في ذكرى مرور 6 سنوات على رحيل الفريق أركان حرب مزمل سلمان غندور، لا تعود الذاكرة مجرد استدعاء حزين لما مضى، ولا يصبح الدعاء له بالرحمة واجباً وجدانياً نؤديه في مواسم الفقد ثم ننصرف. فالذاكرة، حين تتعلق بقادة من طراز مزمل غندور، تصبح شكلاً من أشكال الوفاء، ودرجة من درجات العرفان، وطريقاً من طرق مقاومة النسيان. ذلك أن بعض الراحلين لا يغادرون حقاً؛ إنهم ينسحبون من ضجيج الحضور اليومي، لكنهم يظلون في المعنى، في الأثر، في العبارة التي لا تزال تضيء، وفي السيرة التي كلما ابتعدت في الزمن ازدادت قرباً من جوهر السؤال: كيف يحيا الإنسان حياة ذات معنى؟ وكيف يمضي من هذه الدنيا وقد ترك وراءه ما هو أبقى من الاسم والرتبة والمنصب؟
في مساء الأربعاء، 29 من أبريل 2020، غادر عالمنا الخال الحبيب مزمل غندور، في زمن كان الموت فيه يمرّ على البيوت خفيف الصوت، ثقيل الأثر. كانت جائحة كورونا قد أغلقت الأبواب، وضيّقت حتى على الحزن أن يأخذ مداه الطبيعي في الوداع والعزاء والمواساة. ومع ذلك، لم يكن رحيله خبراً عائلياً عابراً، ولا فقداً شخصياً ينتهي بانقضاء أيام العزاء، بل كان خفوتاً لصوت من أصوات السودان العميق؛ ذلك السودان الذي لا يملأ الشاشات ضجيجاً، ولا يرفع لافتات الادعاء، ولا يبيع تاريخه في أسواق المزايدات، ولكنه يمشي في الأرض هادئاً، متماسكاً، حاملاً في صدره ذاكرة الناس، وفي عقله سجل الدولة، وفي وجدانه شيئاً من نور الخلوة القديمة، وانضباط المدرسة، وصرامة المعسكر، وحكمة الشيخ الذي جرّب الدنيا وعرف أن أثقل ما فيها ليس السلطة، بل الأمانة.
ولذلك لا أكتب عنه اليوم مرثية بالمعنى التقليدي؛ فالقادة العظام لا تنصفهم المراثي العابرة، ولا تحييهم عبارات الحزن مهما صدقت. ذلك أن الخال مزمل سلمان غندور لم يكن مجرد ذكرى عائلية نتحلق حولها في مواسم الفقد، ولا اسماً عزيزاً نستعيده بدافع الحنين وحده؛ بل كان باباً من أبواب الذاكرة السودانية التي ينبغي ألا تُترك للنسيان. ففي سيرته تتقاطع أم درمان مع تقاليد درع الوطن، والبيت مع الدولة، والفقر النبيل مع الصعود العصامي، والسلطة مع امتحان الضمير، والشيخوخة مع صفاء الشهادة، والحياة كلها مع معنى الرحلة إلى الله. ومن يقرأ مزمل غندور جيداً لا يقرأ شخصاً مضى، بل يقرأ زمناً كاملاً من تكوين السودان الحديث: أحلامه الأولى، وانكساراته المتراكمة، وطبقة الرجال والنساء الذين صنعوا حضورهم بعرق الجبين والتضحيات، لا بضجيج الادعاء.
وُلد مزمل سلمان غندور في أم درمان في ظهر يوم السبت، 14 من يوليو 1928، ثم التحق بالكلية الحربية السودانية في 16 من مارس 1948، وعمل في سلاح المهندسين، وتدرج في القيادات العسكرية المختلفة، ثم ملحقاً عسكرياً في لندن بين عامي 1963-1966، وسفيراً في ألمانيا الاتحادية بين عامي 1972-1975، ثم وزيراً للداخلية بين عامي 1975-1977، وعمل بعد ذلك مستشاراً لقيادة الحرس الوطني السعودي بين عامي 1982-1985. هذه الوقائع، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم الرجل. فهي تمنحنا خريطة المناصب، لكنها لا تمنحنا سرّ السيرة. وحين نقرأه عبر الوظائف وحدها، نرتكب في حقه ما يرتكبه الأرشيف البارد حين يختزل الإنسان في تاريخ ميلاد، وتاريخ وفاة، وسجل خدمة، ومجموعة ألقاب.
كان في سيرته ما يغري بالاختزال: ضابط من الدفعة الأولى للكلية الحربية، معلم قانون عسكري، وزير داخلية، سفير، نائب برلماني، مؤرخ اجتماعي لأم درمان، ورمز إنساني صاحب سلسلة من الكتب، وذاكرة مفتوحة على الدولة والمجتمع. لكن مأساة الاختزال أنه يقتل جوهر الإنسان حين يحوّله إلى بطاقة تعريف. أما “أبو سلمان” فليس بطاقة في أرشيف، ولا اسماً في كشف خدمة، ولا رتبة في سجل القوات المسلحة. كان، قبل ذلك كله وبعده، تجربة إنسانية سودانية مكتملة: طفل أمدرماني خرج من بيت يعرف ضيق اليد في أواخر عقد العشرينيات من القرن العشرين، ثم شق طريقه بين الخلوة والمدرسة، بين رغبة الأب في أن يظل الولد قريباً من القرآن والتجارة، ورغبة الأم الأمدرمانية الحازمة في أن يفتح التعليم له باباً آخر للحياة.
هنا بالضبط تبدأ القراءة العرفانية لسيرته. فالعرفان، كما أفهمه، ليس هروباً من الواقع إلى سماوات التجريد، ولا تعليقاً للحياة على ألفاظ محلقة لا تلامس الأرض. العرفان الحقيقي هو أن ترى يد اللطف وهي تعمل في التفاصيل الصغيرة: في أمّ تصر على تعليم ابنها على الرغم من ضيق الحال؛ في طفل يتيم لا يسمح للحزن أن يحوّله إلى مرارة؛ في شاب يختار الكلية الحربية لا طمعاً في مجد عسكري، بل شعوراً مبكراً بالمسؤولية تجاه أسرته ووطنه؛ في شخص يتقدم في المناصب لكنه لا يسمح للمناصب أن تبتلع روحه. هكذا تكون الحياة طريقاً، لا مجرد سنوات. وهكذا يصبح الإنسان مسافراً بين مقامات لا يعلنها، لكنه يقطعها بالفعل: يقظة، فاختيار، فصبر، فمسؤولية، فشكر، فتوكل، فمجاهدة للنفس، ثم رضا لا يلغي الألم، ولكنه يمنحه معنى.
كانت والدته، الحاجة آمنة بت حسن (1895-1978)، في معنى من المعاني، أول شيخ في طريقه؛ لا لأنها لقّنته اصطلاحات التصوف، بل لأنها علّمته أن الكرامة لا تُطلب من أبواب السلاطين، وأن التعليم ليس ترفاً، بل طوق نجاة. لم تكن مجرد أم في سيرة رجل، بل كانت إحدى منابع المعنى في حياته. في ظلالها تعلم أن الحياة ليست ما نأخذه منها، بل ما نؤديه فيها. وتعلم أن البيت السوداني، حين تصفو سريرته، يمكن أن يكون مدرسة في الصبر قبل المدرسة، وخلوة في الأدب قبل الخلوة، ومعسكراً في الانضباط قبل المعسكر. كانت الأم هنا ليست تفصيلاً عاطفياً، بل قوة تكوين صامتة؛ تلك القوة التي لا تكتب البيانات ولا تخطب في المنابر، لكنها تصنع الرجال الذين ينهضون في ساعة الامتحان.
ولعل في اسمه نفسه إشارة لا ينبغي أن تمرّ بلا تأمل. “مزمل” اسم يوقظ في الذاكرة القرآنية نداء القيام. وليس المقصود هنا أن نصنع قداسة بشرية لشخص ظل يرفض المبالغة ويعرف حدوده، ولكن الأسماء أحياناً تفتح أبواب المعنى. فقد عاش مزمل، في كثير من محطات حياته، كأن عليه أن يقوم من ليل السودان الطويل: ليل الاستعمار، وليل الفقر، وليل الطموحات المجهضة، وليل الانقلابات، وليل الخصومات، وليل سوء الفهم، وليل الاتهام الذي يلاحق الأشخاص حين يقفون في منطقة لا ترضي الجميع. قام لا صارخاً، بل شاهداً؛ لا مدّعياً عصمة، بل حاملاً مسؤولية؛ لا طالباً شهرة، بل مؤدياً ما اعتبره واجباً.
ومن أم درمان تبدأ الحكاية، لا بوصفها مكان ميلاد فحسب، بل بوصفها حاضنة روحية واجتماعية وسياسية. أم درمان عند مزمل غندور ليست جغرافيا، بل معمل لتكوين الشخصية السودانية: الخلوة، السوق، الحي، الجيرة، المربوع، المودة، النكتة، الفقر المستور، الاعتزاز بلا تكبر، والأسر التي صنعت أبناءها وبناتها بالصبر قبل المال. هذه المدينة لا تعطي أبناءها وبناتها شهادة جاهزة في الوطنية، لكنها تعلمهم، إن أحسنوا الإصغاء، أن الإنسان لا يولد كبيراً؛ يكبر بقدر ما يحمل من واجب، وبقدر ما يتسامى على مراراته الخاصة كي لا يجعلها معياراً للحكم على العالم. وفي خواطره وكتاباته ترد تفاصيل الجيرة، وعزوة المصاهرة، وحي البوستة العريق، وصناعات الناس، وصعود سلم التعليم في بيوت لا تملك مفاتيح السلطة ولا الثروة. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل هي أصل المسألة: أن شخصاً خرج من أوساط العامة، لا تسنده طائفة دينية، ولا عصبية جهوية، ولا بيت من بيوت المال أو الحكم، ثم صار أحد رموز السودان المعاصر.
وفي هذه البداية يكمن أول معنى من معاني الحياة الحقيقية: أن الإنسان لا يولد مكتملاً، وإنما يُنحت بالامتحان. يولد في بيت، لكن عليه أن يوسّع البيت إلى وطن؛ يولد في نسب، لكن عليه أن يزكي النسب بالعمل؛ يولد في ظروف تضيق به، لكن عليه أن يجعل من الضيق سلّماً لا سجناً. هكذا خرج مزمل من الفقر لا ناقماً، ومن اليتم المبكر لا مكسوراً، ومن صرامة الحياة لا قاسياً، بل خرج محمولاً على تربية جعلت الكرامة قرينة المسؤولية، وجعلت العلم باباً للخدمة، لا مصعداً للامتياز الاجتماعي. وهذا هو معنى الصعود النظيف: أن يرتفع الإنسان من دون أن يتنكر لمنابعه، وأن يدخل الدولة من دون أن يفقد حاسة البيت، وأن يلبس الزي العسكري من دون أن ينسى أن القوة إذا لم تستند إلى أخلاق فقد تتحول إلى وبال.
ثم جاءت الكلية الحربية، لا بوصفها مهنة فحسب، بل كقدر جديد في مسار الفتى الأمدرماني. كان يستطيع أن يتجه إلى تكملة دراسة الطب، كما أهّلته نتائجه، لكن حاجته إلى رعاية الأسرة، وإحساسه بثقل المسؤولية تجاه الأم والإخوة والأخوات، دفعاه إلى طريق آخر. وهنا تتجلى منزلة أخرى من منازل المعنى: أن الإنسان لا يختار دائماً ما يزين سيرته، بل يختار ما يبرئ ذمته. لم يكن التحاقه بالعسكرية فراراً من العلم، بل امتداداً لصيغة أخرى من صيغ الخدمة. دخلها من باب الواجب، لا من باب التسلط؛ ومن باب بناء الدولة، لا من باب افتراس السياسة. وفي ذلك الاختيار المبكر نرى كيف تتشكل الشخصية حين تلتقي الحاجة بالضمير، والطموح بالواجب، والفرصة الفردية بالمسؤولية العائلية والوطنية.
في حياته العسكرية كان يرى الجيش، في جوهره النبيل، مؤسسة جامعة لا ينبغي أن تُختطف لصالح حزب أو طائفة، ولا أن تُستعمل عصا في يد طامح، ولا أن تتحول من درع للوطن إلى بديل عن الأمة. كان في وعيه القديم أن الجندية ليست زياً وحديداً وأوامر، بل أخلاق قبل كل شيء: ضبط للنفس، وصدق في الأداء، ووفاء للقسم، وشعور بأن السلاح لا يعلو على الشعب، بل يحرس وجوده، وأن الدولة لا تبنى بسطوة الكلاشنكوف وحدها، بل بالشرعية، والسيادة، والعدل، والمعرفة، واستقامة النية. لذلك كان مصطلحه عن “الفكر الانقلابي” شديد الدلالة. فقد رأى أن هذا المدخل كان كارثة على المؤسسة العسكرية قبل أن يكون كارثة على السياسة؛ لأنه يفسد معنى الخدمة، ويحوّل السلاح من أمانة وطنية إلى أداة صراع على الحكم.
وهذه ليست ملاحظة تاريخية فقط، بل جرح لا يزال مفتوحاً في جسد السودان. فقد ظلت علاقة الجيش بالسياسة من أعقد مسائل الدولة السودانية: الجيش بوصفه المؤسسة الوطنية الجامعة، والجيش بوصفه مدخلاً للسياسيين للاستيلاء على السلطة؛ الجيش بوصفه سياج الدولة، والجيش حين يُدفع إلى قلب الصراع السياسي باختراقات الساسة والتنظيمات العقائدية فيفقد شيئاً من طبيعته المهنية. الفريق أركان حرب مزمل غندور، في هذا الباب، لم يكن يتحدث من خارج المؤسسة، بل من داخلها؛ ومن عرف الداخل يستطيع أن يرى ما لا يراه الواقف على الرصيف. لذلك تبدو ذكراه اليوم شديدة الحضور، لا لأنها تنتمي إلى الماضي، بل لأنها تفتح واحداً من أخطر أسئلة الحاضر: ماذا يحدث حين تفقد المؤسسة العسكرية معناها المهني، وحين تفقد السياسة معناها الوطني، وحين تفقد الدولة أخلاق الخدمة العامة؟
ولذلك فإن استدعاءه اليوم، بعد حرب أبريل 2023 وما كشفت عنه من خراب الدولة، وتصدع المجتمع، وانكشاف هشاشة المؤسسات، ليس ترفاً عاطفياً ولا حنيناً إلى زمن مضى. فقد رأى السودانيون الدولة وهي تنزف، والمجتمع وهو يتشظى، والذاكرة وهي تُنهب وتُزوّر، والبيوت وهي تُقتحم، والاغتصابات ودورات الشفشفة؛ والناس وهم يكتشفون أن انهيار الدولة ليس خبراً سياسياً بل خراب يومي في الخبز والماء والكرامة والأمان. في مثل هذا الزمن لا تكفي الدعوات العامة إلى السلام، ولا تكفي العبارات المريحة عن المصالحة، ولا يكفي أن نلعن الحرب ثم نعيد إنتاج أسبابها. نحتاج إلى استعادة الأخلاق المؤسسة: الصدق، الانضباط، العفة، المسؤولية، التوثيق، احترام المواطن، خدمة الناس، ووضع الدولة فوق الأشخاص. وهذه ليست شعارات معلقة؛ نجدها متفرقة في سيرة مزمل غندور، في عباراته، في صمته، في اختياراته، وفي طريقته في فهم المنصب بوصفه تكليفاً لا امتيازاً.
وقد اقتربتُ من عالمه أكثر حين عملت له سكرتيراً خاصاً في مكتبه لثلاث سنوات بين 1980-1983، عندما حُرمت من الوظيفة العامة بقرار من جهاز أمن الدولة خلال عهد الجنرال نميري. كنت شاهداً على تفاعلاته الخاصة والعامة في مرحلة حساسة من تاريخ البلاد؛ وقتها كان نظام نميري يتأرجح بين تصاعد التآمر عليه، وانفجار لهيب الحرب الأهلية في الجنوب، والهروب إلى الأمام بتوظيف حزمة قوانين سبتمبر 1983 للحفاظ على توازنه المتداعي. غير أنني عرفت عندها، وعن قرب، أن أهم ما في تجربته العسكرية والسياسية ليس الرتبة، بل ذلك الوعي المبكر بخطورة انتقال الجيش من معنى المؤسسة الوطنية إلى معنى الأداة السياسية، وبخطورة انتقال الدولة من معنى الخدمة إلى معنى السيطرة، وبخطورة انتقال السياسة من مشروع وطني إلى سوق للمصالح الصغيرة والكراسي العابرة.
ومن مواقفه النقدية المعروفة أنه كان يرجع مأساة السودان في الحكم والسياسة إلى قادة سياسيين لم يكن همهم العمل لأجل السودان والتخطيط لدولته والتفكير في مستقبلها، بقدر ما كان همهم كراسي السلطة ومصالحهم الخاصة. قد يختلف الناس معه في التفاصيل، وقد يراجعون بعض أحكامه، لكن لا يستطيعون إنكار أن هذه العبارة تختصر مرضاً سودانياً مزمناً: سلطة أكثر من دولة، ومواقع أكثر من مشروع، وولاءات أكثر من مؤسسات، وغباء سياسي قصير النفس يربح أحياناً المعركة اليومية ويخسر كل المستقبل. وهنا تتضح قيمة مزمل غندور لا بوصفه شخصاً من الماضي، بل بوصفه عدسة مكبرة نرى عبرها أعطاب الحاضر؛ رجل دولة عرف قسوة الدولة، وعسكري محترف أدرك خطر الانقلاب على العسكرية نفسها، وضابط كتب عن القانون لكنه عرف أن القانون بلا أخلاق قد يصبح مجرد أداة، وأمدرماني الهوى ظل مشدوداً إلى مدينته حتى وهو يتحرك بين لندن وبون وواشنطن وطوكيو وأوسلو وبريتوريا.
في تجربته مع الوزارة تظهر طبيعة العلاقة بين الإنسان والسلطة. كان وزيراً للداخلية في زمن شديد التعقيد، ولم تكن وزارة الداخلية منصباً بروتوكولياً، بل موقعاً يضع صاحبه بين حاجات الناس، وقسوة الأمن، وضغوط الدولة، وأمهات المعتقلين، وأسر المساجين، وأصحاب الحاجات. وكان يكرر دائماً أن خروجه من الوزارة كان يوماً سعيداً لزوجته الحاجة فاطنة بت محجوب عوض الله (ندعو لها بدوام الصحة والعافية)، حتى إنها ذبحت خروفاً ووزعت لحمه على المساكين فرحاً وكرامة، لأنها عاشت تعباً متواصلاً في حمايته من انتهازية المتسلقين، والحرص والتركيز على خدمة أصحاب الحاجات والأسر المتعففة باعتبار ذلك أولوية وواجباً وعبادة خلال مدة توليه الوزارة. هذه الصورة وحدها تكشف معدن البيت السوداني القديم: فالمنصب لم يكن في نظر الأسرة غنيمة، بل عبئاً؛ والخروج من الوزارة لم يكن سقوطاً، بل نجاة.
هذه أيضاً لمسة عرفانية من صميم الحياة: أن تدرك الأسرة أن السلامة في الخروج من باب السلطة قد تكون أعظم من البقاء فيها. كم من الناس يذبحون يوم يدخلون المناصب، لا يوم يخرجون منها؛ وكم من البيوت تحتفل بالقرب من السلطان، لا بالتحرر من أعبائه. أما هنا فنحن أمام بيت يعرف أن المنصب إذا أرهق الروح وأثقل الضمير، فإن الخروج منه رحمة. والسلطة، في هذا الميزان، ليست زينة على صدر صاحبها، بل امتحان عسير للنفس والبيت والضمير. كثيرون يدخلون السلطة فيخرجون منها وقد تغيّرت ملامحهم الداخلية؛ يتضخمون، يستعلون، ينسون البدايات، ويظنون أن المنصب خلق لهم لا أنهم اختبروا به. أما مزمل فقد ظل يحتفظ بذلك الميزان الداخلي الذي يذكّر الإنسان بأصله: بيت متواضع، أم كادحة، تعليم شاق، جيش صارم، ذاكرة أم درمان، ثم وطن لا يمنح أبناءه وبناته الراحة ولكنه يمنحهم، إن صدقوا، معنى الوجود.
وليس غريباً أن يقترن هذا المعنى بسيرة شخص عرف الزهد العملي، لا الزهد الخطابي. ففي مقالة كُتبت عنه وهو على أعتاب التسعين، يرد جوابه عن “توليفته السحرية” في الحياة: عدم تعاطي الشاي والقهوة، والابتعاد عن التدخين والخمر، وعدم الاقتراب من بيوت السوء. قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تكشف فهماً قديماً للانضباط: أن يبدأ إصلاح الحياة من الجسد والعادة، لا من الشعارات. الزهد هنا ليس ادعاءً روحياً، بل نظام حياة؛ والعفة ليست موعظة، بل تدريب طويل على صون النفس. ظل مزمل طوال حياته مترفعاً عن الصغائر والرذائل، محاولاً أن يبقى نظيفاً من كل دنس، مستشهداً ببيت البحتري: “صنت نفسي عما يدنس نفسي”. وهذا البيت، في سياق حياته، ليس زينة بلاغية، بل مفتاح أخلاقي.
فقد عاش في بيئات كان يمكن أن تفتح له أبواباً كثيرة: الجيش، السلطة، الدبلوماسية، علاقات الخارج، الدولة في زمن التحولات. لكنه ظل مشدوداً إلى فكرة صون النفس. ولعل هذه هي الفضيلة التي تجعل سيرته قابلة للاستدعاء اليوم: فقد خسر السودان كثيراً حين صار الذكاء بلا أخلاق، والطموح بلا ورع، والسياسة بلا عفة، والسلطة بلا خجل. وفي البعد العرفاني، لا تكون الطهارة مجرد امتناع عن الحرام الظاهر، بل هي أيضاً صيانة القلب من دنس الحقد، وصيانة اللسان من فحش الخصومة، وصيانة الذاكرة من الانتقام. ولذلك كان صمته عن بعض من أساءوا إليه بعد رحيلهم ليس ضعفاً، بل أدباً مع الموت. كأنه كان يقول لنا: لا تجعلوا التاريخ مقبرة مفتوحة للشماتة، ولا تجعلوا الذاكرة ساحة لتصفية الحسابات. اكتبوا، نعم. اسألوا، نعم. وثّقوا، نعم. لكن لا تنسوا أن الحقيقة بلا رحمة قد تتحول إلى قسوة، وأن الرحمة بلا حقيقة قد تتحول إلى تواطؤ.
الصمت في حياته يحتاج إلى تأمل خاص. في زمننا صار الصمت يُفهم ضعفاً، والرد السريع يُفهم شجاعة، والضجيج يُحسب موقفاً. أما هو فكان يعرف أن ليس كل ما يُعرف يقال، وليس كل ما يقال ينفع، وليس كل خصم يستحق أن يُفتح له باب الجدل. وكان من أعمق ما قاله حين سئل عن عدم الرد على بعض من رحلوا: إن الحديث عن ساكني القبور يشبه نبش القبور، ولا يأتي من وراء النبش سوى الروائح الكريهة والمناظر البشعة. هذه ليست عبارة أخلاقية عابرة؛ إنها ميزان عميق في أدب الخصومة. فالتاريخ له حق السؤال، نعم، ولكن للغائب حرمة. والذاكرة لها حق الإنصاف، نعم، ولكن ليس كل إنصاف يحتاج إلى انتقام. والإنسان النبيل لا يربح معركته حين يرفع صوته على من لم يعد قادراً على الرد.
في هذا الأدب تتجلى إحدى درجات السلوك الإنساني الرفيع: أن يملك الإنسان القدرة على الكلام ثم يختار الصمت لا خوفاً، بل صيانة للمعنى. أن يعرف أن الانتصار على الخصم لا يساوي دائماً الانتصار على النفس. وأن النفس، حين تتلذذ بفضح الآخرين، قد تخسر شيئاً من نورها حتى لو ربحت الجولة. هكذا كان مزمل غندور، في لحظات كثيرة، يعلّمنا من دون أن يعظنا: أن للكرامة نبرة منخفضة، وأن للحق أدباً، وأن للرواية حدوداً، وأن بعض ما يُعرف ينبغي أن يبقى أمانة حتى لا يتحول التاريخ إلى ساحة تشفٍّ. ومن هنا يصبح استذكار مزمل غندور فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون فعلاً توثيقياً. نحن لا نعيد فتح سيرته لكي ننقّب في خصومات الماضي، بل لكي نرفع من تحت الغبار جوهر التجربة.
وفي حياته شيء كثير من الصبار: فقد الأب وهو لا يزال في مقتبل العمر، وضيق العيش، وكفاح ومعاناة الأم، وصعوبات التعليم، وأحزان العائلة، وغرق أخيه عبد العظيم في حوض سباحة جامعة الخرطوم، وانكسارات القلب، ووفاة طفليه نفيسة وأحمد، وقسوة الخصومات من الاقربين والأغراب، والسجن والاعتقال، والإبعاد من المؤسسة العسكرية التي عشقها، وتصاعد المسؤوليات العامة والخاصة، ثم شيخوخة ظل فيها العقل متقداً والذاكرة عامرة. وكان يقول لي في أكثر من مرة، في عبارته التي تختصر فلسفة كاملة في الحياة: إنه يكره الألم ويكره الحزن لأنه تألم وحزن في طفولته وشبابه كثيراً، ولذلك ظل يحاول دائماً إخراج النكتة من المأساة. وهذه ليست خفة روح عابرة؛ إنها شكل من أشكال النجاة. فالإنسان الذي يضحك من قلب المحنة لا ينكر الألم، بل يرفض أن يعطيه حق السيطرة على روحه.
ومن هنا يصبح الصبر في سيرة مزمل غندور غير الصبر الكسول الذي ينتظر الفرج بلا عمل. الصبر عنده كان فعلاً، لا انفعالاً؛ انضباطاً لا استسلاماً؛ احتمالاً لا رضوخاً؛ قدرة على تحويل الخسارة إلى درس، والفقد إلى ذاكرة، والخذلان إلى نكتة ساخرة لكنها لا تسمح للروح أن تتعفن. لذلك تبدو حياته، في عمقها، كأنها سلسلة من الامتحانات التي لا يُسأل فيها الإنسان عما أصابه، بل عما صنع بما أصابه. وكثيرون تمر عليهم المحن فتزيدهم قسوة، أو تدفعهم إلى الانتقام، أو تغلق قلوبهم على العالم. أما هو فظل قادراً على الحكي، وعلى السخرية، وعلى التلطف، وعلى استدعاء الحكمة من التفاصيل الصغيرة. لذلك اخترت لمشروع الكتابة عنه عنوان “ذاكرة الصبار”، لأن نبات الصبار الصحراوي لا يغري بالنظر مثل الوردة، لكنه يعرف جيداً كيف يبقى. والسودان نفسه يحتاج اليوم إلى ذاكرة صبار: ذاكرة لا تكذب على نفسها، ولا تستسلم للمرارة، ولا تسمح للحرب المفروضة عليه أن تصادر المعنى.
وكان مزمل غندور حريصاً على اكتساب الخبرة المباشرة. لم يكن يكتفي بأن يسمع عن الوقائع؛ أراد أن يكون قريباً من لحظة تكوّنها. وهذه العبارة وحدها تصلح مفتاحاً لفهم شخصيته. فهو رجل عرف قيمة الوثيقة، ولكنه عرف أيضاً أن الوثيقة لا تكفي إذا لم تسندها عين رأت، وذاكرة حفظت، وضمير يزن، ولسان يعرف متى يقول ومتى يصمت. ولذلك لا يمكن قراءة سيرته كذكريات شخصية فقط، بل ينبغي قراءتها كأرشيف حي: تاريخ المؤسسة العسكرية، تاريخ أم درمان، تاريخ الدولة الوطنية، تاريخ علاقة المثقف بالسلطة، وتاريخ الفرص الضائعة في حياة أهل السودان. ومع أن مزمل كان عسكرياً بامتياز، فإن مشروعه الأعمق كان مشروع ذاكرة. كتب في القانون العسكري، وساهم في التأريخ الاجتماعي لأم درمان، وخلّف من النصوص ما يستحق الجمع والتحقيق والنشر.
لقد أضاف إلى إنجازات حياته سلسلة من الكتب تجاوز عددها خمسة وعشرين سفراً، من “الوجيز في القانون العسكري” إلى سلسلة مترابطة من التأريخ الاجتماعي لمدينته الحبيبة أم درمان. وهذا جانب لا يقل أهمية عن الرتبة والمنصب. فالذين يكتبون بعد أن يخدموا يتركون للأمة أكثر من ذكرياتهم؛ يتركون أدوات لفهم الواقع من شفرة الماضي. والكتابة عند الفريق (أ.ح) مزمل غندور لم تكن ترفاً ثقافياً. كانت امتداداً لخدمة الدولة بطريقة أخرى. الضابط حين يكتب عن القانون العسكري ويدرسه في الكلية الحربية، فهو يحاول أن يمنح المؤسسة ذاكرة مهنية. والأمدرماني حين يكتب عن أم درمان، فهو يحاول أن ينقذ المدينة من أن تتحول إلى مجرد أسماء أحياء في خرائط باهتة. ورجل الدولة حين يكتب مذكراته، فهو يترك للأجيال القادمة مفاتيح لفهم ما جرى خلف الأبواب التي لا تفتحها المحاضر الرسمية.
ومن هنا كانت فكرة مشروع تخليد ذكراه مشروعاً يتجاوز العائلة. ليس المطلوب أن نحتفظ بصورة جميلة في صدر المنزل، ولا أن نعيد نشر نعي رسمي، ولا أن نكتفي بالدعاء له، على جلالة الدعاء وضرورته. المطلوب أن ننقذ هذه الذاكرة من التبدد. أن نجمع أوراقه؛ أن نقرأ مخطوطاته. أن نراجع مقابلاته. أن نوثق رواياته. أن نحول سيرته إلى كتاب يليق به. أن ننتج عنه عملاً وثائقياً لا يبحث عن الإثارة، بل عن المعنى. فالسودان بلد فقد كثيراً من تاريخه لأن ذاكرته الشفهية رحلت قبل أن تُكتب، ولأن وثائقه تعرضت دائماً لسطوة الحكم، ولأن أجياله كثيراً ما دخلت الحاضر بلا جسور كافية مع الماضي. ومزمل غندور واحد من تلك الجسور.
وقد كان مشروع السلسلة التلفزيونية الذي اقترحته لتلفزيون “البلد” قبل رحيله لتخليد سيرته يقوم على هذه الفكرة بالذات: إنتاج وثيقة حية لا تكتفي بالأرشيف المكتوب، بل تجعل من التاريخ الشفهي مصدراً لسد الثغرات التي يتركها التاريخ الرسمي. وهذه نقطة جوهرية. فالسودان، أكثر من غيره، بلد ضاع كثير من تاريخه بين الرواية الرسمية والرواية المضادة، بين وثيقة مكتوبة تخضع لسلطة الدولة، وذاكرة شعبية تخاف من النسيان. ومزمل غندور كان واحداً من أولئك الذين يحملون ما بين الوثيقة والذاكرة: رجل كتب، وروى، وشهد، وصمت أحياناً لأن الصمت عنده كان أخلاقاً لا عجزاً. ولذلك فإن نشر مخطوطاته، وتحقيق كتاباته، وجمع مقابلاته، وترتيب أرشيفه، وتحويل سيرته إلى مادة تربوية وثقافية للأجيال الجديدة، ليس عملاً عائلياً، بل واجب وطني.
كم أحزنني تعرض منزله في حي الميرغنية بالخرطوم بحري للسرقة والتخريب المتعمد مع اندلاع حرب أبريل 2023. لم يكن ذلك تخريباً لمنزل أسرة فحسب، بل اعتداءً على ذاكرة قائد، وعلى جزء من ذاكرة السودان. غير أن ما يمكن إنقاذه من السيرة يجب ألا يترك للصدفة. خلال السنوات الماضية استطعت بجهد جهيد أن أجمع وأسجل خريطة حياته في 10 أقسام مترابطة: عيون الطفولة، م راتع الصبا، فترة العسكريتاريا، مشاوير العمر، أبواب الأسرة، الأحزان، ذاكرة الصبار، وخاتمة المطاف، بما يجعل حياته مادة حاضرة لفهم المناخ الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي الذي تشكلت داخله. فالبيوت قد تُنهب، والأوراق قد تتبدد، لكن الذاكرة حين تتحول إلى مشروع لا تموت بسهولة.
وفي هذا السياق ينبغي أن تُفهم استعارة “صالح ثمود السوداني” التي ظهرت في كتاباتي عنه. لا ينبغي أن تُقرأ هذه الاستعارة قراءة حرفية أو غالية، فمزمل غندور ليس نبياً ولا معصوماً، ولا يجوز أن يُرفع الإنسان فوق مقامه البشري. لكنها استعارة ذات دلالة: شخص يأتي من داخل قومه، يعرف لغتهم، يعرف فسادهم وصلاحهم، يحذرهم من العواقب، فلا يجد دائماً من يسمع. في هذه الاستعارة معنى النذير لا معنى القداسة، ومعنى الشاهد لا معنى العصمة. كأنني كنت أريد أن أقول إن في حياة الخال مزمل دروساً لم ينتبه لها السودانيون بما يكفي، وأن تجاهل الشهود الصادقين أحد أسباب تكرار الكوارث. والأمم التي تهمل شهودها تفقد القدرة على قراءة نفسها، ثم تستيقظ متأخرة على الكارثة كأنها مفاجأة، بينما كانت كل إشاراتها مكتوبة في سيرة الرجال والنساء وفي صمت الوثائق وفي وجوه الشيوخ الذين رأوا أكثر مما قالوا.
والعرفان في ذكراه لا يعني أن نخرجه من التاريخ إلى مقام الأسطورة. على العكس، العرفان الحقيقي يعيده إلى التاريخ ولكن بعين أكثر عمقاً. فهو لا يلغي الوقائع، بل يضيء معناها. لا يقول إن الفقر جميل، بل يقول إن الفقر قد يصبح مدرسة إن لم يكسر النفس. لا يقول إن الحزن مطلوب، بل يقول إن الحزن قد يصبح باباً للرحمة إن لم يتحول إلى مرارة. لا يقول إن السلطة نجسة بذاتها، بل يقول إنها امتحان، وأن الطاهر ليس من لم يدخلها، بل من دخلها ولم يسمح لها أن تفسد قلبه. لا يقول إن الموت نهاية العلاقة، بل يقول إن الموت يبدل شكل الحضور: من حضور الجسد إلى حضور الدعاء، ومن صحبة المجلس إلى صحبة الأثر، ومن صوت الهاتف إلى صوت الذاكرة.
صار مزمل غندور بعد رحيله موضع دعاء. وهذه منزلة لا تمنحها المناصب. كم من وزير لا يذكره أحد إلا بملفاته، وكم من سفير لا يبقى منه إلا صورة في قاعة، وكم من ضابط لا يستدعي اسمه إلا سجل خدمة. أما من يتحول إلى موضع دعاء، فقد دخل منطقة أخرى من الذاكرة. ذلك أن الدعاء لا يصدر عن الخوف ولا عن المجاملة، بل عن محبة بقيت بعد أن انتهت المصالح. والدعاء للراحلين الكبار ليس مجرد طلب رحمة لهم، بل هو أيضاً اعتراف بأنهم تركوا فينا شيئاً يستحق أن نرفعه إلى الله: محبة، امتناناً، عتاباً حنوناً، وشعوراً بأننا مدينون لهم بما لم ننجزه بعد. حين نقول: “رحمه الله”، فنحن لا نؤدي واجباً لفظياً، بل نمد خيطاً بين عالمين. نقرّ بأن الإنسان أكثر من جسده، وأن أثره في الناس نوع من البقاء، وأن الرحمة التي نطلبها له هي أيضاً رحمة نطلبها لأنفسنا: أن يرحمنا الله من جفاف الذاكرة، ومن قسوة النسيان، ومن عقوق الأجيال للذين سبقوهم.
وفي روحانيات المحبة الكبرى، لا يكون الغياب نفياً للحضور، بل قد يكون الغياب أعلى درجات الحضور حين يتحول المحبوب إلى معنى يملأ القلب. ولسنا هنا في مقام غزل صوفي، بل في مقام محبة إنسانية صافية. فمن نحبهم حقاً لا يبقون لأن صورهم معلقة على الجدران، بل لأنهم يتحولون إلى معيار داخلي: حين نهمّ بالانحدار نتذكرهم، وحين تضيق بنا الدنيا نتذكر صبرهم، وحين تغرينا الخصومة نتذكر أدبهم، وحين تلوح لنا السلطة نتذكر خوفهم منها، وحين نُفتن بالادعاء نتذكر بساطتهم. كان مزمل، ود حاجة آمنة بت حسن، من أولئك الذين لا يكتمل فهمهم إلا إذا جمعنا بين الظاهر والباطن: الظاهر رجل دولة، والباطن سالك في طريق الصرامة الأخلاقية؛ الظاهر ضابط جيش محترف، والباطن شاهد على هشاشة السلطة؛ الظاهر مؤلف في القانون، والباطن باحث عن عدل مفقود؛ الظاهر أمدرماني يعرف الأحياء والبيوت، والباطن ابن ذاكرة جماعية تخشى أن يبتلعها النسيان.
ولهذا فإن الكتابة عنه تحتاج إلى عينين: عين المؤرخ التي تسأل عن الوقائع، وعين العارف التي تسأل عن المعنى. في عين المؤرخ، نسأل: ماذا فعل؟ أين خدم؟ ماذا كتب؟ ما مواقفه؟ ما علاقته بالانقلابات؟ كيف رأى السياسيين؟ كيف فهم الجيش؟ كيف عاش الوزارة؟ كيف خرج من السلطة؟ كيف دوّن تجربته؟ أما في عين العارف، فنسأل: ماذا بقي منه في القلب والذكريات؟ أي معنى يتركه لنا؟ كيف يتحول شخص واحد إلى مرآة لأهل السودان؟ كيف يصبح الموت مناسبة للاتصال لا للانقطاع؟ كيف يكون الدعاء استمراراً للمحبة؟ وكيف يصبح الوفاء عملاً ضد الفناء؟ والجواب أن مزمل غندور بقي لأنه لم يكن عابراً على السطح. كثيرون يمرون على المناصب، لكن المناصب لا تمر في أرواحهم إلا بوصفها زينة. أما هو فقد مرت التجربة في داخله كاختبار.
وما أحوج السودان اليوم إلى هذا النوع من الشهود. بعد حرب أبريل 2023، وبعد انهيار كثير من المسلمات، وبعد أن رأى الناس الدولة وهي تنزف، والمجتمع وهو يتشظى، والذاكرة وهي تتعرض للنهب والتزوير، صار واضحاً أن الأمم لا تنهض بالسلاح وحده، ولا بالسياسة وحدها، ولا بالمعونات وحدها. تنهض حين تستعيد أخلاقها المؤسسة: الصدق، الانضباط، العفة، المسؤولية، التوثيق، احترام الموتى، خدمة الناس، ووضع الدولة فوق الأشخاص. وهذه كلها ليست شعارات معلقة؛ نجدها متفرقة في سيرة مزمل غندور، وفي عباراته، وفي صمته، وفي اختياراته. ليس المطلوب أن نحوله إلى تمثال، فالتماثيل أحياناً تقتل أصحابها. المطلوب أن نحوله إلى درس. والدرس الأول أن الإنسان يستطيع أن يخرج من الهامش إلى مركز الفعل من دون أن يبيع روحه. والدرس الثاني أن المؤسسة العسكرية لا تُصان إلا بالانضباط المهني والأخلاق العامة. والدرس الثالث أن السياسة حين تفقد مشروع الدولة تصبح منافسة على الكراسي. والدرس الرابع أن الذاكرة الشفهية ثروة وطنية يجب إنقاذها قبل أن يبتلعها الموت. والدرس الخامس أن العرفان ليس كلمات محلقة في الفضاء، بل هو أدب واقعي مع الحياة والموت والناس والخصومة والسلطة.
إن الجيل الجديد في السودان، وقد أنهكته الحرب، وخذلته عمالة وخيانة النخب، وكسرت ظهره موجات النزوح واللجوء والبطالة وانسداد الأفق، يحتاج إلى نماذج لا تقول له إن الطريق سهل، بل تقول له إن الطريق الصعب ممكن. مزمل غندور ليس نموذج “البطل الخارق”، بل نموذج الإنسان الذي صنع من الحرمان سلّماً، ومن الانضباط وسيلة نجاة، ومن العلم حصناً، ومن تقاليد المؤسسة العسكرية روحاً، ومن التجربة المباشرة مرجعية لفهم ما لا تقوله الكتب الرسمية. يحتاج الجيل الجديد إلى أن يعرف أن الحرمان ليس لعنة أبدية، وأن الانضباط ليس قسوة، وأن العلم ليس زينة، وأن العسكرية حين تتجرد من السياسة الحزبية الضيقة يمكن أن تكون مدرسة في الوطنية، وأن الشيخوخة يمكن أن تكون زمناً للصفاء لا للمرارة، وأن المذكرات ليست لتصفية الحسابات، بل لإيداع الشهادة أمام الزمن.
وربما كان أجمل ما يمكن أن نقوله له الآن، بعد 6 سنوات من الغياب، هو أننا لم نعد نملك أن نزوره كما كنا نزوره، ولا أن نتشوق لزيارته لنا في حي العرب صباح كل جمعة، ولا أن نجلس تحت ظل شجرة اللارنج لنسمع منه ما بين النكتة الساخرة والرأي السديد والحكمة، ولا أن نستنطقه عن غدر تمرد توريت، أو حكاوي أم درمان الملهمة، أو نجاعة أدوات الكلية الحربية، أو شهامة المشير نميري، أو وداعة الفريق عبود، أو ساحات لندن، أو بون، أو ذكريات أيامه في كلية القادة والأركان الأمريكية في ولاية كانساس، أو دهاليز وزارة الداخلية. لكننا نملك أن نقرأه. نملك أن نستدعيه. نملك أن نجعل من ذكراه باباً لإصلاح علاقتنا بالتاريخ. نملك أن نقول له: لم تذهب حياتك هباءً، ولم تضيع شهادتك، ولم يكن صمتك فراغاً، ولم تكن حكمتك أثراً عابراً في مجلس عائلي.
لم يكن مزمل سلمان غندور (1928-2020) فقيد أسرة فحسب، بل كان وداعه انطواء صفحة من كتاب السودان الاجتماعي والعسكري والأخلاقي؛ صفحة لا يجوز أن تُطوى في صمت، لأن الأمم التي تهمل شهودها تفقد القدرة على قراءة نفسها. لذلك نردد القول: رحم الله الخال الحبيب مزمل سلمان غندور. رحمه الله بقدر ما حمل من صبر، وبقدر ما صان نفسه حين كان الانحدار سهلاً، وبقدر ما خدم ولم يطلب من الخدمة تاجاً، وبقدر ما كتب لكي لا يضيع المعنى، وبقدر ما أحب أم درمان لا كمدينة من طين وبيوت، بل كروح سودانية ورمزية جامعة، وبقدر ما ظل شاهداً على وطن لم ينصف شهوده كثيراً.
وفي حضرة ذكراه، نقف لا لنعلن الحزن وحده، بل لنجدّد العهد: إن الذاكرة أمانة، وإن الوفاء عمل، وإن الدعاء للراحلين لا يكتمل إلا إذا حفظنا ما تركوه من نور. غادر الفريق أركان حرب مزمل سلمان غندور عالمنا في ذلك المساء من نهاية أبريل 2020، لكنه لم يغادر السؤال السوداني الكبير. ظل هناك، في منطقة ما بين التاريخ والروح، يذكّرنا بأن الناس لا يقيمون بما أخذوا من الدنيا، بل بما تركوا فيها من أثر؛ وأن الموت لا يهزم الذين تحوّلوا إلى معنى؛ وأن السودان، مهما تكاثفت ظلماته وتصاعدت موجات التآمر والخيانة عليه، لا يزال يملك في ذاكرته أشخاصاً يشبهون الفجر حين يتأخر، لكنه لا يخلف وعده.
رحم الله الخال الحبيب مزمل سلمان غندور، “أبو سلمان”. رحم الله ذلك الوجه الأمدرماني الوقور، وتلك الذاكرة التي مشت بين الناس كأنها دفتر مفتوح من دفاتر السودان. رحم الله القائد العصامي الذي خرج من ضيق البدايات إلى سعة التجربة، ومن امتحانات الدولة إلى صفاء الشهادة، ومن صخب السلطة إلى سكينة المعنى. اللهم اجعل ما قدم في ميزان حسناته، وما كتب شهادة نافعة، وما تركه في قلوب محبيه باباً من أبواب الرحمة. واجعل ذكره، فينا وبيننا، لا مجرد حنين إلى من غاب، بل نوراً يدلنا على ما ينبغي أن نحفظه من أخلاق الرجال والنساء، ومن معنى الوطن، ومن حقيقة الحياة حين تصفو من الغرور وتعود إلى أصلها الأول: أمانة، وخدمة، ومحبة، ورحلة إلى الله.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة