لا تنشأ الكراهية من فراغ، ولا تتكون بين ليلة وضحاها. فهي تبدأ بفكرة صغيرة، ثم تتحول إلى صورة ذهنية، ثم تصبح مع مرور الزمن عدسة يُعاد من خلالها تفسير كل الوقائع. وعندما يبلغ الإنسان هذه المرحلة، لا يعود يرى الواقع كما هو، وإنما كما تريده قناعاته المسبقة. ومن هنا يمكن استخدام مصطلح “دارفورفوبيا” بوصفه مفهومًا تحليليًا يصف حالة من الخوف المرضي بالمعنى المجازي، والعداء غير المبرر تجاه دارفور وأهلها، وهي حالة تتجلى في تضخيم المخاوف، وصناعة الصور النمطية، وتحويل إقليم كامل إلى مصدر دائم للتهديد.
ولعل أخطر ما في هذه الحالة أنها لا تقدم نفسها بوصفها كراهية، بل تتخفى خلف لغة السياسة والتاريخ، فتبدو في ظاهرها تحليلًا عقلانيًا، بينما تقوم في حقيقتها على آليات نفسية معروفة في علم النفس الاجتماعي. فصاحب هذا الخطاب يبدأ من نتيجة جاهزة، ثم يبحث عن كل ما يؤيدها، ويتجاهل كل ما يناقضها. وهذه هي آلية التحيز التأكيدي؛ حيث يصبح العقل أسيرًا لقناعاته، فينتقي من الوقائع ما يخدمها ويستبعد ما سواها.ومن يقرأ بعض التعليقات المتداولة حول دارفور يلاحظ أنها تتعامل مع ملايين البشر وكأنهم شخص واحد. فلا وجود للفروق بين القبائل، ولا بين المثقف والعامي، ولا بين المدني والعسكري، ولا بين من حمل السلاح ومن قاومه، ولا بين الضحية والجاني. الجميع يُختزل في هوية واحدة، ثم تُلصق بهم صفات واحدة، وكأن الانتماء إلى دارفور أصبح وحده دليل إدانة. وهذه الظاهرة يسميها علماء النفس التجانس الوهمي للجماعة، وهي من أكثر الآليات التي تغذي العنصرية وخطاب الكراهية. ثم تأتي مرحلة أخطر، حين تتحول كل مطالبة بالحقوق إلى “ابتزاز”، وكل حديث عن العدالة إلى “مؤامرة”، وكل أزمة وطنية إلى دليل جديد على أن دارفور هي أصل المشكلة. هنا لا يعود الهدف فهم الواقع، وإنما تثبيت صورة ذهنية راسخة لا تسمح لأي حقيقة جديدة بأن تدخل إليها. ولأن هذا الخطاب يحتاج دائمًا إلى متهم جاهز، فإنه يبحث عن كبش فداء يحمل إليه أسباب الإخفاقات الوطنية. وبدل الاعتراف بأن السودان عاش أزمات معقدة صنعتها أخطاء سياسية واقتصادية وإدارية متراكمة، يصبح من الأسهل نفسيًا اختزال كل تلك التعقيدات في إقليم واحد، وكأن تاريخ السودان كله يمكن تفسيره من خلال دارفور وحدها. ومن المفارقات النفسية أن هذا الخطاب يتهم الآخرين بالسعي إلى تمزيق البلاد، بينما ينتهي هو نفسه إلى الدعوة لفصل دارفور أو تبرير القطيعة معها. ويتحدث عن الوطنية، ثم ينزع عن ملايين المواطنين حقهم في الانتماء المتساوي إلى الوطن، ويصفهم بأوصاف جماعية لا تستند إلى دليل، وإنما إلى انطباعات وأحكام مسبقة.إن هذه الحالة ليست تعبيرًا عن موقف سياسي فحسب، بل هي انعكاس لما يعرفه علماء النفس بـ”الخوف من الآخر”، حيث تتحول الجماعة المختلفة إلى تهديد متخيل، ويُعاد تفسير كل أفعالها على أنها عدوان، حتى لو كانت في إطار المطالبة بحقوق مشروعة أو التعبير عن مظالم حقيقية. غير أن هذا الخطاب، على ضجيجه، لا يمثل المزاج العام للشعب السوداني. فلو كانت الكراهية هي القاعدة، لما استقبلت مدن الشمال مئات الآلاف من النازحين من دارفور ومن سائر أنحاء السودان، ولما تقاسم المواطنون معهم البيوت والطعام والدواء في أصعب الظروف. ولو كانت العنصرية هي التي تحكم العلاقات بين السودانيين، لما رأينا قوافل الإغاثة، ولا المبادرات الشعبية، ولا حملات التبرع التي انطلقت من مختلف المدن دعمًا لأهل الفاشر وللأسر التي أنهكتها الحرب. هذه الوقائع ليست روايات عاطفية، وإنما حقائق اجتماعية تؤكد أن الضمير السوداني ما زال حيًا، وأن قيم التكافل والتعايش أقوى بكثير من أصوات التحريض التي تحاول تصوير الصراع وكأنه صراع بين الشعوب، لا أزمة سياسية أصابت الجميع. ولا يعني ذلك إنكار وجود العنصرية، فهي موجودة، كما توجد في كثير من المجتمعات، لكنها تظل سلوكًا شاذًا يجب مقاومته، لا ثقافة عامة يُنسب إليها شعب بأكمله. كما أن الأصوات التي تصف أهل دارفور بالمبتزين أو تدعو إلى فصل الإقليم لا تعبر عن أهل الشمال، مثلما لا تعبر الأصوات المتطرفة في أي إقليم عن جميع أبنائه. فالتعميم هو أول أبواب الظلم، وأول خطوات انهيار الوعي. إن أخطر ما تفعله “دارفورفوبيا” أنها لا تسيء إلى دارفور وحدها، بل تسيء إلى السودان كله، لأنها تستبدل مفهوم المواطنة بمنطق الجغرافيا، وتستبدل الحوار بالأحكام المسبقة، وتستبدل الحقائق بالخوف. وعندما تصبح الكراهية وسيلة لفهم التاريخ، فإن التاريخ نفسه يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمات. إن السودان لن يخرج من محنته بتبادل الاتهامات، ولا بتوزيع صكوك الوطنية بين أقاليمه، وإنما بإعادة بناء الثقة بين مكوناته، وتجريم خطاب الكراهية أياً كان مصدره، والاعتراف بأن المستقبل لا يصنعه دعاة القطيعة، بل يصنعه الذين يؤمنون بأن قوة السودان كانت، وستظل، في تنوعه، وأن الوطن لا يُحمى بإقصاء بعضه، وإنما باحتضان جميع أبنائه على قدم المساواة.
زكريا آدم علي
08-06-2026, 08:37 PM
osama elkhawad osama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 21555
Quote: فلو كانت الكراهية هي القاعدة، لما استقبلت مدن الشمال مئات الآلاف من النازحين من دارفور ومن سائر أنحاء السودان، ولما تقاسم المواطنون معهم البيوت والطعام والدواء في أصعب الظروف.
شكرا اسماعيل على نشر المقال المهم. في هذا المنبر من يتحامل على الشماليين في استقبالهم لنازحي دارفور.
بعدين الشمال نفسه مهمش وموارد سكانه شحيحة جدا. . لكن ما يميزه انه مهمش بدون حروب اهلية.
مثلا العبد لله بدون منزل في كبوشية. ليه؟ كل اهلنا هاجروا الى الخرطوم وهجروا منازلهم. وحين زرت منازلنا وجدت اغرابا قد سكنوا فيها، وبقية الاجزاء المهدّمة ، مملوءة بجحور كبيرة للثعالب والحيوانات الاخرى.
والبيوت الاخرى التي حرص سكانها الذين هجروها، حرصوا على صيانتها، وجدتها مغلقة باقفال كبيرة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة