Post: #1
Title: هل تلميح مصر بالدخول طرفًا في الحرب السودانية هو محاولة لحماية النخبة السياسية التقليدية من السقوط؟
Author: Nasr
Date: 12-20-2025, 02:19 PM
02:19 PM December, 20 2025 سودانيز اون لاين Nasr-Los Angeles مكتبتى رابط مختصر
هل تلميح مصر بالدخول طرفًا في الحرب السودانية هو محاولة لحماية النخبة السياسية التقليدية من السقوط؟ بقلم: لوال كوال لوال
حين تلوّح دولة إقليمية كبرى مثل مصر بإمكانية الدخول طرفًا في الحرب السودانية، فإن هذا التلميح لا يمكن فهمه بوصفه مجرد رد فعل أمني أو تعبير عن قلق عابر على الحدود الجنوبية. فالحروب الأهلية، بطبيعتها، لا تستدعي هذا النوع من الإشارات السياسية الثقيلة إلا إذا كانت تمس بنية مصالح راسخة، أو تهدد نظامًا إقليميًا اعتاد على أشكال معينة من الحكم والتحالفات. ومن هنا، يصبح السؤال الأهم: هل ما يصدر عن القاهرة هو دفاع عن “استقرار السودان”، أم دفاع عن استقرار نخبة سياسية تقليدية ارتبط بها هذا الاستقرار لعقود طويلة؟ منذ الاستقلال، لم تُبنَ العلاقة بين مصر والسودان على أساس تعاقد شعبي متكافئ بين دولتين حديثتين، بل على شبكة معقدة من المصالح التي نسجتها نخب سياسية وعسكرية في البلدين. هذه النخب رأت في بعضها البعض امتدادًا طبيعيًا لنظام إقليمي محافظ، يُقدِّم الأمن الظاهري على التحول الديمقراطي، ويُفضِّل التعامل مع سلطات مركزية قوية حتى وإن كانت منزوعة الشرعية الشعبية. ولذلك، فإن أي تهديد جذري لهذه النخب في السودان يُنظر إليه في القاهرة كتهديد غير مباشر لترتيبات إقليمية طالما وفرت لها هامشًا واسعًا من النفوذ والاطمئنان. إن الحرب السودانية الحالية ليست مجرد صراع مسلح بين قوتين عسكريتين، بل هي نتيجة تراكم تاريخي لفشل الدولة الوطنية في إعادة تعريف نفسها بعد الاستقلال. إنها حرب كشفت عمق الأزمة البنيوية في الحكم، وأظهرت إلى أي مدى أصبحت النخبة السياسية التقليدية عاجزة عن إنتاج دولة تتسع لكل مكوناتها. غير أن هذه الحقيقة، الواضحة للسودانيين، لا تُقرأ بالطريقة نفسها إقليميًا. فبالنسبة لمصر، لا تزال هذه النخبة — رغم عجزها — تمثل الخيار الأقل مخاطرة مقارنة بمشهد سوداني مفتوح على احتمالات التغيير الجذري. في هذا السياق، يمكن فهم التلميح المصري بالتدخل كرسالة مزدوجة: رسالة إلى الداخل السوداني مفادها أن سقوط المنظومة القديمة لن يمر دون مقاومة إقليمية، ورسالة إلى القوى الدولية بأن القاهرة ما زالت ترى نفسها لاعبًا أساسيًا في تحديد ملامح المستقبل السوداني. هذا لا يعني بالضرورة أن مصر تسعى إلى تدخل عسكري مباشر، لكنه يشير بوضوح إلى استعدادها لدعم طرف بعينه سياسيًا أو لوجستيًا إذا ما شعرت بأن ميزان القوى يميل لصالح قوى قد تعيد رسم المشهد خارج الإطار المألوف. الخوف المصري الحقيقي لا يكمن فقط في انفلات أمني محتمل على الحدود، بل في ولادة سودان جديد يعيد تعريف علاقاته الخارجية على أسس مختلفة. سودان لا تديره نخبة مركزية تقليدية، ولا يحتكر فيه الجيش المجال السياسي، ولا تُدار موارده بمنطق التبعية أو الصفقات المغلقة. مثل هذا السودان قد يفتح ملفات مؤجلة، في مقدمتها ملف مياه النيل، والعلاقة مع إثيوبيا، وموقع السودان في معادلة القرن الإفريقي. وهذه الملفات، إذا أُعيد طرحها من منظور سيادي شعبي، قد تُربك الحسابات المصرية التي تعودت على التفاوض مع أنظمة لا مع شعوب. كما أن تجربة “التحول الديمقراطي” في السودان، رغم تعثرها، أثارت قلقًا عميقًا لدى بعض الأنظمة الإقليمية، ليس فقط في القاهرة، بل في المنطقة عمومًا. فالانتقال من حكم النخبة إلى حكم الإرادة الشعبية يحمل في طياته خطر العدوى السياسية، ويُعيد الاعتبار لفكرة المساءلة، ويضعف شرعية الحكم القائم على القوة لا على التفويض الشعبي. ومن هذا المنطلق، فإن دعم النخب التقليدية في السودان — ولو بشكل غير مباشر — يصبح جزءًا من سياسة وقائية إقليمية تهدف إلى كبح أي تحولات غير مرغوب فيها. غير أن هذا الرهان، كما تُظهر تجارب المنطقة، غالبًا ما يكون قصير النظر. فحماية النخب من السقوط لا تعني حماية الدول من الانهيار، بل تعني في كثير من الأحيان إطالة عمر الأزمة وتعميق جذورها. فالنخبة التي فشلت في بناء دولة مستقرة خلال عقود، لن تنجح فجأة لأنها حظيت بدعم خارجي جديد. بل إن هذا الدعم قد يُستخدم لتصفية الخصوم، وتعزيز العسكرة، وإغلاق أي أفق لحل سياسي شامل. السودان اليوم لا يواجه أزمة أشخاص أو توازنات قوة فقط، بل أزمة معنى الدولة نفسها. الدولة التي وُرثت من الاستعمار، وأُعيد إنتاجها بعد الاستقلال، لم تعد قادرة على الاستجابة لتطلعات مجتمع متنوع ومهمّش. وأي تدخل خارجي ينحاز إلى إعادة تدوير هذه الدولة بشكلها القديم، إنما يساهم في ترسيخ منطق الوصاية، ويُفقد السودانيين فرصة نادرة لإعادة التفكير في عقدهم الاجتماعي على أسس جديدة. الأخطر من ذلك أن الانحياز الإقليمي للنخب التقليدية يُقوّض ما تبقى من ثقة بين الشعوب والدول المجاورة. فالسوداني البسيط، الذي يدفع ثمن الحرب تهجيرًا وفقرًا وموتًا، لن يرى في هذه التلميحات سوى محاولة لحماية من تسببوا في مأساته. وهذا الشعور، إن ترسخ، قد يُعيد تشكيل المزاج الشعبي تجاه مصر ودورها التاريخي في السودان، ليس كدولة شقيقة، بل كفاعل يسعى إلى تثبيت واقع ظالم حفاظًا على مصالحه. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن لمصر مصالح حقيقية في السودان، وأن القلق من الفوضى ليس وهمًا. لكن السؤال الجوهري يبقى: كيف تُحمى هذه المصالح؟ هل عبر دعم نخب فقدت شرعيتها وقدرتها على الحكم، أم عبر الانحياز إلى مسار سياسي يضع الشعب السوداني في مركز المعادلة؟ التاريخ القريب يثبت أن الاستقرار المفروض من فوق، والمدعوم خارجيًا، هش وقابل للانفجار في أي لحظة. ختامًا، يمكن القول إن تلميح مصر بالدخول طرفًا في الحرب السودانية يحمل في طياته محاولة واضحة للحفاظ على منظومة سياسية مألوفة، ترى في النخبة التقليدية صمام أمان إقليمي، رغم فشلها الداخلي. لكن هذا الخيار، وإن بدا عقلانيًا على المدى القصير، يحمل في داخله بذور عدم الاستقرار المستقبلي. فالسودان لن ينهض بحماية الماضي، بل بامتلاك شجاعة القطيعة معه. والاستقرار الحقيقي، سواء لمصر أو للسودان، لن يتحقق إلا حين يُسمح للشعوب بأن تكون شريكًا في صنع مستقبلها، لا مجرد ساحة لتصفية حسابات النخب.
لوال كوال لوال
|
|