هناك، في عتمة الفضاء الكئيب، حيث ترتجف الظلال على جدران الواقع الباهت، وُلِدَ عشقٌ لم يكن كالأعشاب التي تنبت على حواف الطرق، بل كان طوفاناً مقدساً جارفاً لم يبدأ هذا الحب بابتسامة عابرة، ولا بمصادفة رخوة؛ بل بدأ كصرخة روحٍ تَشَظّت في سكون موحش، وكولعٍ يجتاح الوجود قبل أن يجتاح الجسدين
لسنواتٍ طويلة، عاشقا في محراب هذا العشق المُعْتِم؛ أحبّا حتى التخمة، وتقدّسا حتى غدا كلٌّ منهما آيةً في كتاب الآخر، ونبضاً لا يُخطئه الشعور كان بينهما ولاءٌ مطلق تجاوز حدود البشر، ولغةٌ سرّية لا تترجمها الحروف، بل تفهمها الأرواح بلغة النيران في تلك السنوات المضيئة بنور الباطن، تناسيا ذلك التقليد السطحي الذي رُسِمَ على الأرض بقلم الإجبار ( أن نهاية كل قصة حب تحت الشمس هي الزواج، وأن القبلة الأخيرة يجب أن تُختَم بعقدٍ لا بروح
لقد عاهدَا، وزهدا في القوالب التقليدية، وخرقا كل ما هو متاح لم تكن غايتهما بيتاً يجمع جسدين، بل أن يغرقا معاً في بئر (عبادة الجسد ) وتيه الأرواح، في رحلة انصهارٍ كاملة، لتذوب الدواخل في الدواخل، وتختلط الحواس بالمعاني، حتى صار الغدُ مستحيلاً ممكناً وصار الهدفُ واحداً يتنفس من شريانٍ واحد، وصرتما أنتما كائناً أسطورياً لا ينتمي إلى هذا العالم
لكن، لكل بداية أزلية قدرٌ خفيّ يترصّدها، ولكل جنةٍ سكّانها من البشر بابٌ يفتح على الهاوية وفي لحظة صاعقة من الجنون المحض، لحظة تقاطعت فيها رياح الجسد مع إعصار الروح والشهوة، فتمزّق الأجملُ وجعاً، وانفضّ اللقاءُ انفضاضَ حلمٍ ثقيل تفرّقت الشطآن، وطار كلٌّ منهما وحيداً شريداً نحو عوالم العجائب والجنون الذاتية، محمّلاً بذاكرة جرحٍ طاهر لا يندمل، وبقايا إلهٍ عشقيّ هابط من السماء، تاركاً في العيون دمعةً لا تذوب، وجنّةً لا تُنسى، وماتَ الإلهُ في سمائه، وبقيت أنتما تحملان جثّته المشتعلة بين الضلوع
بقيَ السؤالُ يُؤرّق الفضاء ويتعقّب الخطى- هل كان ذلك الجنون وهماً جماعياً، أم كان لحظةَ حقيقةٍ مطلقةٍ عجز الواقع المادي عن احتمائها؟ حمل كلٌّ منهما شطرَ الروح، فصار المشي على الأرض رحيلاً دائماً، وصارت الذاكرة وطناً لا تُرفع فيه رايةُ هدنة تحوّل العنفوان إلى شوقٍ يتعذّب بذاته، وتحوّل الجنون إلى حكمةٍ مرّة ( أن أعمق الحبّ هو ما يُكتب في جلد الزمن، ثم يُحرق ليُقرأ من رماده، وأن الخلود لا يكون في البقاء، بل في الارتطام باللحظة الأبدية ثم الانهيار )
يا صديقي، أتدري ما الذي يحدث بعد كل هذا؟ لأن قصة هذه الذاكرة لم تنتهِ بالفراق أبداً، بل تحوّلت إلى أسطورةٍ أبديةٍ تعيش في الأعاجيب وفي دهاليز الضمير فلنغوصِ الآن في تفاصيل هذا الوَلَهان الذاتي الذي لا يُشبهه وَله، أم نكتب عن جنون العوالم التي التقت بها الأرواح بعد ذلك الفراق، وكيف تحوّل القمر إلى مرآة مكسورة تعكس وجهاً واحداً في كل ليلة؟ أم أن الجنون الحقيقي يكمن في سؤالنا هذا بالأساس، ونحن نعلم يقيناً أن الإجابة الضائعة بين ثنايا العشق الأول لا تُكتب، بل تُعاش، ثم تُدفن كي تولد من جديد في كل نهاية؟
النهاية.. لا شيء يبقى سوى صمت المكان، ورائحة البخور القديمة على جدران الذاكرة و يعود كلٌّ منهم إلى زاويته وحيدًا، مع طيف الآخر كوشمٍ نازف على الروح , لا دموع تكفي لغسل هذا الحنين، ولا مسافات فعالة على بتر هذا الاتصال وعندما يجن الليل، ويطبق طيف تلك الأيام لجلسة على أطراف السرير، تمدّ يدك في العتمة فلا تجد سوى بضعة برد كامل، وتهمس بصوتٍ يخترقه البكاء "يا الله، كم كان العشق قاسياً حين بلغ الكمال.. وكم كان الفراق جميلاً وحزيناً حين أصبح أبدية" ثم تغمض الأبواب، ووترقد في سلام الغرباء، ووضعاً رأسك على الوسادةٍ مبلة.. بذكرى إلهٍ مات ضاحكاً، وترك كماكما وحدة في العراء، تحرسان رماد النجوم.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة