سودانير والنظام الموازي- كيف يحوِّل الفساد الممنهج الدولة إلى غنيمة؟

سودانير والنظام الموازي- كيف يحوِّل الفساد الممنهج الدولة إلى غنيمة؟


01-19-2026, 09:35 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1768858548&rn=0


Post: #1
Title: سودانير والنظام الموازي- كيف يحوِّل الفساد الممنهج الدولة إلى غنيمة؟
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 01-19-2026, 09:35 PM

09:35 PM January, 19 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر





لم يعد الفساد في السودان ظاهرةً عابرةً أو خللاً إدارياً يمكن معالجته، بل تحوَّل إلى نظام حكم موازٍ، يعمل بمنطق الافتراس المنظم تحت غطاء الظروف الاستثنائية. الحرب هنا لا تُستغل كخلفية فحسب
بل كأداة استراتيجية لإكمال عملية تفكيك مؤسسات الدولة وتصفية أصولها، في عملية تحويل نهائية للصالح العام إلى ملكية خاصة لفئة ضيقة.
قضية الخطوط الجوية السودانية (سودانير) تمثل نموذجاً صارخاً لهذه الآلية. فالناقل الوطني التاريخي، الذي كان رافداً للسيادة والاقتصاد، يُخنق عمداً عبر شبكة معقدة من القرارات الإدارية المُوجَّهة وصفقات التأجير المشبوهة وتضارب المصالح الصارخ.
آليات التصفية الممنهجة:
التأجير المشبوه: تحويل الطائرة العاملة الوحيدة (إيرباص A320) إلى أصول راكدة عبر اتفاقيات تأجير غير شفافة في جدة والقاهرة، بسعر زهيد (2500 دولار/ساعة) لشركات ذات علاقات خاصة، مع تعطيل أي فرصة حقيقية لاستعادتها للخدمة.
تضارب المصالح المؤسسي: قرار وزارة المالية بنقل ملف تأمين الطائرة من شركة التأمين الحكومية (شيكان) إلى شركة خاصة (الشرق الأوسط للتأمين) يترأس مجلس إدارتها السيد أبوشعيرة، الذي يمتلك في الوقت ذاته حصصاً رئيسية
في شركتي طيران منافستين (بدر وتاركو). هنا يتحول المنظم إلى منافس، وتتحول آلية الحماية (التأمين) إلى أداة خنق مالي.
التسعير التمييزي: فرض رسوم تأمين باهظة على سودانير (150 ألف دولار للسفرية) مقارنة بمنافسيها (70 ألف دولار لليوم الواحد)، وهو إجراء لا مبرر له تقنياً، ويُعدّ شكلاً من الإقصاء الاقتصادي المُتعمَّد
الحجب المعلوماتي والترهيل الإداري: إحاطة كامل الملف بالغموض، وتعطيل أي مبادرات داخلية من كوادر الشركة الفنية لإعادة التشغيل، مما يؤشر إلى أن القرار السياسي الأعلى هو منع عودة سودانير، وليس تسهيلها.
الشبكة والغطاء:
تعمل هذه الآليات تحت حماية بيئة انعدام المساءلة، حيث غياب البرلمان وتعطيل أجهزة الرقابة وإخضاع الإعلام. تتحرك شبكات المصالح (التي تكرر أسماء مثل جبريل، أبوسن، أبوشعيرة) بحرية في الفراغ المؤسسي، محوِّلة وزارات الدولة
إلى أدوات لتنفيذ أجندة اقتصادية خاصة.
الدلالة السياسية الأوسع:
ما يحدث لسودانير هو جزء من خريطة طريق لتفكيك الدولة:
تحويل الأصول الوطنية إلى شركات خاصة تحت سيطرة النخب الحاكمة.

استخدام "الخصخصة تحت وطأة الحرب" كذريعة لشرعنة النهب.
تحويل المؤسسات من أدوات خدمة عامة إلى أدوات إقصاء ومنافسة غير شريفة.
تدمير رموز السيادة الوطنية لفرض واقع اقتصادي جديد يكرس الهيمنة.
قضية سودانير ليست مجرد "إهمال" أو "سوء إدارة"، بل هي قضية فساد هيكلي تختبر فيها الدولة السودانية. الفساد لم يعد سارقاً يتسلل ليلاً، بل أصبح مهندساً يهدم جدران الدولة في وضح النهار.
السكوت على هذه الجريمة يعني القبول النهائي بتحول السودان من دولة مؤسسات إلى دولة عصابات اقتصادية، حيث الحرب ساحة ليس للقتال فحسب، بل للاحتكار والهيمنة على ما تبقى من ثروة البلاد
إن إنقاذ سودانير أصبح معركة رمزية لمستقبل فكرة الدولة نفسها في السودان.