Post: #1
Title: التجاني حاج موسى: بصمة شاعرٍ يكتب من نبض المدينة وذاكرة العاطفة
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 11-29-2025, 11:11 PM
11:11 PM November, 29 2025 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
التجاني حاج موسى: بصمة شاعرٍ يكتب من نبض المدينة وذاكرة العاطفة مقارنة تحليلية مع فضل الله محمد، إسحق الحلنقي، وكامل عبد الماجد
مقدمة: شاعرٌ بنبرة مختلفة في زمن التحول
في خارطة الشعر الغنائي السوداني الممتدة من ستينيات القرن الماضي حتى مطلع الألفية، يبرز التجاني حاج موسى كشاعرٍ لا يتكئ فقط على براعة لغوية أو صور شعرية، بل على مزاج موسيقي داخلي، وحدس حسيّ يلتقط التفاصيل الدقيقة في العلاقة بين الإنسان والمدينة. في زمن كان فيه الشعراء يُشبهون “مؤسسات جمالية” لها طابعها الواضح، جاء التجاني ليضيف مسارًا ثالثًا… بين رقّة إسحق الحلنقي، وعمق فضل الله محمد، وجزالة كامل عبد الماجد.
أولاً: بصمة التجاني حاج موسى — شاعر الحسّ الإيقاعي العاطفي 1. لغة مشذّبة لكنها قريبة: “العاطفة المرفّهة”
يميل التجاني إلى لغة ليست عامية بالكامل ولا فصيحة تمامًا، بل مزيجٌ يحافظ على رهافتها دون أن تفقد حرارة الشارع. لغته تُشبه الهمس… ولكن همس يعبر بسهولة إلى اللحن.
مثال: في «القمر صاحي» نجد لغة مرهفة لكنها غير متكلّفة، وصورًا حسية تُبنى على الضوء والانفعال.
2. البناء الإيقاعي الصلد — شاعر كُتب للأغنية قبل الورق
يمتلك التجاني حسًّا غنائيًّا “جاهزًا للتلحين”. كلماته قصيرة، متوازنة موسيقيًا، وكأنها مقطوعة على ميزان العزف.
هذا ما جعله شاعرًا محببًا لدى كبار الملحنين لأنه “يخدم الموسيقى ولا يثقلها”.
3. المدينة كفضاء شعوري
بخلاف الكثير من شعراء عصره الذين ظلوا مرتبطين بريف الطفولة، فإن التجاني شاعر مدينة بامتياز. الليل، الشوارع، إيقاع الحياة، الحركة الاجتماعية… كلها تحضر في نصوصه.
ثانيًا: بالمقارنة مع فضل الله محمد — شاعر الهدوء العميق والرؤية الوجودية
فضل الله محمد هو شاعر “العاطفة الندية” التي تمتد إلى بعد فكري.
لغته عميقة لكن غير مُعقدة.
يرى الحب كقيمة وجودية.
يميل إلى الجُمَل الطويلة والوزن الهادئ.
التجاني مقابل ذلك:
أكثر مباشرة.
أقل تأملاً فلسفيًا.
أكثر قربًا من “طقس الغناء” وليس “تأملات القصيدة”.
فضل الله محمد يشبه في شعره “حديثًا داخليًا” بينما التجاني يشبه “أغنية تُغنّى في اللحظة”.
ثالثًا: بالمقارنة مع إسحق الحلنقي — شاعر الرقة والمجاز اللوني
الحلنقي هو شاعر الألوان والعصافير والندى… شاعر الصورة اللطيفة الخفيفة. في نصوصه، ترى الطبيعة تتكلم.
التجاني رغم رهافته، لكنه مختلف تمامًا:
تجنّب المبالغة في المجاز.
فضّل الصورة الحسية على الموروث الشعبي.
ابتعد عن “الطبيعة الرومانسية” واتجه إلى “عاطفة المدينة السريعة”.
الحلنقي شاعر “الطفولة الجمالية”، بينما التجاني شاعر “النضج العاطفي”.
رابعًا: بالمقارنة مع كامل عبد الماجد — شاعر الوجدان الملحمي
كامل عبد الماجد شاعرٌ قادر على صناعة اللحظة الوجدانية الكبيرة. في أعماله نزعة عاطفية عميقة وجمل طويلة ذات حمولة شعورية عالية.
أما التجاني فهو شاعر اللقطة القصيرة المكثّفة. أسلوبه أقرب إلى “البورتريه الشعري” لا اللوحة الممتدة.
كامل عبد الماجد يشبه الرواية الرومانسية. والتجاني يشبه القصة القصيرة المكتوبة بإيقاع موسيقي.
خامسًا: ماذا أضاف التجاني حاج موسى للأغنية السودانية؟ 1. جعل الأغنية العاطفية أكثر خفة وأناقة
أدخل روحًا مدينية جديدة بعيدة عن الحزن الموروث أو العاطفة الدرامية الثقيلة.
2. توازن بين الشعرية والموسيقى
قلّما تجد شاعرًا يكتب نصًا كأنه “مُلحن مسبقًا” — وهذه موهبة نادرة.
3. ساهم في تحديث مفردات الأغنية السودانية
انتقل بالمفردة من الريف إلى المدينة دون أن يفقد الروح السودانية.
4. ترك بصمة لا تشبه غيره
ليس نسخة من الحلنقي، ولا انعكاسًا لفضل الله محمد، ولا امتدادًا لكامل عبد الماجد. إنه بصمة خاصة — وسط جيل ضخم — وهذا وحده يكفي لحفر مكانته.
خاتمة: لماذا يظل التجاني حاج موسى اسماً مهمًا؟
لأن شعره ليس مجرد كلمات مغنّاة، بل “سجلّ عاطفي” لمدينة تتشكل، وجيل يتغيّر، وموسيقى تبحث عن توازن بين الحداثة والحنين. ولأنه من القلائل الذين استطاعوا — بذكاء فني — أن يكتبوا أغنية سهلة في ظاهرها، لكنها محكمة البناء، متينة الإيقاع، وعميقة الشعور.
وفي مقارنته مع كبار شعراء جيله، تتضح خصوصيته:
ليس عميقًا وجوديًا مثل فضل الله محمد،
ولا حالمًا مثل الحلنقي،
ولا ملحميًا مثل كامل عبد الماجد— بل شاعرٌ يصنع جماله من البساطة الأنيقة… ومن نبض اللحظة.
|
|