🌹✍️ سيرة مدينة

🌹✍️ سيرة مدينة


01-18-2026, 03:30 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1768750210&rn=0


Post: #1
Title: 🌹✍️ سيرة مدينة
Author: محمد عبد الله الحسين
Date: 01-18-2026, 03:30 PM

03:30 PM January, 18 2026

سودانيز اون لاين
محمد عبد الله الحسين-
مكتبتى
رابط مختصر



سيرة المدينة: في كتاب "مرايا ساحلية"
للكاتب السوداني امير تاج السر

Post: #2
Title: Re: 🌹✍️ سيرة مدينة
Author: محمد عبد الله الحسين
Date: 01-18-2026, 03:41 PM
Parent: #1

سيرة مبكرة للكاتب وأيضا سيرة للمدينة الساحلية..

Post: #3
Title: Re: 🌹✍️ سيرة مدينة
Author: محمد عبد الله الحسين
Date: 01-18-2026, 03:46 PM
Parent: #2

سيرة المدينة: في كتاب "مرايا ساحلية " ‏
لأمير تاج السر
‏"محمد عبد الله الحسين"‏
مقدمة:‏
هذه قراءة للمدينة من خلال كتاب الروائي والكاتب أمير تاج السر، الصادر من دار ‏العين بالقاهرة في ‏عام2011 بعنوان: "مرايا ساحلية: سيرة مبكِّرة". كتاب "مرايا ساحلية" عبارة عن ذكريات المؤلف خلال ‏فترة سنواته المبكِّرة في ساحل البحر الأحمر في منطقة شرق السودان.‏
دائما ما تكون السيرة الذاتية تعبّر بشكل أو بآخر عن التأثير ‏الميتافيزيقي ‏والعاطفي والنفسي للزمن ‏وللمكان والشخوص في النفس. فهي بالتالي نوستالجيا لزمنٍ جميل أو لمكان أثير أو ذكريات لأشخاص ‏تواروا وتفاصيل ترسخت بعمق في نفس الكاتب السيرة. وتكون السيرة أيضا بكائية لزمن مضى وأيام ‏تسربت من الأيادي في غفلة من الزمان. وتجيء كتابة السيرة دائما كالتزام يحمله الكاتب تجاه أمكنة ‏وأشخاص احتلوا مكانا أثيرا في الذاكرة وفي الوجدان. وهي بذلك عبارة عن وعي وشجن وجودي ورؤية ‏فلسفية تجاه سطوة الزمن، ومحاولة استبقائه كنزوع بشري فطري وقديم نحو الخلود السرمدي. بالتالي ‏تبدو كتابة السيرة كأنها ضد منطق الوجود، بابتداع خط معاكس لسيرورة الزمن الفيزيقي. ودائما يقف ‏الزمن كصخرة عصية أمام الشعراء فلم يكن الزمن بعيدا عن أمل دنقل في قصائد "أوراق الغرفة 8"، ‏حيث ‏ يصف اللون الأسود كأنه "تميمة ضد الزمن" :( لأنَّ السوادْ..هو لونُ النجاة من الموتِ، لونُ ‏التميمةِ ضدّ الزمنْ, وكذلك مخاطبة صلاح عبد الصبور لحبيبته التي لم تكبر "كأنما كبرتِ خارج ‏الزمان". لذلك ليس غريبا ان تجيء كتابات السيرة تفيض بأحاسيسَ ومشاعر ملؤها الحنين، والشجن ‏و‏النزوع العاطفي للماضي أي ضد الزمن. ‏
كتاب مرايا ساحلية:‏
عندما تتصفح كتاب مرايا ساحلية يقفز إلى السطح وصف "شعرية أو جمالية المكان" لجاستون باشلار ‏وهو يصف الأثر السحري لذكريات الماضي من أمكنة وأشخاص في الذاكرة والخاطر وما تبعثه في ‏النفس من شجن مضمغ بالنوستالجيا.‏
يستبطن عنوان الكتاب إشارات ودلالات ذات معنى. فكلمة (مرايا) ‏الواردة في الجزء الأول من ‏العنوان ‏تحمل معنى الانعكاس (انعكاس الملامح مثلاً)، حيث ‏تتضمن معنى التأثير المتبادل بين الأصل ‏والصورة، أو بين المكان/الزمان والإنسان. بالإضافة لما تقدم يستبطن العنوان ‏ إشارات دلالية ‏تحمل ‏معاني الانتماء والنزوع والهوية.‏‎‏ ‏
بالتالي لا تخرج هذه السيرة عن مفهوم الزمن والماضي وارتباطهما بالحزن والفرح، حيث يقول الكاتب ‏‎في ‏بداية السيرة: ( ‏‎كثير هو ‏الفرح، كثير هو الحزن، أخوان عدوان يسكنان حياة ‏واحدة… يتناوبان دفء ‏المشاعر). كما يوضح بعضاً من دوافعه لكتابة ‏الكتاب وهي ( ‏لكي يحرر ذكرياته معهم من حبل معقود ‏بشدة). فالسيرة إذن بالنسبة له عبء والتزام. ‏‎‏ ‏
يقوم كاتب السيرة هنا بدور الراوي وهو بالتالي الشاهد الوحيد على تفاصيل ما يحكيه. وهنا يعطي وجود ‏الصوت الوحيد‏‏ للسارد دليلا يعطي الوصف المُقدَّم مصداقيته، وأيضا يُشرِك القارئ فيما يصفه ويجعل ‏منه شاهدا آخر. تميزت لغة السرد وصف الأمكنة والشخوص بالعبارات الشعرية بالغة التكثيف ‏والاحتشاد العاطفي المعبِّر عن الحنين وروح الانتماء. بشكل عام لم يكن أسلوب السيرة وفق التسلسل ‏الزمني المتعارف عليه في السرد بل جاء في صورة مقاطع حكائية مستقلة، ‏كأنك تتصفح البوماً من ‏الصور. ‏
‏ المدينة:‏
احتل وصف المدينة والأمكنة حيزا كبيرا من السيرة لا يقل عن وصف الشخوص، بل هما مرتبطان ‏سواء بسواء. لم تفلت من ذاكرة الكاتب الراصدة أوصاف ‏البيوت والأحياء والشوارع. فقد احتشدت ‏السيرة ‏بوصف دقيق و للمدينة يشمل: المساكن، و‏السكان، والشوارع، والساحات ..إلخ. كما نراه يصف ‏الأماكن والشوارع بشكل ‏يكاد يجعلها ‏كائن حي له ملامح وأدوار وأحباء ومريدين. ‏‎‏ ‏
تتضمن السيرة وصفا لتجوِّلٍ متأنٍ في أنحاء المدينة ومعالمها. حيث تتضمن الجولة عرضا لتفاصيل ‏أشخاص ووقائع وأماكن ‏حفرت عميقاً في ذاكرة ووجدان ‏الكاتب. يشبه وصف المدينة في كثير من ‏تفاصيلها حميميا لذلك جاء دقيقا يشابه الوصف الانثروبولوجي للمدينة أو تشريح المدينةAnatomy of ‎the city‏ ‏
فينقلنا معه من بيت إلى بيت ومن عائلة إلى ‏أخرى واصفاً البيوت ‏بتفاصيلها التي لم تنفك من أسر ‏الذاكرة.‏
ومن خلال قراءة تفاصيل السيرة تحس كأن روح الكاتب ترفرف فوق سماء المدينة في جولة تعريفية ‏للمدينة. والمدينة هنا ليست هي البحر أو ‏الشوارع والبيوت فقط ولكنها الكائن الحي المتفاعل والمترابط. ‏والمدينة هي الفضاء الذي يتشارك فيه الناس ويتفاعلون في ‏الأفراح والأحزان وفي تفاصيل الحياة ‏اليومية. ‏
‏( كانت للشوارع وظائفها الاجتماعية ……كان شارع المستشفى هو شارع الشراء ‏الشعبي. شارع المحطة ‏هو شارع ‏الاستعجال والسفر‎. ‎شارع السينما …هو شارع ‏الترفيه. شارع البحر …هو شارع النزهات ‏البريئة. و شارع المدارس.. هو ‏شارع ‏الحب).‏
يبدو وصف المدينة وكأنه تشريح وتقسيم للمدينة ليس عمرانيا أو جغرافيا فقط بل أيضاً تقسيماً عاطفياً ‏ونفسياً واجتماعيا، مما يشي بأن المدينة و ‏تفاصيلها قد حفرت عميقاً في ‏الذاكرة: ‏ميدان المولد، دكاكين ‏السوق، السينما، ‏حي الثورة، حي العظمة، حي السكة حديد، حي ‏جابر. ثم يواصل: استديو ‏العروسة ‏‏(الذي شهد التقاط أول صورة ‏فوتوغرافية له)، محل ثلاجة الأعيسر لبيع الثلج، ‏مقهى ‏رامونا. ‏وكذلك الأحياء: حي الثورة-حي العظمة حي السكة حديد حي ‏جابر …إلخ ‏ ‏. ‏
المكان في هذه السيرة ليس محايداً ولا جامداً بل يتماهى مع ‏البشر الذين ‏يعيشون فيه والذين يرتبط بهم ‏كاتب السيرة في ألفة وحنين وحيث يكتسب المكان ‏جماله وشاعريته من البشر ‏الذين يعيشون فيه (الآن ‏ألمس أهل المدينة؟ أشمهم، ‏يمسكون بعطر الكتابة، يودون لو خرجوا في العطر). وهكذا يندمج البشر ‏والمكان ليكونا ‏عطر المدينة الذي يملا الوجدان وينعش الذاكرة.‏
ينتقل المؤلف بعد ذلك لوصف مكونات المدينة بدقة لا تغفل التفاصيل عند ما يصف الأشخاص، ‏المندمجون في ذاكرته مع تفاصيل المدينة، وهم ممن يسميهم أهل الجوار ‏(…أعود إلى أهل الجوار…. ) ‏يقول الكاتب: ‏هو جوار واسع ممتد. وتجيء ‏كلمة الجوار بوقع يشي بحميمية تتخطى حاجز الزمن. وهي ‏مشاعر وأحاسيس محفورة في الوجدان وهو بكتابة هذه السيرة يتحرر من قيد والتزام، كما قال الكاتب ( ‏لكي يحرر ذكرياته معهم من حبل معقود بشدة).‏إذن هذه السيرة ليست انفعال وجداني مؤقّت ولكنها التزام ‏أخلاقي في المقام الأول نحو ‏المدينة ومكوناتها و رموزها و‏بشرها و شوارعها وساحاتها وسوقها ‏‎.‎
و يستمر الانثيال الوجداني:(ما ‏زال تذوقي وهو ينبش ‏في أطباق الحضر بيتزا وهامبورجر واسبغيتي… ‏يحن إى ‏ذلك الطعم النادر لفول(الدبُل) و فلافل (ديجانقو) و‏سندوتشات الكبدة والكلاوي المتربة ‏في نادي ‏الرماية).‏‎‏ ‏
‎‏ حتى المستشفى لا تفلت من الذاكرة: إطلالة على المستشفى (باب الطوارئ)( ‏‏…ذلك الباب الهستيري ‏الذي ‏يدخل منه الناس يولولون تتلقفهم الأيدي والمعاطف ‏البيضاء والحقن المهدئة ومحاليل الدم…) ثم ‏وصف المولد وطقوسه و‏الاحتفالات ‏الموسمية. الشوارع دكاكين الجزارين- شاطيء النزهة الميناء ‏مدرسته(المدرسة ‏الشرقية)………و هكذا تجوس ‏السيرة في كل أنحاء المدينة.‏‎‏ ‏
وتتوالى تفاصيل المدينة وكأنه يصف زيارة افتراضية ( …أريد أن أعبر ذلك ‏الطريق ‏بمحاذاة ‏السينما،…أُحيّ ذلك البيت القائم بمفرده،….القابض على أربعة شوارع ‏‏…ناعم، وممتد، ‏ومورَّد الحيطان…. في ذلك البيت ‏كانت ثمة أيام خوالي، ….وثمة ‏بهجة تستحق التحية…).‏
خاتمة:‏
في هذه السيرة صورة لأنثروبولوجيا المدينة وإنسانها في تفاعل وتناغم حيث لا تنفصل المدينة بشوارعها ‏وأبنيتها وساحاتها عن الناس بل ترتبطان برباط حميمي سجل تفاصيله ذاكرة المؤلف. ‏
المدينة في هذه السيرة تمثل فضاء أنثروبولوجياً تتجسد فيه معاني الترابط بين المدينة وإنسان المدينة ‏لتكون شخصية المدينة وعطرها الذي نفذ إلى الذاكرة منذ بواكير العمر. فالمدينة هنا بأبعادها وتفاصيلها ‏وإنسانها ليست فضاءً جامدا ولا أمكنة منفصلة بل يمثلان وحدة واحدة مندمجة ومترابطة. والمدينة هنا ‏بحميميتها ليست كالمدينة المعاصرة التي وصفها مارك أوجيه حيث (اللاتاريخ) و(اللامكان) والتي لا ‏تلتصق أبنيتها ومحلاتها التجارية وشوارعها في ذاكرة إنسانها إلا في زمن لحظي عابر كما وصفها مارك ‏أوجيه.‏
[email protected]