أميركا وأوروبا: صعود اليمين الشعبوي وأزمة الدولة الحديثة "عالم جديد يتشكل"

أميركا وأوروبا: صعود اليمين الشعبوي وأزمة الدولة الحديثة "عالم جديد يتشكل"


02-01-2026, 07:11 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1769929876&rn=0


Post: #1
Title: أميركا وأوروبا: صعود اليمين الشعبوي وأزمة الدولة الحديثة "عالم جديد يتشكل"
Author: محمد جمال الدين
Date: 02-01-2026, 07:11 AM

07:11 AM February, 01 2026

سودانيز اون لاين
محمد جمال الدين-The Netherlands
مكتبتى
رابط مختصر




أميركا وأوروبا: صعود اليمين الشعبوي وأزمة الدولة الحديثة - قراءة في معنى الأزمة الراهنة وعالم جديد يتشكل!

أطروحة مركزية:

يعبّر صعود اليمين الشعبوي عن صراع تاريخي بين نموذجَي الدولة: دولة الهوية (التي تستمد شرعيتها من الانتماء الفطري المغلق) ودولة المواطنة (التي تقوم شرعيتها على المساواة القانونية والعقد الاجتماعي)، وذلك في سياق عولمة وهجرة تُفككان الجغرافيا التقليدية للانتماء، بما يفتح أفقًا ثالثًا يمكن تسميته بـدولة الإنسانية.
وتتكيئ هذه المقالة على ورقة (دولة المواطنة في مواجهة دولة الهوية)، وهي حصيلة تجميع وتحليل لكتابات الكاتب المنشورة بين عامي 2010–2025.

تمهيد:
تشهد المجتمعات المعاصرة، لا سيما في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، موجات متصاعدة من صعود اليمين الشعبوي والقوميات الجديدة. وغالبًا ما يُفسَّر هذا الصعود على أنه مجرد انعكاس لأزمات اقتصادية أو اجتماعية مؤقتة، أو كتغيرات في المزاج الانتخابي، إلا أن هذه الرؤية الوصفية تبقى ناقصة، لأنها تتجاهل البنية التاريخية العميقة التي تقف وراء هذه الظاهرة.

تنطلق هذه المقالة من فرضية مركزية: أن الصراع السياسي والاجتماعي العالمي الراهن لا يمكن اختزاله في تنافس برامج انتخابية أو صدام أيديولوجيات ظرفية، بل هو تعبير عن صراع تاريخي طويل الأمد بين نماذج متباينة للدولة، والشرعية، والانتماء. ويظهر هذا الصراع في أشكال متعددة، من صعود دولة الهوية الأحادية، إلى مقاومة دولة المواطنة، وصولًا إلى صراع حول المعايير الأخلاقية والسياسية للانتماء والحقوق.

تقترح المقالة نظرية “دولة المواطنة” مقابل “دولة الهوية” كإطار تحليلي لفهم هذه التحولات البنيوية العميقة. فدولة الهوية تمثل نموذج الدولة الذي يستمد شرعيته من الانتماء الفطري أو الموروث – عرقيًا أو دينيًا أو ثقافيًا – وتقوم على استبعاد المختلف وإعادة إنتاج الصراعات الداخلية والخارجية. أما دولة المواطنة، فهي لحظة تاريخية ومعرفية، قوامها الفرد كوحدة سياسية أساسية، والمساواة في الحقوق والواجبات، والفصل بين الانتماءات الثقافية والدينية عن السلطة السياسية، وسعيها لتحييد الدولة عن الصراعات الهوياتية.

لكن العالم المعاصر يفرض تحديات جديدة: العولمة، والهجرة، والتشابك الاقتصادي والثقافي، تجعل مصالح البشر اليومية مترابطة وكونية، في حين تبقى الدول محكومة بمصالح قومية متناقضة أحيانًا. وهذا التناقض يولّد توترات بنيوية في السياسة، والاقتصاد، وأنماط العنف، وصراعات الهوية، ويعيد طرح سؤال الدولة والانتماء على أسس جديدة.


من هذا المنطلق: تُفسر هذه النظرية صعود اليمين في الغرب بوصفه رد فعل دفاعي على تآكل الامتيازات التاريخية ومحاولة لاستعادة مخيال قومي متخيل ومقاومة لمسار تاريخي طويل نحو دولة المواطنة والتعدد. وفي الوقت ذاته، تذهب النظرية خطوة أبعد، بتقديم أفق ثالث محتمل: دولة الإنسانية، التي تعيد مركزية الإنسان وحقوقه كمبدأ ناظم أعلى، وتحوّل التعدد والاختلاف من مصدر تهديد إلى قاعدة لإعادة بناء مواطنة شاملة، مرنة، وعابرة للهويات المغلقة.


بالتالي، تهدف هذه المقالة إلى تقديم قراءة متكاملة لصعود اليمين، ليس كحالة ظرفية أو سياسية عابرة، بل كجزء من انتقال تاريخي أوسع في مفهوم الدولة والانتماء والشرعية، مع إبراز التحديات والفرص التي تطرحها العولمة والهجرة وتعدد المصالح البشرية على نموذج الدولة الحديثة.


“1”
دولة الهوية -الدولة بوصفها مخيالًا مغلقًا:

تمثل دولة الهوية النموذج التاريخي الأول للدولة، وهي الدولة التي تستمد شرعيتها من الانتماء الفطري أو الموروث، سواء كان عرقيًا، أو إثنيًا، أو دينيًا، أو سلاليًا، أو أيديولوجيًا، حيث تُبنى الشرعية السياسية على التمييز بين الجماعات لا على المساواة بين الأفراد.

دولة الهوية تقوم على:
المذهب الواحد المؤسس - مخيال العرق الأعلى - التاريخ الواحد الأعلى - الجماعة الواحدة المهيمنة تتضمن الفرد الواحد المهيمن في الضد من انموذج دولة المواطنة التي تقوم في الأساس على:
الفرد كوحدة انتماء - المساواة القانونية- الشرعية الدستورية - حياد الدولة تجاه الهويات.. وهي دولة الحدود الجغرافية المغلقة في الأساس.


ففي دولة الهوية تكون الجماعة - لا الفرد - وحدة الانتماء والحق، وتتحول الهوية من كونها إطارًا ثقافيًا أو اجتماعيًا إلى أداة سياسية للهيمنة والإقصاء وإنتاج الصراع الإجتماعي وأبعد. لا تكون الدولة هنا عقدًا بين مواطنين متساوين، بل امتدادًا لجماعة متخيلة ترى نفسها الأصل، والأحق في الولاء لها لأنها الأسبق في الوجود الفاعل وتحتكر بالتالي: تعريف الشرعية والانتماء.


دولة الهوية هي دولة الامتياز والأسطورة؛ حيث لا يكون القانون تجريدًا محايدًا، بل أداة لحماية تفوق جماعة هويوية بعينها، وتكريس سردية تاريخية واحدة بوصفها الحقيقة المطلقة. الفرد في هذه الصيغة ليس مواطنًا، بل تابعًا لهوية كبرى تسبقه وتعلوه، وتحدد موقعه وحقوقه وحدود وجوده قبل حتى أن يوجد.

ويمثل هذا النمط الشكل الغالب للدولة في تاريخ الإمبراطوريات الكبرى:

من الإمبراطوريات المصرية والكوشية والرافدية، إلى اليونانية والرومانية والفارسية، مرورًا بمملكة بني إسرائيل في سرديتها التأسيسية، ثم التجربة العربية-الإسلامية في أوجها الإمبراطوري كما في الدولة الأموية ثم العباسية. كما يتجلى بوضوح في التجربة الأوروبية خلال عصور الإمبراطوريات الحديثة، ولا سيما الإمبراطورية البريطانية العظمى وفرنسا النابليونية، حيث شكّلت الهوية القومية أو الحضارية مبررًا للتوسع والسيطرة وفرض التفوق.

ورغم ما حققته دولة الهوية من استقرار نسبي في بعض مراحلها، فإنها حملت في بنيتها الداخلية بذور العنف والانقسام، ما مهّد تاريخيًا لظهور نموذج بديل يسعى إلى تحييد الهوية عن الدولة.

“2”
دولة المواطنة - الدولة بوصفها قطيعة مع الأسطورة

تمثل دولة المواطنة لحظة قطيعة تاريخية ومعرفية مع دولة الهوية. فهي النموذج الحديث والمتقدم للدولة، الذي تشكّل نتيجة تحولات الحداثة السياسية، من الثورات الأوروبية إلى الدساتير الحديثة، وصولًا إلى النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

يتأسس هذا النموذج على مبادئ واضحة:

الفرد هو الوحدة السياسية والقانونية الأساسية.
الحقوق والواجبات متساوية وغير مشروطة بالهوية.
الشرعية تُستمد من الدستور والقانون.
فصل الهويات الثقافية والدينية عن السلطة السياسية.

التعددية والتنوع:
في دولة المواطنة، تُدار التعددية عبر عقد اجتماعي وقانوني يحيد الدولة عن الانتماءات المغلقة، ويحول التنوع من مصدر تهديد لها إلى رصيد وطني. وهي بهذا المعنى نقيض مباشر لدولة الهوية: دولة القانون بدل الأسطورة، والعقد بدل الامتياز التاريخي.

غير أن هذه الدولة، رغم اكتمالها المؤسسي والقانوني في كثير من البلدان، ظلت ناقصة الترسخ ثقافيًا ومخياليًا، الأمر الذي جعلها هشة أمام عودة دولة الهوية في لحظات الخوف، والأزمات الاقتصادية، والاضطرابات الاجتماعية الكبرى.


“3”
العولمة والهجرة – تفكك الجغرافيا القديمة للانتماء

أحدثت العولمة تحولات بنيوية عميقة في مفهوم الانتماء والدولة:

البشر يتحركون عبر القارات بوتيرة غير مسبوقة.
ملايين المهاجرين واللاجئين يرسلون تحويلات مالية إلى أوطانهم.
العائلات والهويات أصبحت عابرة للحدود. الاقتصاد صار كونيًا، بينما السياسة بقيت قومية.
ينتج عن هذا الواقع تناقض مركزي: مصالح البشر اليومية أصبحت عالمية ومتشابكة، بينما بقيت مصالح الدول القومية متناقضة وصفرية.

في هذا السياق: تتحول الهجرة من ظاهرة اقتصادية إلى زلزال هوياتي يهدد دولة الهوية، ويفضح هشاشة خطاب النقاء والانغلاق، ويضع دولة المواطنة أمام اختبار تاريخي صعب.


(4)
صعود اليمين - المقاومة العنيفة لدولة المواطنة

تُفسر نظرية دولة المواطنة مقابل دولة الهوية صعود اليمين بوصفه:

رد فعل دفاعي على تضعضع الامتيازات التاريخية المكتسبة، محاولة لاستعادة مخيال قومي متخيل ومقاومة لمسار تاريخي، ربما لا يمكن إيقافه!.

ويمكن تفسير هذه النقطة للأهمية (صعود اليمين) في ست وقفات أساسية:

– الولايات المتحدة وتجربة ترامب: الاستجابة البنيوية لتحولات دولة المواطنة

لا يمكن مقاربة سياسات الولايات المتحدة خلال فترة دونالد ترامب بوصفها قطيعة تامة مع المسار الأمريكي، ولا اختزالها في سمات شخصية أو أسلوب سياسي خاص، بل من الأجدى قراءتها ضمن سياق بنيوي أوسع تشهده دولة المواطنة في لحظتها التاريخية الراهنة. فهذه السياسات تعبّر، في أحد أبعادها، عن تفاعل الدولة مع تحولات عميقة طالت شروط المواطنة والانتماء في ظل متغيرات عالمية متسارعة، لا تقتصر على الحالة الأمريكية وحدها، بل تمتد إلى معظم الديمقراطيات الحديثة بدرجات متفاوتة.

تكشف تجربة ترامب أن نموذج دولة المواطنة، بصيغته الليبرالية الكلاسيكية، يواجه تحديات متراكمة ناتجة عن تداخل ثلاثة مسارات كبرى:

العولمة الاقتصادية المتسارعة، تكاثف الهجرة العابرة للحدود، بطء تحديث العقد الاجتماعي بما ينسجم مع التحولات الديموغرافية والثقافية الجديدة.

وقد أفرز هذا التداخل حالة من عدم اليقين لدى قطاعات اجتماعية واسعة، شعرت بأن آليات تمثيلها، وحدود المواطنة، وتوازن الحقوق والواجبات لم تعد بالوضوح أو الاستقرار الذي ميّز مراحل سابقة.

في هذا الإطار، يمكن فهم الخطاب والسياسات التي برزت خلال تلك المرحلة – مثل إعادة ضبط سياسات الهجرة، وتعزيز الحدود، وإعادة النقاش حول تعريف الانتماء الوطني، ومراجعة أدوار المؤسسات متعددة الأطراف – بوصفها محاولات لإعادة ترسيم مجال السيادة والمواطنة في ظل شعور متزايد بتآكل القدرة التقليدية للدولة على الضبط والتنظيم. وهي مقاربات لا تنبع بالضرورة من رفض التعددية بوصفها قيمة، بقدر ما تعكس سعيًا إلى استعادة وضوح المعايير التي تنظّم العلاقة بين الدولة والمواطن في سياق عالمي شديد السيولة.

بهذا المعنى، لا تكشف تجربة ترامب عن مسار استثنائي بقدر ما تبرز معادلة أوسع تواجهها الولايات المتحدة، ومعها دول المواطنة عمومًا:

إما تطوير نموذج المواطنة بما يستجيب لتحولات الواقع العالمي وتشابك المصالح البشرية،

أو الاتجاه نحو صيغ أكثر تركيزًا على الهوية الوطنية بوصفها إطارًا تنظيميًا بديلًا في لحظات عدم اليقين الوطني مسدود الأفق.

وتكمن أهمية هذه التجربة لا في كونها حالة فريدة، بل في كونها مؤشرًا على طبيعة الضغوط البنيوية التي تتعرض لها دولة المواطنة حين يتأخر تجديدها المؤسسي والمخيالي. وحين تظهر هذه الضغوط في دولة مركزية مثل الولايات المتحدة، فإن انعكاساتها تتجاوز المجال الداخلي لتطال بنية النظام الدولي ذاته، سواء على مستوى أنماط التعاون، أو إدارة الخلافات، أو تصور الاستقرار العالمي.

وعليه، فإن تجربة الولايات المتحدة في هذه المرحلة تفتح سؤالًا أوسع لا يقتصر على السياق الأمريكي:

كيف تتكيف دولة المواطنة مع عالم تتغير فيه شروط الانتماء والسيادة بوتيرة أسرع من قدرتها التقليدية على التحديث؟
وهو سؤال يمس جوهر الدولة الحديثة ومستقبلها في النظام العالمي المعاصر؟.

– أزمة دولة المواطنة كظاهرة كونية (الإطار البنيوي الجامع)
تُبيّن نظرية دولة المواطنة مقابل دولة الهوية أن ما يُوصَف بصعود اليمين الشعبوي في العالم المعاصر ليس ظاهرة ظرفية أو انحرافًا أيديولوجيًا محدودًا بسياقات وطنية بعينها، بل هو استجابة بنيوية متكررة لأزمة عامة تصيب نموذج دولة المواطنة في مرحلته التاريخية الراهنة.

فدولة المواطنة، كما تبلورت في أعقاب الحداثة السياسية الأوروبية ثم ترسخت بعد الحرب العالمية الثانية، قامت على فرضية ضمنية مفادها أن الدولة القومية قادرة على ضبط حدودها، وتنظيم اقتصادها، وإدارة تنوعها داخل إطار قانوني مستقر. غير أن هذه الفرضية تعرضت لاختلال عميق بفعل العولمة، وتسارع الهجرة، وتشابك المصالح الإنسانية العابرة للحدود، مقابل بطء تحديث الأدوات السياسية والمؤسسية للدولة.

في هذا السياق: لا تنشأ الأزمة من وجود “الآخر”، بل من عجز دولة المواطنة عن إعادة تعريف ذاتها بما يستجيب لواقع جديد تتغير فيه أنماط الانتماء، والعمل، والعيش المشترك. وحين تتأخر هذه الاستجابة، تظهر دولة الهوية لا بوصفها بديلًا تقدميًا، بل كآلية دفاعية جاهزة، تستدعي المخيال والأسطورة لإنتاج شعور سريع بالتماسك والأمان.


بهذا المعنى، فإن اليمين الشعبوي لا يصنع الأزمة، بل يكشفها ويستثمرها، محولًا قلقًا مشروعًا بشأن اختلال شروط المواطنة إلى خطاب وجودي إقصائي.

– أوروبا: تحولات المواطنة بين الدولة القومية والإطار فوق-الوطني
في السياق الأوروبي، تتخذ أزمة دولة المواطنة طابعًا مركّبًا نابعًا من تداخل مستويين من الانتماء لم يُحسما بعد على نحو متكامل:

الدولة القومية من جهة، والاتحاد الأوروبي بوصفه كيانًا فوق-وطنيًا من جهة أخرى.

فقد تمكن الاتحاد الأوروبي من بناء منظومات اقتصادية وقانونية مشتركة، شملت السوق الموحدة، والعملة المشتركة، وأطرًا تشريعية عابرة للحدود، غير أن هذا التقدم المؤسسي لم يواكبه، بالقدر نفسه، تشكّل مخيال مواطني جامع قادر على إعادة تعريف الانتماء السياسي على المستوى الأوروبي في شموله.

ظل المواطن الأوروبي، في هذا السياق، يتحرك بين مستويين من الشرعية:

قانون أوروبي فوق-وطني ينظم جوانب متزايدة من حياته اليومية،

وهوية وطنية تاريخية لا تزال تشكّل المرجع الرمزي الأساسي للانتماء والتمثيل السياسي.

وقد أسهم غياب عقد اجتماعي واضح يربط بين هذين المستويين في توليد حالة من الالتباس حول حدود المواطنة، وتوزيع المسؤوليات، ومعنى التضامن داخل الفضاء الأوروبي.

مع تصاعد الهجرة، وتكرار الأزمات الاقتصادية، ثم جائحة كوفيد، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، برزت هذه الإشكالية البنيوية بوضوح أكبر. في هذا السياق، لا تتحول الهجرة إلى إشكال قائم بذاته، بل إلى عامل كاشف لأسئلة أعمق تتعلق بتعريف المواطن، ونطاق دولة الرفاه، وحدود الالتزام التضامني داخل الجماعة السياسية. وهي أسئلة لم تُحسم بعد على المستوى الأوروبي الجامع.

ضمن هذا الفراغ البنيوي، برزت قوى سياسية أعادت استدعاء الدولة القومية بوصفها إطارًا أكثر وضوحًا وقدرة على إنتاج الطمأنينة السياسية والاجتماعية. ولا يمكن فهم هذا المسار بوصفه رفضًا مباشرًا للتعددية بحد ذاتها، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تثبيت مرجعية الانتماء في ظل شعور متزايد بعدم اليقين حيال مستقبل الدولة فوق-الوطنية.

بهذا المعنى، يصبح صعود اليمين في أوروبا تعبيرًا عن أزمة مواطنة غير مكتملة الصياغة، أكثر منه ظاهرة أيديولوجية معزولة أو موقفًا ثقافيًا صداميًا. وهي أزمة تتقاطع، في جوهرها البنيوي، مع تحولات مشابهة تشهدها مناطق أخرى من العالم، وإن اختلفت السياقات التاريخية والمؤسسية.

– الخليج العربي + بعض دول آسيا وأفريقيا!

وفي هذا السياق المقارن، يمكن ملاحظة أن التوترات المرتبطة بإعادة تعريف الانتماء والمواطنة ليست حصرًا على التجربة الأوروبية أو الغربية، بل تظهر بأشكال مختلفة في مناطق أخرى، من بينها دول الخليج العربي، وكذلك بلدان في الشرق الأوسط، وأفريقيا، وآسيا. غير أن هذه التحولات لا تنبع من المسارات التاريخية نفسها، ولا تُنتج النتائج ذاتها، نظرًا لاختلاف أنماط تشكل الدولة، وطبيعة العقد الاجتماعي، وأدوار الدولة الريعية، وعلاقاتها بالهجرة والعمل والهوية.

في الحالة الخليجية، على سبيل المثال، تبرز أسئلة المواطنة والانتماء ضمن سياق مغاير، حيث تشكل الدولة إطارًا مركزيًا لإدارة الموارد، والحماية الاجتماعية، وتنظيم العلاقة بين السكان المواطنين والوافدين. ومع تسارع العولمة، وتكثّف الحراك السكاني، وتحوّل الاقتصادات الخليجية، تطرح هذه السياقات تحديات جديدة تتصل بإعادة تنظيم العلاقة بين الهوية الوطنية ومتطلبات الانفتاح الاقتصادي واستدامة العقد الاجتماعي القائم.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة التحولات الخليجية أو الأوروبية ضمن منطق المقارنة المعيارية أو الأحكام المسبقة، بل ضمن إطار بنيوي واحد يبرز تنوّع استجابات الدول لأزمة عالمية أوسع تمس نماذج الدولة والانتماء في عصر التشابك الإنساني المتزايد. وهو ما يعزز الفرضية القائلة إن أزمة دولة المواطنة، بصيغها المختلفة، تشكّل ظاهرة كونية متعددة المسارات، لا مسارًا واحدًا متجانسًا.

أستراليا: مفارقة دولة المهاجرين وأزمة الطمأنينة المواطنية

تقدم أستراليا نموذجًا مكثفًا للمفارقة البنيوية نفسها، ولكن في سياق مختلف. فهي دولة تأسست تاريخيًا على الهجرة، وحققت ازدهارها الاقتصادي والاجتماعي عبر دمج موجات متتالية من الوافدين. ومع ذلك، تواجه اليوم تصاعدًا ملحوظًا في الخطابات القلقة من الهجرة والهوية.

هذا التوتر لا يعكس تناقضًا أخلاقيًا، بل يكشف حدود النموذج الكلاسيكي لدولة المواطنة حين لا يُحدَّث مخياليًا ومؤسسيًا بالقدر الكافي. فالمجتمع الأسترالي، رغم اعتماده البنيوي على الهجرة، يواجه قلقًا متزايدًا بشأن سرعة التحول الديموغرافي، والقدرة على إنتاج سردية مواطنية جامعة تضمن الطمأنينة للأغلبية دون إقصاء للأقليات.

وكما في أمريكا وأوروبا، لا تنبع الأزمة من التعدد ذاته، بل من بُطء إعادة تعريف شروط المواطنة، ومن الفجوة بين الواقع المتغير والأدوات السياسية والثقافية القائمة. وفي هذه الفجوة، يعود خطاب الهوية ليملأ الفراغ، بوصفه إجابة عاطفية سريعة على أسئلة معقدة.

– أزمة اللاجئين السودانيين في مصر هذه الأيام بسبب الحرب 2026 .. وأفق دولة المواطنة

رغم الروابط التاريخية والديموغرافية والحدودية الوثيقة بين مصر والسودان، تكشف أزمة اللاجئين والنازحين السودانيين عن تحديات قوانين وأعراف دولة المواطنة في مصر والسودان معًا.
الإطار الكلي
الروابط الطبيعية: حدود مشتركة طويلة، تاريخ ثقافي مشترك، وتشابه ديموغرافي يجعل استقبال السودانيين امتدادًا منطقيًا للعلاقة بين البلدين.

الواقع الراهن: أعداد هائلة (ربما مليون شخص في القاهرة وحدها) تضغط على الموارد، مع حملات أمنية وإجراءات بيروقراطية تحول الضيافة التاريخية إلى صراع يومي.
أفق دولة المواطنة
مصر، كدولة مواطنة، ربما تواجه تناقضًا جوهريًا: التزامها التاريخي بالتضامن الإنساني يصطدم بحدود قدراتها الاقتصادية والأمنية، في إطار دولة مواطنيها.
هذه الصورة تتكرر تاريخيًا في السودان نفسه مع سكان دول الجوار (إثيوبيا، جنوب السودان، تشاد، ومصر ذاتها .. أمثلة لا حصرية) عند الأزمات الكبرى في لحظات تاريخية مختلفة سابقة وحاضرة، مما يؤكد حاجة المنطقة إلى انموذج إقليمي جديد لدولة المواطنة وفهم جديد مشترك وربما مخيال أقليمي جديد.

(5)

وحدة المسار: من الحالات الوطنية إلى الأزمة الكونية
تُظهر الحالات الأمريكية والأوروبية والأسترالية أن المسار واحد، وإن اختلفت السياقات:

تهديدات حقيقية مرتبطة بالعولمة والهجرة،

قصور مؤسسي ومخيالي في تحديث دولة المواطنة،

استثمار سياسي شعبوي يستدعي دولة الهوية بوصفها حلًا بديلًا.

وعليه، فإن صعود اليمين ليس انقلابًا على مسار التاريخ، بل عرضًا لمرحلة انتقالية لم تُحسم بعد، تقف فيها البشرية بين نموذج لم يكتمل، وآخر لم يولد.

إن الفشل في إدراك الطابع البنوي لهذه الأزمة يحوّلها إلى صراع صفري، بينما فهمها بوصفها أزمة انتقال تاريخي يفتح الباب أمام تطوير دولة المواطنة، لا دفنها، وتمهيد الطريق نحو أفق أوسع يمكن تسميته بدولة الإنسانية.

(6)
العنف والإرهاب: التواطؤ البنوي بين تجليات دولة الهوية

في إطار نظرية دولة المواطنة مقابل دولة الهوية، لا يُقارب العنف المعاصر - بما في ذلك الإرهاب ذي المرجعية الدينية وصعود الحركات القومية المتطرفة - بوصفه ظواهر منفصلة أو متقابلة على نحو أخلاقي فحسب، بل يُقرأ باعتباره تجلّيين متوازيين لبنية واحدة تعود إلى الواجهة حين تدخل دولة المواطنة طورًا من الإجهاد أو التعثر التاريخي.

ينبع كلا النمطين من منطق بنوي مشترك يقوم على:

إعادة تأسيس الشرعية السياسية على أساس الهوية،
واستبدال العقد الاجتماعي الجامع بمخيال إقصائي يُعيد تنظيم المجال السياسي حول ثنائية : نحن وهم!.

ففي أحد تجلياته، تُوظف المرجعيات الدينية بوصفها هوية سياسية مغلقة، وفي تجليٍ آخر تُستدعى القومية أو العرق أو الثقافة بالطريقة نفسها. وفي الحالتين، يتحول العنف إلى أداة لإعادة ترسيم حدود الانتماء خارج إطار القانون والمؤسسات.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين يُنظر إلى هذين الشكلين من التطرف لا بوصفهما متواجهين فحسب، بل بوصفهما متغذّيين بنويًا على بعضهما البعض. فكل ممارسة عنيفة تُرتكب باسم هوية ما تُسهم في تعزيز الخطاب الهويّي المقابل، وتكثيف مناخ الخوف، وتقويض الثقة في دولة المواطنة بوصفها إطارًا قادرًا على التنظيم والحماية. وبهذا، تتشكّل حلقة بنوية مغلقة:

عنف يولّد خوفًا، والخوف يستدعي هوية، والهوية تُستخدم لتبرير عنف جديد (معنوي أو/و مادي).

بهذا المعنى، لا يقتصر أثر الإرهاب أو التطرف القومي على كونهما تحديين أمنيين، بل يشكلان عائقًا تاريخيًا أمام الانتقال نحو أفق أوسع لتنظيم العيش المشترك. فهما يُبقيان المجتمعات أسيرة منطق الاصطفاف والهويات الصدامية، ويحدّان من القدرة على تطوير دولة المواطنة وتجديد عقدها الاجتماعي على أسس أكثر شمولًا ومرونة.

وعليه، فإن كسر هذه الحلقة لا يمكن أن يتحقق عبر المقاربات الأمنية وحدها، بل يقتضي معالجة الجذر البنوي للأزمة، من خلال إعادة بناء دولة المواطنة بوصفها إطارًا قادرًا على استيعاب التعدد، وتنظيم الحقوق والواجبات، وتقليص منسوب الخوف الذي تستند إليه تجليات دولة الهوية بأشكالها المختلفة.

(7)
نحو أفق دولة الإنسانية: من مأزق الدولة إلى أفق الإنسان

تقترح نظرية دولة المواطنة مقابل دولة الهوية أن البشرية، رغم موجات الارتداد المتكررة وصعود دولة الهوية في لحظات الأزمات، تتحرك، على المدى التاريخي الطويل، نحو أفق جديد يمكن تسميته بـدولة الإنسانية.

ولا يُفهم هذا الأفق بوصفه قطيعة فجائية مع الدولة الحديثة، ولا باعتباره حلمًا أخلاقيًا مجردًا، بل كمسار تاريخي بطيء يتشكّل تحت ضغط الوقائع المادية والمعنوية التي أفرزها العالم المعاصر.

ففي عالم تتشابك فيه مصالح البشر على نحو غير مسبوق - اقتصاديًا، وبيئيًا، وصحيًا، وثقافيًا، وعائليًا - لم تعد الدولة القومية، بصيغتها الهوياتية الصلبة، قادرة على احتكار تعريف الانتماء أو إدارة المصير الإنساني. إذ تكشف الأزمات الكبرى المعاصرة، من تغيّر المناخ، إلى الأوبئة العابرة للحدود، إلى سلاسل الإنتاج العالمية، والهجرات الجماعية، أن مصائر البشر باتت مترابطة إلى درجة تجعل الحلول القومية الصرفة قاصرة بنيويًا عن الاستجابة لهذه التحديات.

في هذا السياق، تتقدّم قيمة الإنسان بوصفها المبدأ الناظم الأعلى، لا باعتبارها بديلًا عن الدولة، بل معيارًا لإعادة ترتيب علاقتها بالمجتمع وبالعالم. فدولة الإنسانية لا تعيد تعريف الشرعية انطلاقًا من الهوية أو السيادة المطلقة، بل من قدرة الدولة على حماية الكرامة الإنسانية، وضمان الحقوق الأساسية، والوفاء بالواجبات المتبادلة داخل حدودها وخارجها.

وتستلزم دولة الإنسانية إعادة صياغة مفهوم المواطنة ذاته. فالمواطنة، في هذا الأفق، لم تعد رابطة مغلقة محصورة بالجغرافيا أو الدم أو التاريخ، بل تصبح رابطة قانونية وأخلاقية مرنة، تتسع للاعتراف بتعدد الانتماءات، وبحقوق الإنسان بوصفها سابقة على الدولة لا ممنوحة منها. إنها مواطنة قابلة للتدرّج والتداخل والتوسّع، دون أن تفقد بعدها القانوني أو مسؤولياتها الاجتماعية.

ولا تعني دولة الإنسانية إلغاء الدول أو تفكيكها، بل تحجيم سلطتها الهوياتية، وكبح نزعتها الإقصائية، وإخضاعها لمنطق أوسع يقوم على الحقوق الكونية، والواجبات المشتركة، والتعاون الدولي. فالدولة، في هذا الإطار، لا تُلغى، بل يُعاد تعريف وظيفتها: من حارس لهوية متخيّلة إلى ضامن لكرامة الإنسان.

غير أن هذا الأفق يواجه مقاومة عنيفة من دولة الهوية، التي ترى في كل توسّع إنساني تهديدًا لامتيازاتها الرمزية والمادية. ومن ثم، فإن الانتقال نحو دولة الإنسانية لا يمثّل مسارًا خطيًا أو مضمونًا، بل صراعًا تاريخيًا مفتوحًا بين منطق الانغلاق ومنطق الاعتراف، بين الخوف والتضامن، وبين الامتياز والمساواة.

ومع ذلك، فإن التناقض البنيوي بين عالم تتشابك فيه مصالح البشر، ودول تصرّ على إدارة هذا العالم بمنطق الهوية والسيادة الصلبة، يجعل من أفق دولة الإنسانية ضرورة تاريخية أكثر منه خيارًا أخلاقيًا. فإما أن تُحدَّث الدولة الحديثة لتنسجم مع واقع إنساني كوني، أو أن تستمر الأزمات في إعادة إنتاج العنف، والارتداد، والانقسام.

وبهذا المعنى، لا تمثل دولة الإنسانية نهاية التاريخ، بل بداية طور جديد منه، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الإنسان، والدولة، والعالم، على أساس بسيط في ظاهره وجذري في أثره: أن كرامة الإنسان هي القيمة العليا التي لا تعلو عليها هوية، ولا سيادة، ولا أسطورة.

(8)
خاتمة: الانتقال التاريخي غير المحسوم وأفق الإنسان

تخلص هذه الورقة إلى أن الصراع بين دولة الهوية ودولة المواطنة لا يمكن فهمه بوصفه ظاهرة سياسية عابرة أو موجة أيديولوجية ظرفية، بل ينبغي إدراكه كتعبير عن انتقال تاريخي عميق لم يُحسم بعد في بنية الدولة الحديثة. فهذا الصراع هو نتيجة مباشرة لتآكل نموذج قديم للشرعية والانتماء، في مقابل تعثّر اكتمال نموذج أحدث لم يترسّخ بعد، لا مخياليًا ولا مؤسسيًا، بالقدر الكافي.

وعلى هذا الأساس، لا يمثل صعود اليمين الشعبوي والقوميات الجديدة انتصارًا نهائيًا أو عودة مكتملة لدولة الهوية، بل يعكس مقاومة بنيوية لمسار تاريخي مستمر، تسعى من خلاله قوى مختلفة إلى تأجيل انتقاله أو إعادة توجيهه لصالح التصورات القديمة. فدولة الهوية، رغم قدرتها على التعبئة السريعة عبر الخوف والمخيال الشعبي والأسطورة، تظل عاجزة عن تقديم حلول مستدامة لعالم تتشابك فيه المصالح الإنسانية وتتعقّد فيه أنماط العيش المشترك.

في المقابل، تكشف أزمة دولة المواطنة عن حدود النموذج الليبرالي الكلاسيكي حين لا يُحدَّث بما يستجيب للتحولات البنيوية التي أفرزتها العولمة، والهجرة، والتشابك الاقتصادي والثقافي. غير أن هذا الإخفاق لا يعني فشل فكرة المواطنة ذاتها، بل يؤكد الحاجة إلى إعادة صياغتها على أسس أكثر مرونة وشمولًا، قادرة على استيعاب التعدد دون الانزلاق إلى الإنكار أو الإقصاء.

ومن هنا، يبرز أفق دولة الإنسانية لا بوصفه بديلًا طوباويًا عن الدولة، ولا مشروعًا لإلغاء الهويات أو الثقافات، بل كإطار تاريخي أوسع يُعاد ضمنه ترتيب علاقة الدولة بالإنسان. فدولة الإنسانية لا تنفي وجود الدول ولا تلغي خصوصياتها الثقافية، بل تحجّم نزعتها الهوياتية، وتخضع شرعيتها لمنطق أعلى يقوم على كرامة الإنسان بوصفها قيمة كونية سابقة على كل انتماء، وأعلى من كل سيادة متخيّلة.

ويقدم هذا الأفق إمكانية نظرية وعملية للتوفيق بين عالم تتشابك فيه مصالح البشر على نحو متسارع، ودول لا تزال محكومة بمنطق الصراع الصفري على الهوية والمصالح. بدل أن يكون التعدد مصدر تهديد، يصبح شرطًا لإعادة بناء المواطنة؛ وبدل أن تُستدعى الهوية كأداة للإقصاء، يتم تعريفها كبعد ثقافي غير سياسي، متعايشًا داخل إطار حقوقي جامع = صيغة للعيش السلمي المشترك = دستور يعيش في الواقع والمخيال.

وبهذا المعنى، تمثّل هذه الورقة الصياغة التأسيسية الكاملة لنظرية دولة المواطنة مقابل دولة الهوية، بوصفها إطارًا تحليليًا مفتوحًا لفهم تحولات الدولة الحديثة، وجدلية صعود اليمين، وإمكانات الانتقال نحو أفق إنساني أوسع. وهي، في الوقت ذاته، وثيقة فكرية مفتوحة للتطوير والتكميل، قابلة للاختبار والتعديل في سياقات تاريخية وجغرافية مختلفة، ما دامت مبادئها الحاكمة محفوظة: مركزية الإنسان، وأولوية الكرامة، وضرورة تجاوز منطق الهوية المغلقة نحو مواطنة إنسانية أكثر عدلًا واتساعًا.

وعبر هذا المنظور، يمكن قراءة تطور الدولة الحديثة بوصفه سلسلة من القفزات التاريخية التي أعقبت الأزمات الكبرى أكثر مما هو مسارًا خطيًا سلسًا. فقد أفضت حرب الثلاثين عامًا في أوروبا الغربية (1618–1648) وما رافقها من إنهاك ديني–سياسي إلى تبلور بذرة العلمانية وفكرة تحييد الدولة عن الصراعات المذهبية. ثم جاءت الثورة الفرنسية لتؤسس، على نحو أكثر وعيًا، لنموذج دولة المواطنة والعقد الاجتماعي. وبعد الحربين العالميتين، ولا سيما الثانية، جرى توطيد هذا النموذج عبر منظومة حقوق الإنسان، والقانون الدولي، والمؤسسات متعددة الأطراف.

واليوم، ربما: تشير سلسلة الأزمات العالمية المتراكمة - من تغير المناخ، والأوبئة، إلى الأزمات المالية، والهجرات الجماعية، والحروب بالوكالة - إلى أن نموذج دولة المواطنة بصيغته القومية الكلاسيكية يقترب من حدود قدرته التاريخية، بما يفرض تخلّق شكل جديد للدولة: إما الارتداد إلى دولة الهوية بوصفها ملاذًا دفاعيًا إرتكاسياً، أو التقدم نحو أفق دولة الإنسانية بوصفها محاولة لإعادة تنظيم العالم حول مركزية الإنسان وكونية المصير المشترك. واليوم، تشير سلسلة الأزمات العالمية المتراكمة – من تغيّر المناخ، والأوبئة، إلى الأزمات المالية، والهجرات الجماعية، والحروب بالوكالة – إلى أن نموذج دولة المواطنة بصيغته القومية الكلاسيكية يقترب من حدود قدرته التاريخية، بما يفرض تخلّق شكل جديد للدولة: إما الارتداد إلى دولة الهوية بوصفها ملاذًا دفاعيًا إرتكاسياً، أو التقدم نحو أفق دولة الإنسانية بوصفها محاولة لإعادة تنظيم العالم حول مركزية الإنسان وكونية المصير المشترك.

هذا الانتقال لا يعني تفكيك الدولة الحديثة، بل تحديثها من داخلها، عبر تحويل معايير الشرعية من الامتياز والاستبعاد إلى الشمول والانتماء المفتوح، ومن السيادة المطلقة إلى مسؤولية مشتركة تُقاس باحترام الكرامة وحقوق الإنسان. فدولة الإنسانية ليست نفيًا للدولة، بل تحوّلها من قوة مرتبطة بالهوية والانتماء الفطري إلى وسيلة لحماية الإنسان وضمان حقوقه بغضّ النّظر عن جغرافيته، أو دينه، أو عرقه، أو ثقافته.

الانفتاح على هذا الأفق يقتضي تجديدًا جذريًا في البنية السياسية، وتحويل المواطنة من رابطة مغلقة تنتمي إلى أرض ودم إلى مبادئ عامة وحقوق متبادَلة. ويتطلب ذلك إعادة بناء الدولة من حيث نسقها، ومؤسساتِها، وسياساتها، ليكون منطقُ الإنسانية، لا منطق الهوية، هو المعيارَ الأعلى للإدماج، والتمثيل، والعدالة.

إذاً، فإن الصراع القائم بين دولة الهوية ودولة المواطنة، وتطوره نحو دولة الإنسانية، ليس صراعًا بين أيديولوجيات متنافسة فحسب، بل صراعًا حول معنى الدولة نفسها، وعلاقتها بالإنسان، ودورها في عالم مترابط كونيًا. ففي نهابة هذا الصراع التاريخي، تُرسم إمكانية نظام عالمي جديد، لا يُبنى على الانقسام، والاستبعاد، والخوف، بل على التضامن، والاعتراف، ومشاركة المصير الإنساني.

م. جمال