|
|
Re: عبد اللطيف ضفاري يضفر كيكل ضفرة السنين (Re: Biraima M Adam)
|
وقفة مع النفس هي ليست مجرد لحظة تأمل، بل مرافعة عسيرة يقف فيها المرء أمام ذاته، حين يكتشف—متأخرًا—أنه تجرّع من الكأس التي سقى بها غيره يومًا، فاستدار عليه الطعم، وتضاعف مرارًا. اللهم لا شماتة في موت أحد، فالموت بابٌ واحد، ندخله جميعًا بلا استثناء، لكن الحياة هي التي تختلف وجوهها، وتتعدد فيها الدروس، وتتشابه فيها الأخطاء. هذه الحرب… ليست مجرد حدثٍ عابر، بل كتابٌ مفتوح كُتبت صفحاته بالدمع قبل الدم، ولن تُطوى فصوله بسهولة، لأن كل سوداني قد ذاق مرارتها، لكن بدرجاتٍ متفاوتة، بين من احترق بنارها، ومن اكتفى بدخانها، ومن ظنّ نفسه بعيدًا عنها فاكتشف أنها تسكنه من الداخل. وأدنى المتذوقين حظًا—إن صحّ في الألم حظ— من وجدها كطعم الحنظل، مرّةً تقف عند اللسان، أما غيره فقد شربها حتى القاع، حتى صارت المرارة جزءًا من دمه، وجزءًا من ذاكرته التي لا تُمحى. فمذاقها… لا يُطاق، ولا يُحدّ، ولا يُحصى، (فمن دخل غمار هذه الحرب سيجتر مرارتها كل حين ) نسأل الله الرحمة لكل من مات مظلوما مقهورا ولكل امرأة وطفل كانوا ضحايا هذه الحرب اما أنا وأمثالي، فنحن—إن جاز في مأساة الحرب حديث عن الحظ— فنحن الأقلِّ فداحةً في هذه الحرب؛ شُرِّدنا من ديارنا، ونُهِبَت ممتلكاتنا، وذاك—على قسوته— يبقى أدنى الضرر إذا ما قيس بما فقده غيرنا.
| |

|
|
|
|