العواصم الأفريقية بقت زي محطة باصات السوق المركزي العملاقة، فوقها لافتة نيون تومض- (مرحباً بكم في رحلات الرفض المضمون) يدخل المسافر المدني بحقيبة جلد فارهة مكتوب عليها (بطاقة مسبقة الدفع نرفض أي حوار، ويطلع تذكرة ذهاب فقط إلى أديس أبابا… ذهاب بلا إياب!البلد خلفه تشتعل كفرن خبّاز انفجر، والناس مفترشين الشوارع زي سجاد عتيق، وهو ماشي ببدلة رسمية يلوّح للمصورين: «استنى… عندنا مؤتمر!» في القاعة المكيّفة، تحت ثريا أكبر من ميزانية وزارة الصحة، يجلسون حول طاولة مستديرة شكلها زي عجلة حظ. البرهان يمدّ إيده من بعيد ويعرض عليهم حوار جوّاني تحت الجزمة فيقوموا كلّهم مرة واحدة زي شخصيات كارتون، يفردوا صدورهم ويصرخوا بصوت واحد: مش ح تجوني… وإحنا مش طراطير! وبعدين يطلعوا من جيوب البدل وثيقة لامعة عنوانها بخطوط ذهبية - السلام اللي بنحلم بيه هو السلام نفسه واقف برّه الباب يطرق، محدش فتح له، لأنه مش مسجّل في جدول الأعمال وعلى الحيطان صور عملاقة لـ«الرباعية» و«الخماسية» و«الترويكا»… الأسماء أكتر من سكان الحي، واللجان زي النمل: لجنة تنسّق لجنة، ولجنة تراقب لجنة، ولجنة تكتب بياناً عن فشل اللجان السابقة برّه الشاشة العسكر بيطلق رصاص، والمدني بيرفض بيان، والبلد بتتدحرج زي كرة قدم في ملعب فاضي… والجمهور الوحيد اللي قاعد يضحك ويبكي في نفس الوقت هو التاريخ، وهو بيمسك قلم رصاص ويرسمهم كلّهم على ورقة واحدة: ناس سافروا عشان يرفضوا، ورفضوا عشان يسافروا، والوطن بقى مجرد خلفية باهتة في كاريكاتير يومي
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة