياسي آخر قابلاً للحياة وعادلاً. مهما اختلفت الخرائط، وتبدلت الحدود، وتنوعت التسويات، تظل المواطنة المتساوية هي الخلاص الوحيد الذي يضمن أن يكون السودان وطناً للجميع، لا ملكية حصرية لجماعة واحدة أو نسق هوياتي مهيمن من أي جهة جاء.

    سنار التي ينبغي أن تتحول
    نحن نعيش في النسق السناري الحضاري لأن العقيدة واللغة والطرق الصوفية والبنى الاجتماعية والخيالات السياسية التي ترسخت منذ سنار ما تزال فاعلة في تشكيل الدولة والمجتمع. وقد جاءت التركية والمهدية والإنجليزية ودولة الاستقلال بتحولات سياسية وإدارية مهمة، لكنها لم تُنجز القطيعة الحضارية الكاملة التي تنقل السودان إلى نسق جديد.

    لكن الاعتراف باستمرار النسق السناري لا يعني إدانته بوصفه شراً خالصاً، ولا يعني إنكار ما أنتجه من تمازج واستقرار وتواصل ثقافي. فسنار نفسها كانت حصيلة تفاعلات تاريخية طويلة، وحملت في داخلها آثار ما سبقها، كما حملت بذور ما سيأتي بعدها. والمطلوب ليس محو سنار، بل تجاوز منطقها الإقصائي، واستصحاب عناصرها الثقافية القابلة للحياة، وإعادة وضعها داخل عقد مواطني أوسع.

    لقد ظل تاريخ السودان طويلاً محكوماً بمنطق: تهدم المرحلة السابقة كي تقوم المرحلة الجديدة. أما دولة المواطنة فتقترح تحولاً مختلفاً: لا الهدم من أجل الهدم، ولا التقديس من أجل التقديس، بل النقد والاعتراف وإعادة البناء. إنها تنقلنا من ثقافة المحو إلى ثقافة التراكم، ومن شرعية الماضي المغلق إلى شرعية المستقبل المشترك.

    وهكذا يمكن أن تتحول سنار من آخر نسق هوياتي مهيمن إلى أرضية تاريخية للانتقال نحو دولة المواطنة؛ دولة لا تفرض أصلاً واحداً، ولا تلغي تاريخاً، ولا تمنح جماعة حقاً أعلى في الوطن.
    خاتمة
    ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: أي مرحلة من مراحل تاريخ السودان ينبغي أن نعيدها؟ ولا: أي مركز حضاري كان هو الأصل؟ ولا: أي دين أو لغة أو جماعة تملك الحق الأكبر في تعريف السودان؟ السؤال الأهم هو: هل نستطيع، بعد هذا التاريخ الطويل من انتقال المراكز وقيام الأنساق الجديدة فوق أنقاض الأنساق السابقة، أن ننجز هذه المرة انتقالاً مختلفاً؟

    انتقالاً لا يحتاج إلى محو ما قبله. انتقالاً لا يحتاج إلى إلغاء لغة لكي تبرز لغة. ولا إلى إلغاء دين لكي يبرز دين. ولا إلى إلغاء جماعة لكي تتقدم جماعة. ولا إلى تحويل تاريخ إلى ملكية سياسية للحاضر.
    ربما تكون هذه هي اللحظة التي يمكن فيها للسودان أن يتعلم من تاريخه بدلاً من أن يكرر آليته. فإذا كانت التحولات السابقة قد قامت، في جوانب أساسية منها، على القطيعة والإحلال، فإن دولة المواطنة يمكن أن تكون أول تحول كبير يقوم على الاصطحاب.

    نصطحب كرمة. ونصطحب نبتة. ونصطحب مروي. ونصطحب سوبا وعلوة. ونصطحب سنار. ونصطحب كل ما جاء بعدها. لا نلغي أياً منها. لكننا لا نجعل أياً منها مالكاً للدولة. نحفظ التاريخ كله، ونترك الدولة للمواطنين.

    وهنا يتجاوز الانتقال من النسق السناري إلى دولة المواطنة مجرد التغيير السياسي؛ فهو انتقال من منطق يقول: «هذه هي الدولة لأن هذه هي هويتها»، إلى منطق آخر يرى أن الدولة لنا جميعًا لأننا مواطنون فيها. عندها يصبح التاريخ، لأول مرة، ذاكرةً مشتركة لا سلاحًا سياسيًا، وتغدو الحضارة ميراثًا عامًا لا امتيازًا خاصًا، وتصبح سنار جزءًا أصيلًا من السودان لا تعريفًا نهائيًا له. وبذلك يستطيع السودان أن يصطحب تاريخه كله، دون أن يظل أسيرًا لأي مرحلة من مراحله.

    الهوية للمجتمع، والمواطنة للدولة؛ اصطحابٌ لا نفي.

    * هذا النص امتداد لمانيفستو «مستقبل السودان»، وتطوير لأفكاره حول الانتقال من دولة الهوية إلى دولة المواطنة.


    محمد جمال الدين حامد، عضو اللجنة التنسيقية للمسار التالت.

    المسار التالت، لا سياسي لا عسكري، مدني وطني، إنساني، مستقل.

    أغسطس 2026

    واتساب:
    +31684688891
    E:
    Sudanin200@gmail.com






                  

08-29-2026, 02:14 AM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6395

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: محمد جمال الدين)

    النصان الأول والثاني من «مانيفستو لسودان المستقبل»

    متاح دائمًا بصيغة PDF، وهذه المرة منشور عبر منبر سودانيزأونلاين.

    النص الثاني من المانيفستو:
    من كرمة إلى سنار إلى دولة 56: السودان وإعادة تعريف الدولة والهوية.. (يُنشر لأول مرة)

    https://sudaneseonline.com/board/515/msg/1787964097.html

    النص الاول من المانيفستو :
    مخيال وثقافة دولة المواطنة.. (نُشر سابقًا):

    https://sudaneseonline.com/board/515/msg/1787105971.html

    ✌️🌹👆

    (عدل بواسطة محمد جمال الدين on 08-29-2026, 02:27 AM)

                  

08-29-2026, 07:31 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 21676

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: محمد جمال الدين)

    اهلا استاذ محمد

    أسهل حجة للإطاحة بكل ما حاولت ان تجتهد في تحليلة وإثباته والدعوة اليه والتبشير به ،
    هي ان ما تقول به هو نسق غربي :
    دولة المواطنة،
    وان علينا الارتباط بما أسسه الأوائل أي العودة الى السلف الصالح.

    وهي دعوة -في ظل ضعف الثقافة والامية الثقافية والحروب الاهلية والمجاعات-ستلقى رواجا واسعا،
    ومن الصعب أن تعترض عليها او تفنِّدها إلّا اذا كنتَ في اوروبا او امريكا أو ....

    هذا من جهة:
    اما من جهة أخرى،
    فسأعود الى المقتبس التالي من مقالك:
    Quote: في هذا المنظور، تتعدد السيناريوهات السياسية الممكنة:
    وحدة بأشكال جديدة، أو ترتيبات لامركزية واسعة، أو حتى انفصال بعض الأقاليم.

    ما هي الشروط التي يمكن أن تؤدي إلى "انفصال بعض الأقاليم"؟

    مع تقديري
                  

08-29-2026, 08:40 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 21676

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: osama elkhawad)

    عطفاً على مداخلتي السابقة،
    أحب ان اعيد نشر هذا البوست من الفيسبوك وهو مختلط باسماء كثيرة "ثلاثة اسماء" في البوست.
    فاكتفيت باسم واحد في نهاية المقال:

    Quote: يلا بعد تسمع كلام خنازير الإسلام السياسى وتمشي تموت ... هو أولاده زى حال هذا الهالك الخنزير...
    يلا أقرأ عشان تعرف .. ولو ما عايز تعرف ... يلا أمشى أخد ليك طلقة تفرتق راسك وما تلقى حتى من يدفن جثتك...

    الصورة الأولى للدكتورة الهام يوسف القرضاوي ، دكتوراه في الفيزياء النووية من جامعة شيفيلد في بريطانيا ..
    والصورة الثانية للدكتورة سهام يوسف القرضاوي، دكتوراه في الكيمياء الضوئية من جامعة لندن في بريطانيا ..
    و الصورة الثالثة للدكتور عبدالرحمن يوسف القرضاوي،دكتوراه في مقاصد الشريعة من جامعة القاهرة .
    والصورة الرابعة للدكتور أسامة يوسف القرضاوي، دكتوراه من امريكا ونائب السفير القطري السابق في مصر ..
    والصورة الخامسة للعقيد محمد يوسف القرضاوي، ضابط في الاستخبارات القطرية ..

    والد هذه الأسرة الجميلة هو العالم الرباني يوسف القرضاوي، الذي أفتى لليبيين بجواز قتل معمر القذافي! و أفتى للسوريين واليمنيين والمصريين و التونسيين بضرورة الثورة والجهاد في سبيل الله وإرسال فلذات اكبادهم لساحات الموت من اجل الديموقراطية والحرية والتخلص من الحكام الكفرة !

    ارسل أبنائه الى جامعات الفرنجة والصليبيين في امريكا وبريطانيا لنهل العلم واعتلاء المراتب، وأرسل ابناء الفقراء الى ساحات الحرب دون رحمة ! لم يجاهد أحد من أبنائه من اجل رفعة الامة ، ولم تتغبر أقدام أحد بناته في ساحات الوغى .. ! ترك الدراويش يقومون بالمهمة وابتعث هو أبنائه وبناته لأعرق جامعات أوربا وامريكا!

    هذا هو حال فصائل وتنظيمات الإخوان في كل مكان، الموت لأبناء الفقراء وجامعات الغرب لأبنائهم، ولكم في ابناء حركتي حماس وفتح خير دليل فكلهم يدرسون في امريكا وأوروبا!

    #صالح_االبكيري
    اخوان_ابليس!
                  

08-30-2026, 02:15 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 21676

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: osama elkhawad)

    إضافة إلى الملاحظتين اللتين أشرت إليهما في مداخلتي الأولى،
    فهنالك ملاحظة ثالثة،
    ولا تقل أهمية عن الملاحظتين.

    وهي في شكل سؤال:
    ما هو السبب أو الأسباب التي أدّت إلى استمرار النسق السنّاري حسب فرضية الباحث،
    رغم تعاقب انماط من الحكم مختلفة؟
    وفي تلك الاجابة ستتحدّد كيفية الانتقال من ( الهوية) إلى (المواطنة).

    وهذا للاسف، ما لم تنتبه إليه الدراسة.
                  

08-30-2026, 04:08 AM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6395

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: osama elkhawad)

    أهلاً بيك عزيزنا أسامة خواض، وسعادة بيك وباستفساراتك وطرحك الموضوعي الهادف.
    برجع ليك في وقت مناسب. وإذا عندك المزيد من الملاحظات ذات الصلة، ما تتردد؛ خُد راحتك.
    تحياتي
                  

08-30-2026, 04:10 AM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6395

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: محمد جمال الدين)

    والمساحة متاحة بالطبع لجميع المهتمين✌️🌹
                  

08-30-2026, 04:15 AM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6395

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: محمد جمال الدين)

    لكن، من فضلكم، لا ننسى أن نُكمل قدر الإمكان الجزء الأول والأهم من هذا المحور: «مانيفستو لحلّ مستقبل السودان»، وذلك بالاطلاع على الرابط أدناه.

    النص الاول من المانيفستو :
    مخيال وثقافة دولة المواطنة.. (نُشر سابقًا):

    https://sudaneseonline.com/board/515/msg/1787105971.html

    ✌️🌹👆
                  

08-30-2026, 04:26 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 21676

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: معليش نعتمد هذه النسخة: من كرمة إلى سنار إ� (Re: محمد جمال الدين)

    Quote: أهلاً بيك عزيزنا أسامة خواض، وسعادة بيك وباستفساراتك وطرحك الموضوعي الهادف.
    برجع ليك في وقت مناسب.
    وإذا عندك المزيد من الملاحظات ذات الصلة، ما تتردد؛ خُد راحتك.
    تحياتي

    اهلا محمد واشكرك على سعة صدر الباحث وتواضعه.

    لو لم يكن طرحك جيدا، لما ولّد ملاحظاتي.

    خد وقتك.

    ردودك قد تطرح تساؤلات اكثر عمقك في فرضيتك وطرحك.

    أرقد عافية
                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de