|
|
|
Re: الشعب السوداني في انتظار غودو(الحل من خلا� (Re: jini)
|
حين ننتظر الخلاص بدل أن نبنيه
في كل مرة يضيق فيها الأفق السياسي عندنا تتكرر اللغة ذاتها يقول أحدهم: لو مات الطاغية لانفرجت ويقول آخر: نحتاج عسكريا نظيفا يحسم الفوضى ويهمس ثالث: لعلها تأتي على يد مستبد عادل وفي زاوية أخرى يستدعى المهدي المنتظر كأن التاريخ تعب من بطئنا فقرر أن يتدخل بنفسه
هذه ليست آراء متفرقة بل خيال سياسي واحد يرتدي أقنعة مختلفة الجامع بينها أنها جميعا تتخيل التغيير كحادثة لا كعملية
نحن لا نتخيل إصلاح الدولة بل سقوطها فجأة ثم قيامها صالحة لا نتخيل بناء العدالة بل ظهور رجل عادل لا نتخيل مؤسسات تحمي الناس بل شخصا طيبا يحميهم
وهنا تبدأ المشكلة المجتمع الذي ينتظر حدثا مزلزلا ليبدأ التاريخ هو مجتمع فقد الثقة في قدرته على التراكم التغيير عنده ليس مسارا يوميا صغيرا بل لحظة درامية اغتيال انقلاب ثورة خاطفة أو ظهور منقذ
ولهذا تبدو الديمقراطية عندنا بلا جاذبية هي بطيئة رمادية مليئة بالمساومات لا تمنح أحدا نصرا كاملا أما الحدث الكبير فمرضي نفسيا ينهي التعقيد بضربة واحدة ويعطي معنى فوريا للغضب
نحن من حيث لا نشعر لا نطلب الحرية بقدر ما نطلب الخلاص
لكن الخلاص فكرة دينية أكثر منها سياسية السياسة بطبيعتها مملة تقوم على تقليل الضرر لا تحقيق الكمال أما انتظار الرجل العادل فهو في حقيقته هروب من سؤال أصعب كيف نعيش مع اختلافنا دون أن نبحث عن من يقهره نيابة عنا
الدكتاتور المستنير مثل المهدي المنتظر حل يريح الضمير لا حاجة لبناء قواعد لا حاجة لاحتمال الخسارة لا حاجة لقبول الخصم يكفي أن يأتي الشخص المناسب
غير أن المشكلة لا تحل بتبديل الأشخاص لأن مصدرها ليس أخلاق الحاكم بل بنية الحكم وحين لا تتغير البنية يعيد التاريخ إنتاج نفسه بوجوه جديدة الديمقراطية المستدامة لا تبدأ بصندوق اقتراع بل بقبول فكرة مزعجة لن ينتصر أحد نهائيا
هي ليست طريقة للوصول إلى الحكم بل طريقة لمنع احتكاره ولهذا تبدو ضعيفة دائما لأنها لا تسمح ببطولة أحد كل بطل فيها مؤقت وكل انتصار قابل للمراجعة وكل سلطة محاطة بالشك
في مجتمعاتنا نريد العكس تماما انتصارا أخيرا يريحنا من القلق
ومن هنا تأتي المفارقة نرفض الاستبداد في الكلام لكننا نبحث عنه في الخيال بشرط أن يكون عادلا
ما لا ننتبه له أن انتظار المنقذ هو نفسه ما يمنع ظهور النظام فالناس الذين يعتقدون أن الحل سيأتي من فوق لا يرون جدوى في البناء من أسفل وعندما تفشل التجارب يزداد الإيمان بالحاجة إلى رجل أقوى لا إلى قواعد أمتن
وهكذا ندور في دائرة مألوفة فشل ثم إحباط ثم طلب مخلص ثم سلطة مركزة ثم فشل جديد وتدور الساقية وهلمجرا
ربما السؤال الحقيقي ليس لماذا تتعثر الديمقراطية بل لماذا نراها دائما مرحلة مؤقتة بين قوتين لا نظاما قائما بذاته
الإجابة المؤلمة أن الديمقراطية تتطلب فضيلة نادرة القدرة على احتمال النقص
لا عدالة كاملة لا زعيم كامل لا انتصار كامل فقط إدارة مستمرة للاختلاف
وحين يعجز المجتمع عن قبول هذه الحقيقة يبحث عن حدث يعفيه منها حدث كبير يعيد ترتيب العالم دفعة واحدة
لكن العالم لا يعمل بهذه الطريقة الحدث يغير السلطة أما العادة فهي التي تبني الدولة
لهذا لا تأتي الديمقراطية حين نكره الطغاة بل حين نخاف من أن نصبح مثلهم إذا امتلكنا القوة
وعندها فقط يتغير السؤال من من يحكمنا إلى كيف لا يستطيع أي شخص أن يحكمنا وحده
ما دون ذلك سيبقى انتظارا طويلا لمخلص جديد
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: الشعب السوداني في انتظار غودو(الحل من خلا� (Re: jini)
|
حين ننتظر الخلاص بدل ان نبنيه
في كل مرة يضيق فيها الافق السياسي تتكرر الكلمات نفسها لو اختفى الحاكم لانفرجت لو جاء ضابط نظيف استقامت الامور لو ظهر رجل عادل حلت العقد واحيانا يستدعى المهدي كأن التاريخ نفسه سيعتذر ويعيد المحاولة
هذه ليست مواقف متفرقة بل خيال واحد خيال يرى التغيير حادثة لا مسارا
نحن لا نتخيل اصلاح الدولة بل سقوطها فجأة ثم قيامها سليمة لا نتخيل قواعد تحمي الناس بل شخصا طيبا يحميهم كأن المشكلة اخلاق افراد لا شكل حكم
ولهذا لا تبدو الديمقراطية جذابة هي بطيئة مليئة بالتنازل لا تمنح احدا نصرا كاملا اما الحدث الكبير فيعطي معنى فوريا للغضب ويختصر الطريق
نحن في الحقيقة لا نطلب الحرية بقدر ما نطلب الخلاص
لكن الخلاص فكرة دينية اكثر منها سياسية السياسة عمل ناقص بطبيعته تقوم على تقليل الضرر لا ازالة الشر وحين نبحث عن رجل عادل فنحن نهرب من سؤال اصعب كيف نعيش مع اختلافنا دون ان يقهر احدنا الاخر
الدكتاتور المستنير مثل المنقذ المنتظر حل يريح الضمير لا حاجة لقواعد ولا لصبر ولا لاحتمال الخسارة يكفي ان يأتي الشخص المناسب
غير ان المشكلة لا تحل بتبديل الاشخاص فاذا بقيت القواعد كما هي اعاد التاريخ نفسه بوجوه جديدة
الديمقراطية لا تعني ان نحكم انفسنا بل ان لا يستطيع احد ان يحكمنا وحده
لهذا تبدو ضعيفة دائما لانها لا تسمح ببطولة احد كل انتصار فيها مؤقت وكل سلطة قابلة للمراجعة وهو امر لا ينسجم مع خيال يبحث عن نهاية حاسمة
ومن هنا ندخل الدائرة المألوفة فشل ثم احباط ثم طلب مخلص ثم سلطة مركزة ثم فشل جديد
المشكلة ليست اننا لا نعرف الحل بل اننا لا نحب شكله حين يكون واقعيا
الدولة لا تبنى بلحظة بل بعادة وما لا يتحول الى عادة يعود دائما الى نقطة البداية
2 في انتظار غودو الى متى
في مسرحية بيكيت ينتظر الرجلان شخصا لا يصل ابدا المهم ليس من هو غودو بل لماذا يستمر الانتظار رغم انه لا يأتي
نحن نفعل الشيء نفسه في السياسة لا ننتظر شخصا بعينه بل ننتظر اللحظة التي تعفينا من انفسنا سقوط مفاجئ انقلاب نظيف قائد حكيم او معجزة تعيد ترتيب الفوضى دفعة واحدة
كل جيل يبدل اسم المنقذ لكن الفكرة ثابتة ان يحدث ما لم نفعله نحن
الانتظار مريح يجعل الفشل مؤقتا لسنا عاجزين فقط لم يصل الوقت بعد وهكذا يصبح الزمن حجة لا مسؤولية
غير ان الزمن في السياسة لا يصلح الاخطاء بل يرسخها ما لا نبنيه اليوم يصبح غدا اصعب تغييرا والناس لا يعيشون فقط داخل الدولة بل يتعلمون التكيف معها
غودو ليس شخصا بل تصورا للتغيير الكامل فان لم يكن كاملا رفضناه نرفض الاصلاح لانه ناقص ونرفض التسوية لانها مؤلمة ونرفض التدرج لانه بطيء ثم نتساءل لماذا لا يتغير شيء
الديمقراطية تحديدا تقوم على ما لا نحبه التصحيح البطيء لا مشهد اخير فيها ولا بطل نهائي مجرد اجراءات صغيرة تتكرر حتى تصبح نظاما
ومن ينتظر لحظة فاصلة لن يحتمل هذا الزمن
الى متى اذن
الى ان يتغير السؤال بدل متى يتغير كل شيء الى ما الذي يمكن تغييره اليوم ولو قليلا
عندها ينتهي الانتظار ليس لان المنقذ وصل بل لان الحاجة اليه اختفت
فالخلاص الوحيد الذي يصل فعلا هو الذي لا يأتي دفعة واحدة
| |

|
|
|
|
|
احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
| |