Post: #1
Title: المذكرة السودانية كـ "تجربة وجودية"- بين صرامة الفكرة وقسوة الواقع
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 12-05-2025, 05:38 PM
05:38 PM December, 05 2025 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
المذكرة السودانية كـ "تجربة وجودية": بين صرامة الفكرة وقسوة الواقع مقدمة: فلسفة المبادرات الوطنية المفتوحة
ليست المذكرة الداعية للحكم المدني مجرد نص سياسي عابر، بل هي فعل تأسيسي لوعي جديد يستعيد أفضل تقاليد الفعل المدني السوداني في لحظات الانهيار والانسداد. إنها محاولة لإعادة بناء "الإجماع الأدنى" في سياق استقطاب أقصى، ولتقديم "الفكرة–الحدث" التي تتجاوز الأطر التنظيمية المعتادة، وتسمح بخلق مساحة وطنية أوسع من الانقسامات القائمة.
هذه المبادرة تطرح سؤالًا عميقًا: هل يمكن لقوة الفكرة أن تتغلب على صلابة الوقائع؟ وهل تستطيع "الهوية الوطنية فوق الفصائلية" أن تنجو من قبضة الحرب والاصطفاف؟
أولاً: الهوية الوجودية للمذكرة — التلاشي الطوعي للأنا التنظيمية
تكمن قوة المذكرة في أنها ليست تنظيمًا جديدًا ولا جسمًا سياسيًا منافسًا، بل ظاهرة سياسية غير تنظيمية، تعتمد على تأثيرها لا على بنيتها. فهي موجودة عبر قدرتها على جمع الرؤى لا عبر امتلاكها لهياكل أو عضوية.
1. منطق الفعل لا الهيكل
المذكرة تُبنى على منطق وجودي: أثرها يسبق شكلها. وهو ما يمنحها قدرة على مخاطبة أطراف متباعدة دون أن تُحسب على أي طرف.
2. شرعية الذاكرة الوطنية
تستمد المذكرة شرعيتها من الإرث السوداني العريق للمبادرات المدنية: من مبادرات الأساتذة في 1964، إلى مواثيق 1985، وصولًا إلى تجارب المجتمع المدني بعد 2019. هذا الامتداد يجعلها "امتدادًا طبيعيًا" لا قطيعة.
3. نظرية الفضاء السياسي المؤقت
المذكرة تسعى إلى خلق "مساحة ثالثة" بين الاستقطابين: فضاء مرن، فكري، غير مؤسسي، يعمل على إعادة بناء رأس المال الاجتماعي، قبل التفكير في أي هندسة تنظيمية لاحقة.
ثانيًا: المأزق الاستراتيجي — صراع الفكرة مع موازين القوة
هذا الصفاء الفكري يصطدم بحقائق قاسية تتطلب الانتقال من خطاب النوايا إلى سياسات قابلة للتنفيذ. وعليه، يصبح لزامًا تقديم حلول عملية تكمل جمال المبدأ وتسد ثغراته.
التحدي النظري
تجاهل ميزان القوة وتعدد اللاعبين المسلحين.
الرد السياسي الواقعي
اعتماد منهجية “التنفيذ الذكي” التي تقوم على:
1. الاعتراف بميزان القوة
فتح قنوات اتصال غير مباشرة مع الأطراف المسلحة، وتقديم رؤية مدنية تُظهر الاستقرار كـ مصلحة مشتركة.
2. بناء نموذج الحكم بوضوح
تشكيل فريق دستوري مصغر يضع مسودة الإطار الانتقالي:
من يحكم؟
ما صلاحيات الأجهزة؟
كيف يتم الإصلاح الأمني ودمج القوات (SSR)؟
3. مرونة زمنية واقعية
تحويل المذكرة إلى خارطة طريق تقسم المرحلة إلى:
مرحلة أمنية–إنسانية
مرحلة تأسيس سياسي
مرحلة انتقال مؤسسي
4. إدراج عناصر الحماية والتمويل
لا معنى لأي رؤية دون ضمانات واقعية لسلامة المدنيين وتمويل عمليات إعادة الإعمار. ذلك يضفي جدية وصدقية دولية على المذكرة.
ثالثًا: النجاح في التلاشي — متى تصبح الفكرة مبدأ؟
المذكرة لن تُقاس بقدرتها على البقاء، بل بقدرتها على التلاشي في الوقت المناسب بعد أن تتحول إلى مبدأ. هذا جوهر نظرية “التلاشي الناجح”.
1. من وثيقة إلى مبدأ وطني
نجاح المذكرة يعني أن يتحول مطلب الحكم المدني من مجرد بند سياسي إلى بوصلة أخلاقية للعمل العام.
2. ولادة قيادة موحدة من خارج الاصطفاف
تتحول المذكرة إلى منصة تبني "كتلة مدنية صلبة": أحزاب + نقابات + لجان مقاومة + شخصيات مستقلة، بما يهيئ لظهور هيئة تنسيقية موحدة في أي مفاوضات قادمة.
خاتمة: المذكرة كفعل تأسيسي للوعي الوطني
في النهاية، ليست المذكرة مجرد حشد توقيعات أو صياغة مطالب، بل تجربة وجودية للسودانيين: هل نستطيع، ولو مؤقتًا، تجاوز انقساماتنا الصغيرة لنلتقي على مبدأ كبير؟
إن قيمتها الحقيقية لا تقاس بما تحققه اليوم، بل بما تثبته من إمكانية جديدة للفعل الجماعي، وبما تفتحه من أفق: توافق → ثقة → تعاون بدل الحلقة السودانية المألوفة: انقسام → فشل → مزيد من الانقسام.
إنها دعوة لإحياء الوعي المدني كأهم مورد وطني لم يُستثمر بعد.
.
|
|