مفارقة الانهيار العسكري والجمود السياسي في السودان- قراءة استراتيجية لمسار الحرب ومستقبل الدولة

مفارقة الانهيار العسكري والجمود السياسي في السودان- قراءة استراتيجية لمسار الحرب ومستقبل الدولة


12-05-2025, 11:23 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1764933780&rn=0


Post: #1
Title: مفارقة الانهيار العسكري والجمود السياسي في السودان- قراءة استراتيجية لمسار الحرب ومستقبل الدولة
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 12-05-2025, 11:23 AM

11:23 AM December, 05 2025

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



مقدمة: حين يفشل السلاح وتتعطّل السياسة

يدخل السودان عامه الثاني من الحرب وهو يواجه معادلة مدمِّرة: انهيار عسكري متسارع مقابل جمود سياسي كامل. فمنطق الأطراف المتحاربة يقول إن رفض الهدنة يهدف لتعزيز الموقع التفاوضي، وفرض شروط أفضل على طاولة المفاوضات. لكن الواقع يُظهر مفارقة صارخة: كلما طالت الحرب تراجع النفوذ العسكري، وتضاءلت القدرة التفاوضية، وتآكلت بنية الدولة نفسها.

الأرقام لا تكذب: فقد الجيش السوداني ما يقارب سُدس قوته القتالية التقليدية (6 ألوية/فرق من أصل 22)، وفقد السيطرة على ما يزيد عن ثلث مساحة البلاد. هو انهيار جزئي لا يعترف به الخطاب الرسمي، لكنه قائم في الميدان، وتزداد حدّته مع كل جولة قتال.

أولاً: حسابات القوة… بين التموضع التفاوضي وتآكل القدرة القتالية

يتعامل الجيش السوداني مع الحرب بمنطق “الحسم”، لكن هذا المنطق لم يعد واقعياً. فالحروب ليست بيانات سياسية، بل معادلات حسابية دقيقة (Military Calculus). وإذا كانت القدرة على تحقيق اختراق عسكري حاسم غير متوفرة، فإن الاستمرار في القتال يتحول تلقائياً من “تعزيز موقع تفاوضي” إلى نزيف استراتيجي يُضعف الجيش والدولة معاً.

المعضلة هنا واضحة:

خيار الحسم العسكري: يحتاج لقدرات غير متاحة في دارفور وكردفان، ولم تُثبت فعاليته منذ بداية الحرب.

خيار التفاوض الواقعي: يحافظ على ما تبقى من بنية الجيش والدولة، ويمنع الانهيار الكامل.

المفاضلة بين الخيارين لا تحتاج إلى خطاب سياسي، بل إلى عقل بارد قادر على حساب الكلفة والنتيجة.

ثانياً: الإنكار الاستراتيجي… الوهم الذي يبتلع الدولة

أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الانهيار العسكري، بل حالة الإنكار السياسي والشعبي. يُتعامل مع خسائر واسعة كأنها “مناوشات”. تُقدّم الانسحابات على أنها “إعادة تموضع”. وتُبنى توقعات النصر على الشعارات لا على الأرض.

هذا الإنكار يؤدي إلى ثلاث نتائج خطيرة:

إطالة أمد الحرب دون هدف قابل للتحقيق

تعقيد إمكانية الخروج السياسي من الأزمة

زيادة كلفة إعادة بناء الجيش والدولة بعد الحرب

حرب بلا horizon سياسي ولا سقف زمني تتحول تلقائياً إلى حرب استنزاف وتهشيم للكيان الوطني.

ثالثاً: الجغرافيا تقاتل… ودارفور ليست الخرطوم

أكبر الأخطاء في التقدير هو تجاهل خصوصية المسرح الغربي. فدارفور وغرب كردفان ليستا مجرد جغرافيا بعيدة، بل بيئة عملياتية ذات طابع مختلف:

تضاريس صعبة ورمال متحركة تزيد كُلفة أي حشد عسكري.

حاضنة اجتماعية واسعة للدعم السريع تجعل أي محاولة للاستئصال العسكري شبه مستحيلة.

اندماج اجتماعي-قبلي يمنح قوات الدعم السريع قدرة تعبئة ليست متوفرة للجيش.

التاريخ العسكري هناك واضح:
لم تنتصر أي قوة عبر الاستئصال. كل الأطراف خسرت في النهاية، والدولة خسرت أكثر.

رابعاً: دروس التاريخ… لماذا يفشل الحسم العسكري في السودان؟

السجل العسكري السوداني يكشف عن عجز تراكمي في المعالجات الأمنية:

فشل في القضاء على النهب المسلح لعقود.

فشل في إنهاء تمردات صغيرة نسبياً.

فشل في بناء عقيدة قتالية موحدة.

فكيف يمكن لقوة تواجه منذ سنوات صعوبات في القضاء على مجموعات صغيرة أن تحسم حرباً ضد قوة أكبر، أكثر تجذراً، وأكثر انتشاراً اجتماعياً؟

هذا سؤال استراتيجي يجب أن يُطرح بجرأة، لأن تجاهله يعني الاستمرار في مسار الخسائر المؤكدة.

خامساً: نحو مقاربة واقعية… الدمج الوطني وإعادة هيكلة القطاع الأمني

كل الطرق العسكرية مسدودة. وكل تأجيل سياسي يفاقم الانهيار. وبالتالي يفرض الواقع مساراً واحداً:

1. الدمج الوطني (Integration)

دمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة في جيش وطني مهني موحد، بعيد عن الولاءات السياسية والعرقية.

2. إصلاح القطاع الأمني (SSR)

إعادة بناء العقيدة القتالية، وتوحيد أنظمة القيادة والسيطرة، وتجفيف منابع التسييس.

3. المساءلة القانونية

ملاحقة مرتكبي الانتهاكات وفق القانون الدولي دون أن يتحول ذلك إلى أداة للانتقام أو عرقلة التسوية.

هذا النموذج ليس مثالية، بل Realpolitik خالصة. وهو الطريق الذي سلكته دول خرجت من حروب أهلية مماثلة (كولومبيا، رواندا، نيبال، جنوب إفريقيا).

سادساً: الخلاصة… الوقت ليس في صالح أحد

الجيش يخسر الأرض والقوة.
الدعم السريع يخسر الشرعية السياسية والاجتماعية.
والدولة تخسر تماسكها وبناها الأساسية.

الاستمرار في الحرب يعني:

تفكك مؤسسات الدولة

توسع الفراغ الأمني

تمدّد الفواعل غير الحكومية

تحول السودان إلى سوريا جديدة أو ليبيا أخرى

أما البديل فهو:

تفاوض جاد

مرونة واقعية

مشروع وطني للدمج والإصلاح

إنقاذ ما تبقى من الدولة

إن الوطنية ليست في ترديد شعارات الانتصار، بل في اتخاذ قرارات موجعة وشجاعة تمنع انزلاق البلاد إلى الهاوية. السودان أكبر من الجيوش، وأكبر من الفصائل، وأكبر من خطاب الحرب. وما هو على المحك اليوم ليس “الانتصار”، بل مصير الدولة نفسها.