محمد تروس والفاضل سعيد: لماذا تنطق الحقيقة بلسان عجوز؟
دكتور الوليد آدم مادبو
“إذا أردت أن تقول الحقيقة للناس، فاجعلهم يضحكون، وإلا قتلوك.”— جورج برنارد شو.
لم يولد المسرح ليكون وسيلة للترفيه فحسب، بل كان، منذ نشأته، إحدى أكثر الوسائل تهذيباً لمواجهة الحقيقة. وقد رأى أرسطو، في كتابه «فن الشعر»، أن التراجيديا تُحدث ما سماه التطهير (Catharsis)، إذ تنقّي النفس من الخوف والشفقة عبر التجربة الدرامية. أما الكوميديا، فقد أدت وظيفة موازية لا تقل عمقاً؛ فهي تطهّر المجتمع من أوهامه بالسخرية، وتجعل الضحك وسيلة لاكتشاف العيوب التي يعجز الوعظ والخطابة عن كشفها.
ومن هنا نشأ واحد من أذكى الأقنعة في تاريخ المسرح: قناع المرأة العجوز. ففي المخيال الشعبي، خرجت العجوز من دائرتين معاً؛ لم تعد موضوعاً للرغبة، ولم تصبح جزءاً من السلطة. ولذلك اكتسبت حصانة رمزية نادرة، تسمح لها بأن تقول ما يعجز الآخرون عن قوله. تستطيع أن تسخر من الحاكم، وتوبّخ المجتمع، وتفضح النفاق، ثم تغادر الخشبة والجميع يضحك، وكأن الحقيقة كانت مجرد طرفة.
وليس هذا القناع سودانياً خالصاً، بل هو نموذج إنساني متكرر. فقد عرفه المسرح البريطاني في شخصية Pantomime Dame، واحتفى به المسرح الإيطالي في Commedia dell’arte، ثم عاد في أستراليا عبر Dame Edna Everage التي ابتكرها باري همفريز، وفي الولايات المتحدة مع Madea التي جسدها تايلر بيري، وفي أيرلندا مع Mrs. Brown التي قدمها بريندان أوكارول. إن تكرار هذه الشخصية في ثقافات متباعدة يوحي بأنها ليست مجرد حيلة كوميدية، بل استجابة إنسانية لسؤال واحد: كيف يمكن قول الحقيقة من دون دفع ثمنها كاملاً؟
في السودان، وجد هذا القناع أحد أجمل تجلياته على يد الفنان الكبير الفاضل سعيد (1935–2005)، الذي منح المسرح السوداني شخصية بت قضيم. ولم تكن الشخصية وليدة تخطيط مسبق، بل فرضها الجمهور بعد نجاحها في الإذاعة، حتى أصبحت أشهر شخصياته المسرحية. واختيار اسمها لم يكن عفوياً؛ فـ«القضيم» نبات سوداني معروف، في إشارة إلى رغبة الفاضل سعيد في أن تنبع الشخصية من البيئة السودانية، لا من استعارة أجنبية.
لكن عبقرية الفاضل سعيد لم تكن في الأداء الكوميدي وحده، بل في طبيعة النقد الذي مارسته الشخصية. فبت قضيم لم تكن ثائرة على المجتمع، بل كانت جزءاً منه؛ تسخر من العادات البالية، ومن النفاق الاجتماعي، ومن العلاقات الأسرية، ومن مفارقات الحياة اليومية، ولكنها تفعل ذلك بحنان الأم لا بقسوة القاضي. ولهذا أحبها الناس؛ لأنها لم تكن تشعرهم بأنهم متهمون، بل بأنهم يرون أنفسهم في مرآة ساخرة.
وقد رفض عدد من النقاد وصف شخصيات الفاضل سعيد بأنها شخصيات نمطية جامدة، مؤكدين أنها كانت تتطور مع المجتمع وتواكب تحولاته، وهو ما يفسر استمرار حضورها في الذاكرة السودانية حتى اليوم.
بعد ذلك بسنوات، عاد القناع نفسه على يد المبدع محمد تروس، ولكن في سياق مختلف تماماً. وهنا تكمن فرادة تجربته. فلم يكن إبداعه في إعادة تمثيل امرأة عجوز، فهذه تقنية مسرحية عرفها العالم منذ قرون، وإنما في نقل وظيفة هذا القناع من نقد المجتمع إلى نقد السلطة، ومن السخرية من السلوك الاجتماعي إلى تفكيك الخطاب السياسي والأيديولوجي.
لقد ورث تروس القناع، لكنه غيّر رسالته.
في شخصية حاجة المؤتمر الوطني، لم تعد العجوز مجرد امرأة سليطة اللسان، بل أصبحت تجسيداً ساخراً لعقل سياسي كامل. لم تكن تسخر من أشخاص بقدر ما كانت تسخر من منظومة فكرية، ومن التناقض المزمن بين الشعارات والممارسات، وبين الخطاب الأخلاقي والواقع السياسي.
ومن هنا اكتسبت الشخصية بعداً فلسفياً يتجاوز اللحظة السياسية نفسها. فالقضية ليست حزباً بعينه، وإنما صدام بين رؤيتين للعالم: رؤية ترى الفن مساحة للرمز والتخييل والأسئلة المفتوحة، ورؤية أخرى تميل إلى إخضاعه لمنطق النص الحرفي والأحكام المباشرة. ويكفي أن نتذكر أن نظام الإنقاذ أغلق معهد الموسيقى والمسرح لأربع سنوات، متخذاً من اختلاط الطلاب بالطالبات ذريعة لهذا الإغلاق، في تجسيد صارخ للتوتر بين الحس الجمالي والعقل التشر يعي.
وهنا يكشف تروس عن ذكاء فني لافت. فهو لا يهاجم خصومه بالخطابة، وإنما يجعلهم يتحدثون بألسنتهم، ثم يدفع بمنطقهم إلى نهاياته الساخرة، حتى يتحول التناقض نفسه إلى مادة للكوميديا. إنها الطريقة التي وصفها الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد بأنها «التواصل غير المباشر»؛ حيث لا تُفرض الحقيقة على المتلقي، بل يُترك ليكتشفها بنفسه.
وقد أشار الكاتب محمد ضياء الدين إلى الصلة بين تجربة تروس وإرث الفاضل سعيد، مع تنبيهه إلى أن الأمر لا يتعلق بالمقارنة بين الفنانين، وإنما بامتداد تقليد مسرحي سوداني عريق. ولعل هذا هو الفهم الأقرب إلى الإنصاف؛ فمحمد تروس لم يكن مقلداً للفاضل سعيد، كما أن الفاضل سعيد لم يكن مقلداً للنماذج العالمية. كل منهما استعار القناع نفسه، لكنه حمّله أسئلة عصره.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين التجربتين. فقد استخدم الفاضل سعيد العجوز ليصالح المجتمع مع نفسه، بينما استخدمها محمد تروس ليضع السلطة في مواجهة نفسها. كانت بت قضيم مرآةً للعادات، أما حاجة المؤتمر الوطني فأصبحت مرآةً للأيديولوجيا. وبين المرآتين تتجلى رحلة المسرح السوداني من النقد الاجتماعي إلى النقد السياسي.
وربما لهذا بقي قناع العجوز حياً عبر القرون. فالمجتمعات تحتاج دائماً إلى من يقول الحقيقة، لكنها لا تحتمل سماعها مجردة. ولذلك تختار الحقيقة، في كل مرة، أن ترتدي وجهاً لا يهدد أحداً، ولساناً يثير الضحك قبل أن يوقظ الضمير.
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي تجمع بين الفاضل سعيد ومحمد تروس. فالأول علّمنا أن الضحك قد يكون شكلاً من أشكال الإصلاح الاجتماعي، والثاني أثبت أن الضحك نفسه يمكن أن يصبح أداة للمساءلة السياسية. وبين الاثنين، ظل المسرح السوداني وفياً لوظيفته الأقدم: أن يمنح الحقيقة قناعاً، حتى تستطيع أن تعيش بين الناس.
08-28-2026, 05:51 AM
mohmmed said ahmed mohmmed said ahmed
تاريخ التسجيل: 10-25-2002
مجموع المشاركات: 9469
سلام يا محمد كلامك صحيح ..الوليد ليه كم يوم عنده موضوعات مفارقة للسياسة في موضوع او موضعين تانيين..غالبا لسبب ما.. لكن مهما يكون زي بقولوا ( الختاها رقدت) ..
اما تروس في دور المؤتمر الوطني كان مقبولا الى حد ما.. اما حاليا اراه فاقد للموهبة الكوميظية ولا مقارنة بينه وبين الفاضل سعيد. قد يخفف من نقد تروس نقده للسلطة وبالتالي نغفل عن اداؤه كفنان .
08-28-2026, 08:42 AM
محمد عبد الله الحسين محمد عبد الله الحسين
تاريخ التسجيل: 01-02-2013
مجموع المشاركات: 12290
حتى الفاضل سعيد في نسخته الاخيرة لم نعد نرى تمثيلياته كما كنا نراه من قبل.. مثل افلام اسماعيل ياسين التي لم تعد تثير الضحك الآن. اعتقظ الزمن او المرحلة او الوعي يجعل نظرتك للاعمال الفنية مختلفة.
08-28-2026, 10:04 AM
mohmmed said ahmed mohmmed said ahmed
تاريخ التسجيل: 10-25-2002
مجموع المشاركات: 9469
تعرف يا محمد عدد كبير كن المسرحيبن الاكاديمين ومن أصحاب الخبرة يتحدثون عن الفاضل سعيد باعجاب كبير وانا اختلف معهم من ناحية تذوقي الخاص الفاضل سعيد لا يضحكني واتفق معك احتمال مع مرور الزمن والسياق المختلف فمثلا انا استغرب من مشاهدتي لمتفرج يضحك من كوميديا اسماعيل يسين العويرة
ترويس يضحكني واستمتع جدا حتى وهو بحكي فقط
08-28-2026, 11:01 AM
اسماعيل عبد الله محمد اسماعيل عبد الله محمد
تاريخ التسجيل: 08-26-2007
مجموع المشاركات: 3807
مختلفة اولا...الفاضل يقدم شخصياته عبر مسرحية فيها كل عناصر البناء الدرامي ترويس يقدم شخصية واحدة في أداء عبر الوسائط وليس من فوق خشبة المسرح
أداء الفاضل فيه تقمص كامل للشخصية ترويس يقدم أداء خارجي لا يقوم على التقمص والاندماج في الشخصية بمعني الفاضل يحاول اقناعك بأنه العجب او بت قضيم ترويس يمثل ولا يحاول القول انا حاجة المؤتمر الوطني بل انا ترويس المؤدي لشخصية الحاجة
08-28-2026, 11:26 AM
محمد عبد الله الحسين محمد عبد الله الحسين
تاريخ التسجيل: 01-02-2013
مجموع المشاركات: 12290
كلامك صحيح يا محمد في المقارنة بين تروس والفاضل من حيث الاسلوب.. واضيف لو سمحت ان منطلق تروس اداتي ..اي لهدف غائي وآني محدد... اما الفاضل سعيد يملك بحكم ظرفه ووصعه كفنان امكانية اصطياد عدة عصافير..اي ميزة الاضحاك والإبهار والتطهير وبث الوعي دون ان يكون مقيدا بقيد سياسي او فكري محدد.
08-28-2026, 04:12 PM
mohmmed said ahmed mohmmed said ahmed
تاريخ التسجيل: 10-25-2002
مجموع المشاركات: 9469
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة