يظل د. صدقي كبلو قامة فكرية يسارية لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن الاقتصاد السياسي في السودان؛ فهو يمثل "العقل النقدي" داخل الحزب الشيوعي، وتحاول كتاباته دائماً تشريح أزماتنا من منظور هيكلي عميق عند النظر إلى أطروحاته، وتحديداً في كتابه الأبرز "الاقتصاد السياسي للرأسمالية الطفيلية في السودان"، نجد أنفسنا أمام قراءة "جرّاح" يحاول استئصال أورام الدولة السودانية المزمنة لقد غرد كبلو دوماً خارج سرب "التسويات الهشة". فهو لا يبحث في كتاباته عمن "حكم"، بل عمن "استولى على الفائض الاقتصادي". يرى كبلو أن أزمة السودان ليست مجرد صراع على الكراسي، بل هي نتيجة طبيعية لنمو "رأسمالية طفيلية" نبتت في أحضان الديكتاتوريات، وتغولت على موارد الدولة من زراعة وذهب وبنوك جوهر أطروحته يتمحور حول "الطفيلية" كعائق بنيوي للديمقراطية؛ حيث يجادل بأن أي تحول ديمقراطي لن يكتب له النجاح ما لم يتم "تفكيك" البنية الاقتصادية للنظام القديم. فالطفيلية بالنسبة له ليست مجرد فساد إداري، بل هي "طبقة" لها مصلحة حيوية في استمرار الحروب وعدم الاستقرار، لأنها تقتات على اقتصاد الندرة والمضاربات. ورغم دقة هذا التحليل، إلا أن كبلو (كيساري كلاسيكي) قد يبالغ أحياناً في الرهان على قدرة "الجماهير" على إحداث تغيير اقتصادي فوري، متجاهلاً تعقيدات "الدولة العميقة" التي لا تنهار بمجرد سقوط الرأس السياسي. وفي نقده للنخب، يقف كبلو بمرارة ضد "الهبوط الناعم"، ويرى أن القوى السياسية— بما فيها بعض رفاقه أحياناً— تهرع للمحاصصة قبل إنجاز المهام الحقيقية للثورة. فالإصلاح الحزبي عنده يبدأ من "الارتباط بالمنتجين الحقيقيين" من عمال ومزارعين وليس عبر صالونات الخرطوم السياسية. لكن واقع ما بعد 15 أبريل يطرح تساؤلاً جوهرياً: أين أخطأ التحليل؟ تكشف "زمن الكتمة" أن تحليل كبلو ركز على "الرأسمالية المدنية"، بينما لم يتوقع تماماً تحول هذه الرأسمالية إلى "جيوش كامنة" ابتلعت الدولة عبر "عسكرة الاقتصاد" كما أن التمسك بوحدة "التحليل الطبقي" واجه صخرة الواقع التي أثبتت أن "القبيلة" و"الجهة" قد تكونان أحياناً أقوى من "الطبقة" في تحريك الملايين، مما يستوجب مراجعة شجاعة لمفهوم الدولة القومية ختاماً، ما يكتبه صدقي كبلو ليس "نظريات ماركسية" غبارها كثيف، بل هو خارطة طريق تفهمنا لماذا نعود دائماً إلى "نقطة الصفر". هو يخبرنا ببساطة: "لا تبنوا ديمقراطية على أرض يمتلكها اللصوص". فأي ديمقراطية بلا "أسنان اقتصادية" هي مجرد "كرنفال" ينتهي عند دخول أول دبابة للساحة أزمة أطروحات كبلو أنها "صحيحة أكثر من اللازم"، وهذا ما يجعل الساسة يهربون منها؛ لأنها تتطلب جراحة مؤلمة، بينما يفضل الجميع— من كميل إدريس إلى ياسر عرمان— المسكنات والوعود التي تشبه "هواء الكدرو البارد" إن كتاب كبلو هو صرخة في وادٍ سحيق، تذكرنا بأننا إذا لم نعالج "جوع الناس" و"نهب مواردهم"، فسنظل نكتب نصوصاً ساخرة عن حكومات تأتي وتذهب.. والفقر هو الثابت الوحيد.
01-12-2026, 06:07 PM
Nasr Nasr
تاريخ التسجيل: 08-18-2003
مجموع المشاركات: 11513
شوف لينا طريقة للوصول لكتاب صدقي صدقي من شيوعيين قلائل تزحزحوا ولو قليلا عن الماركسية الكلاسيكية وصار يتعامل مع النيو ماركيسيم وبكثير من الحصافة لذلك أتصور أن يكون كتابه مساهمة جادة في دراسة اقتصاد وسياسة السودان
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة