من اختبار المواطنة إلى ضماناتها استكمالاً لمقال الأستاذ زهير عثمان حمد (أبو الزهراء): «الدين والدول

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-28-2026, 02:14 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-27-2026, 00:59 AM

د. علي عبدالله الخليفة طه
<aد. علي عبدالله الخليفة طه
تاريخ التسجيل: 07-16-2026
مجموع المشاركات: 100

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
من اختبار المواطنة إلى ضماناتها استكمالاً لمقال الأستاذ زهير عثمان حمد (أبو الزهراء): «الدين والدول

    00:59 AM October, 26 2026

    سودانيز اون لاين
    د. علي عبدالله الخليفة طه-UK
    مكتبتى
    رابط مختصر



    من اختبار المواطنة إلى ضماناتها
    استكمالاً لمقال الأستاذ زهير عثمان حمد (أبو الزهراء): «الدين والدولة في السودان – مأزق النخبة واختبار المواطنة»
    د. علي عبدالله الخليفة طه
    سلسلة «استكمالاً لا مصادمة»

    مدخل

    يعود الأستاذ زهير عثمان حمد في مقاله المنشور في السابع عشر من أكتوبر 2026 إلى أقدم أسئلة الدولة السودانية وأكثرها التباساً: سؤال الدين والدولة. غير أنه لا يعود إليه من بابه المألوف؛ فهو يرفض منذ السطر الأول أن يختزل الجدل في مواجهة ثنائية بين دعاة الدولة الإسلامية وأنصار الدولة العلمانية، ويقرأه بوصفه أحد تعبيرات أزمة أعمق: أزمة تأسيس لم يُحسم فيها مصدر الشرعية ولا حدود السلطة ولا طبيعة العلاقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
    وهذه القراءة، في تقديري، من أنضج ما كُتب في الموضوع خلال الحرب. ولذلك فإن هذه الورقة لا تأتي لمساجلته، بل لاستكماله. فالمقال يطرح «اختبار المواطنة» في صورة أسئلة حاسمة، ويترك – عن قصد أو عن ضيق مساحة – سؤالاً لاحقاً بلا جواب: ما المؤسسات التي تُجبر كل مشروع سياسي على اجتياز هذا الاختبار، لا مرة واحدة عند كتابة الدستور، بل في كل يوم من أيام الحكم؟ هذا هو الموضع الذي يحاول «ميثاق النجاة وبناء الدولة» أن يسهم فيه.

    أولاً: مواطن الالتقاء

    يلتقي المقال مع الميثاق في خمس مسائل جوهرية، أذكرها لأنها تمثل أرضية مشتركة يمكن البناء عليها:
    نقل السؤال من الهوية إلى السلطة. فالأستاذ زهير يرى أن السؤال الحقيقي ليس حضور الدين في المجتمع، بل كيف تتعامل الدولة مع هذا الحضور من دون أن تتحول إلى أداة لفرض تفسير بعينه. وهذا هو جوهر التمييز الذي يقوم عليه الميثاق بين «دولة المواطنة» و«دولة الهوية».
    الحكم على المشاريع بآثارها. يقول الكاتب إن المشاريع العلمانية والإسلامية والتوفيقية «لا تُقاس مشروعاتها بأسمائها، بل بما تتيحه من حريات». وهذا المعيار قريب جداً مما يسميه الميثاق «الشرعية الوظيفية الصاعدة»: شرعية تُكتسب من الأداء والمساءلة وتُبنى من القاعدة إلى القمة، لا من اللافتة العقائدية التي ترفعها السلطة.
    العدل في النقد. فالمقال يحاسب تجربة الإنقاذ على تحويل المرجعية المعلنة إلى أداة لتثبيت السلطة، ويحاسب في الوقت نفسه الخطاب العلماني إذا انتهى إلى «هوية نخبوية مغلقة» تتعالى على المجتمع المتدين. وهذه النزاهة في توزيع المساءلة شرط لأي حوار وطني جاد.
    ربط الدين ببنية المركز والأطراف. يرفض الكاتب أن يكون الخلاف الديني مجرد غطاء للمصالح، لكنه يرفض أيضاً عزله عن اختلالات توزيع السلطة والثروة والتمثيل. وهذه هي بالضبط الزاوية التي ينظر منها الميثاق إلى أزمة الدولة السودانية.
    الاستغناء عن الإجماع الفلسفي. يقرر المقال أن «المجتمعات الديمقراطية لا تحتاج إلى إجماع فلسفي شامل حتى تتعايش». وهذا يلتقي مع مبدأ «رفض الاكتمال» في الميثاق، أي أن الميثاق لا يدّعي تقديم تصور نهائي للخير العام يُفرض على الجميع، بل قواعد مشتركة يتعايش في ظلها المختلفون. ويمكن أن نستحضر هنا ما سماه جون رولز «الإجماع المتقاطع»، مع التنبيه إلى أن هذا الربط من عندي لا من نص المقال.

    ثانياً: من الأسئلة إلى المؤسسات

    أقوى ما في المقال قائمة أسئلته الختامية: هل تتساوى الحقوق بصرف النظر عن المعتقد؟ من يملك تفسير المرجعية؟ كيف يُحسم التعارض بين تأويل ديني وحق دستوري؟ هل يستطيع القضاء حماية الفرد من سلطة تحظى بتأييد الأغلبية؟ ويضيف في موضع آخر سؤالين بالغي الدقة:
    «من يفسر هذه المرجعية؟ ومن يراقب تفسيرها؟ وما الذي يمنع الحاكم من تقديم اختياراته السياسية باعتبارها أحكاماً دينية لا يجوز الاعتراض عليها؟»
    غير أن المقال يتوقف عند السؤال. وهنا مفارقة لطيفة: فالكاتب نفسه يأخذ على الصيغ التوفيقية أنها لا تحل التناقض «ما لم تتحول إلى قواعد قابلة للتطبيق والمساءلة»، ثم يختم مقاله بمعايير أخلاقية رفيعة لم تتحول بعد إلى قواعد ومؤسسات. والسؤال، مهما كانت دقته، لا يحمي مواطناً؛ الذي يحميه مؤسسة تملك صلاحية الجواب وقدرة الإلزام.
    يقدم الميثاق في هذا الموضع ما يسميه «الجدار المؤسسي». وفكرته الأساسية أن الخطر لا يكمن في وجود قناعات سياسية أو دينية لدى الحاكم، بل في اندماج السلطات التي ينبغي أن تبقى منفصلة: السلطة السياسية التي تتنافس على الحكم، والسلطة التنفيذية والعسكرية التي تملك أدوات الإكراه. فإذا قام بين هذه المجالات جدار له حراس مستقلون، صار من الصعب على أي جماعة – أياً كانت مرجعيتها – أن تحول تفويضها الانتخابي إلى سيطرة على الجيش والأمن والخدمة المدنية.
    وأرى أن منطق هذا الجدار يمتد طبيعياً إلى سؤال الأستاذ زهير عن «من يفسر»: فإذا كانت أدوات الإكراه محمية من التوظيف الحزبي، فإن احتكار تفسير المرجعية يفقد قدرته على التحول إلى عقوبة أو حرمان. يبقى للمجتمع حقه الكامل في التعبير عن قيمه والاجتهاد فيها والاختلاف حولها، ولا يبقى لأي سلطة أن تجعل اجتهادها حكماً ملزماً بالقوة. ويُضاف إلى ذلك ما يقرره الملحق الدستوري للميثاق من ضمانات للحقوق الأساسية لا تملك الأغلبية العابرة سلطة إلغائها.

    ثالثاً: لماذا تبقى الدولة غنيمة؟

    يصل المقال في خاتمته إلى تشخيص بالغ الأهمية: إن مأزق النخبة يكمن في «استمرار النظر إلى الدولة باعتبارها غنيمة سياسية أو أداة لفرض مشروع فكري واحد». لكنه لا يسأل السؤال التالي: لماذا تبقى الدولة غنيمة بعد كل ثورة، وكل اتفاق، وكل تغيير في الوجوه والشعارات؟
    جواب الميثاق عن هذا السؤال هو ما يسميه «اقتصاد البوابات». فالدولة السودانية تعمل، منذ نشأتها، بوصفها مجموعة بوابات: بوابة للوظيفة العامة، وبوابة للرخصة والعقد والتمويل، وبوابة للتمثيل والاعتراف. ومن يملك مفاتيح هذه البوابات يملك القدرة على توزيع الريع. وحين تكون البوابات مغلقة إلا أمام من يحمل هوية معينة – دينية أو ثقافية أو جهوية أو حزبية – يصبح الصراع على تعريف الهوية صراعاً على المفاتيح لا على المعاني.
    هذا ما يفسر، في تقديري، الظاهرة التي يرصدها الكاتب بدقة: أن سؤال هوية الدولة يعود إلى الواجهة كلما تعثر التأسيس، «لا بوصفه نقاشاً مستقراً تحكمه المؤسسات، بل باعتباره جزءاً من الصراع على السلطة». فالخطاب الديني، أو العلماني، يصير في هذه الحالة أداة لتحديد من يعبر البوابة ومن يقف خارجها. ولذلك فإن الحل لا يكون بتغيير الخطاب وحده، بل بتفكيك البوابات نفسها: بقواعد شفافة للتوظيف والتعاقد والتمويل، وبسقوف على التمويل الخارجي للقوى السياسية، وبفصل الحق في الخدمة العامة عن الولاء لأي جماعة. فإذا انخفض ثمن السيطرة على تعريف الهوية، انخفضت حدة الصراع عليه.

    رابعاً: التمثيل بالمكان لا بالنسب

    يدعو المقال، محقاً، إلى ربط النقاش الدستوري «بمسائل الحكم اللامركزي، والتوزيع العادل للموارد، والمشاركة السياسية، وضمان حقوق الأقاليم». لكن هذه الدعوة تبقى عامة ما لم تجب عن سؤال إجرائي: كيف يُترجم التنوع إلى تمثيل من دون أن يتحول إلى محاصصة قبلية أو طائفية تعيد إنتاج المشكلة؟
    يقترح الميثاق في «الركيزة الرابعة» أن يقوم التمثيل على المكان لا على النسب: وحدات تمثيل جغرافية، وتصويت مرجح يضمن ألا يذوب صوت الأقاليم الأقل كثافة سكانية في أغلبية المركز. والفرق بين المبدأين جوهري في موضوع مقالنا تحديداً؛ فالتمثيل القائم على النسب أو الطائفة يجعل الهوية الدينية والثقافية شرطاً للحضور السياسي، بينما يجعل التمثيل القائم على المكان المواطن حاضراً بصفته ساكناً لأرض ومشاركاً في مصيرها، أياً كان معتقده.

    خامساً: حين يتحول الغموض إلى سياسة – شواهد من التاريخ الدستوري

    العنوان الذي اختاره الأستاذ زهير لأحد أقسام مقاله – «حين يتحول الغموض إلى سياسة» – يصف ظاهرة حقيقية، ويحذر من «اتفاق لفظي لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي للسلطة». لكن المقال يكاد يخلو من الشواهد التاريخية، وهي شواهد تجعل الفكرة محسوسة لقارئ غير متخصص. وأقترح أن نستحضر بعضها:
    قوانين سبتمبر 1983: حين أُعلنت الشريعة في عهد نميري بقرار فوقي في لحظة أزمة سياسية واقتصادية، لا عبر توافق دستوري. وكان ذلك من العوامل التي أسهمت في تفجر الحرب في الجنوب مجدداً.
    الوثيقة الدستورية لعام 2019: التي جاءت بعد الثورة وسكتت تقريباً عن العلاقة بين الدين والدولة، فأُجل السؤال مرة أخرى باسم أولويات الانتقال.
    تعديلات يوليو 2020: التي ألغت عقوبة الردة وجرّمت التكفير ضمن حزمة تعديلات قانونية. وهذا يتصل مباشرة بسؤال الكاتب عن حق الفرد في «تغيير معتقده». غير أن هذه الإصلاحات بقيت قرارات تنفيذية في ظرف انتقالي، ولم تتحول إلى ضمانات دستورية محصنة.
    إعلان أديس أبابا (سبتمبر 2020) وإعلان المبادئ في جوبا (مارس 2021): إذ اتفق رئيس الوزراء حمدوك ثم رئيس مجلس السيادة البرهان مع عبد العزيز الحلو، بصيغ متقاربة، على فصل الدين عن الدولة وعدم تبني الدولة ديناً رسمياً. لكن المبدأ بقي حبيس الوثائق التفاوضية، ولم يجد طريقه إلى دستور أو مؤسسة.
    ميثاق «تأسيس» (نيروبي، 2025): الذي وقعته قوات الدعم السريع وحلفاؤها، ونص بحسب التقارير المنشورة على علمانية الدولة، في مقابل خطاب بورتسودان الذي يستدعي المرجعية الدينية في التعبئة. وهنا يبلغ «الغموض بوصفه سياسة» ذروته: إذ يُستخدم سؤال الدين والدولة لا لحل التناقض، بل لرسم خطوط الاصطفاف في الحرب، وكل طرف يرفع الصيغة التي تمنحه حلفاء.
    تكشف هذه الشواهد أن المشكلة لم تكن يوماً غياب النصوص؛ فقد كتب السودانيون إعلانات كثيرة عن فصل الدين عن الدولة، وأخرى عن مرجعيته. المشكلة أن كل هذه النصوص بقيت معلقة على إرادة من يحكم، بلا جدار يحميها ولا مؤسسة تلزم بها.

    سادساً: التدين الذي لم يمر بالدولة

    يقسم الأستاذ زهير التيارات المعنية بسؤال الدين والدولة إلى ثلاثة اتجاهات: المدني الديمقراطي، والإسلامي، والتوفيقي. وهو تقسيم مفيد لأغراض التحليل، كما يقول الكاتب نفسه. لكنه يغفل نمطاً رابعاً من الحضور الديني، هو في الحقيقة النمط الأقدم والأوسع انتشاراً في السودان: التدين الصوفي والشعبي الذي عاش قروناً في المجتمع من غير أن يمر بالدولة.
    فالإسلام انتشر في سودان وادي النيل، منذ عهد السلطنة الزرقاء على وجه الخصوص، عبر الشيوخ والطرق والخلاوي أكثر مما انتشر عبر السلطان. وقد حفظ كتاب «الطبقات» لود ضيف الله صورة مجتمع تتوزع فيه السلطة الدينية بين مشايخ متعددين، لكل منهم مسيده وأتباعه واجتهاده، ولا يملك أحد منهم احتكار تعريف الدين للجميع. وتعددت الطرق – القادرية والسمانية والختمية والتجانية وغيرها – فكانت التعددية في التأويل واقعاً اجتماعياً قبل أن تكون مطلباً سياسياً. وأدت الخلوة والمسيد وظائف التعليم والوساطة وفض النزاعات وإيواء الغريب، في مجتمع لم تكن الدولة فيه حاضرة في أغلب حياة الناس.
    ولهذه الملاحظة أهمية تتجاوز التاريخ. فهي تعني أن رفض احتكار الدولة لتفسير الدين ليس فكرة مستوردة غريبة عن المجتمع السوداني المتدين، بل هو أقرب إلى الصورة التي عاش بها هذا المجتمع تدينه عبر قرون. والدولة المحايدة إزاء المعتقد لا تصادم هذا التدين، بل تحمي تعدده من أن تبتلعه سلطة واحدة. وهذا جواب جزئي، من داخل التجربة السودانية نفسها، عن السؤال الذي يوجهه الكاتب إلى الاتجاه المدني: كيف يتواصل مع المجتمع المتدين من دون أن يتحول إلى هوية نخبوية مغلقة؟
    غير أن الأمانة تقتضي ألا نجعل من هذه الصورة حنيناً رومانسياً. فالرأسمال الديني للطرق والبيوتات تحول، في القرن العشرين، إلى رأسمال سياسي عبر الأحزاب الطائفية، وهي الطائفية التي يذكرها المقال بين أسباب تعثر التوافق. كما سعت الأنظمة المتعاقبة إلى استمالة المشايخ أو احتوائهم. وهنا تلتقي هذه الملاحظة مع «اقتصاد البوابات» مرة أخرى: فالخطر لم يكن في التدين الأهلي ذاته، بل في اللحظة التي صار فيها هذا التدين مفتاحاً لبوابات الدولة. وما يقترحه الميثاق ليس إقصاء الدين من المجال العام، بل إغلاق الطريق الذي يحول أي رأسمال – دينياً كان أو قبلياً أو مالياً – إلى امتياز في الوصول إلى السلطة والموارد.
    وأود أن أوضح أن هذه الملاحظة اجتماعية وتاريخية في طبيعتها، لا دعوة إلى مرجعية دينية بديلة. فالميثاق يحرص على تأسيس وثائقه السياسية على أرضية فلسفية مدنية يلتقي حولها السودانيون على اختلاف معتقداتهم، وهذا الحرص ذاته من مقتضيات المواطنة التي يدعو إليها الكاتب.

    سابعاً: الحرب وما بعدها ، من التحذير إلى البديل

    يحذر المقال تحذيراً صائباً من أن «التسوية التي تقتصر على توزيع النفوذ بين القوى المسلحة أو النخب السياسية، من دون ضمانات دستورية للمواطنين، قد تعيد إنتاج الأزمة في صورة جديدة». لكنه لا يقدم صورة للمرحلة الانتقالية التي تحول دون ذلك.
    يقترح الميثاق هنا «مبادرة الجسر الانتقالي»: مرحلة انتقالية محددة بسقف زمني أقصاه خمس سنوات، حتى لا يتحول الانتقال إلى حالة دائمة تبرر بقاء من يديرونه، وتكون مهمتها بناء المؤسسات التي ستحمي المواطنة، لا اقتسام المناصب. ويقترن ذلك بـ«العدالة الانتقالية الثلاثية» التي تتعامل مع إرث الانتهاكات على مستويات متعددة من المساءلة والإنصاف والمصالحة، حتى لا يُطلب من الضحايا أن ينسوا باسم السلام، ولا يتحول طلب العدالة إلى انتقام يغلق باب التسوية. فالسؤال الذي يطرحه الكاتب – «من يحكم، وبأي تفويض، وتحت أي رقابة، ولصالح من تُدار المؤسسات والموارد» – لا يُجاب عنه في يوم توقيع الاتفاق، بل في هندسة المرحلة التي تليه.

    ثامناً: المراجعة المتبادلة ومبدأ الافتقار

    يختم الأستاذ زهير مقاله بالدعوة إلى «مراجعة متبادلة»: مراجعة للخطابات التي تخلط بين قداسة الدين ومشروعية الحاكم، وللخطابات التي تتعالى على المجتمع المتدين، وللنخب التي تؤجل القضايا التأسيسية. وهي دعوة نبيلة، لكنها تفترض أن الأطراف ستراجع نفسها طوعاً، والتجربة السودانية لا تشجع كثيراً على هذا الافتراض.
    يقدم الميثاق هنا مفهوم «الافتقار»، أي الاعتماد المتبادل. والفكرة أن الأطراف لا تحتاج إلى أن تتفق فلسفياً لكي تحتكم إلى قواعد مشتركة؛ يكفي أن يدرك كل طرف أنه لا يستطيع أن يحكم السودان وحده، ولا أن يأمن على نفسه إذا حكمه غيره بلا قيود. وهذا ما تقوله، بلغات مختلفة، فكرة «الوجود مع الآخر» عند هايدغر، ومسؤولية الذات تجاه وجه الآخر عند ليفيناس، وفلسفة «أوبونتو» الأفريقية، وأبحاث إلينور أوستروم في كيف تدير الجماعات مواردها المشتركة بقواعد تصنعها بنفسها. فالمراجعة التي يدعو إليها الكاتب تصبح ممكنة حين تتحول من فضيلة نرجوها من النخب إلى مصلحة تفرضها عليهم بنية مؤسسية تجعل الإقصاء مكلفاً والشراكة مجزية.

    خاتمة: دولة تعترف قبل أن تطالب

    ينتهي مقال الأستاذ زهير بعبارة تستحق أن تبقى في الذاكرة: إن المواطن السوداني «ينتظر دولة تعترف به قبل أن تطالبه بالولاء لها». وأتفق معه في ذلك تماماً، وأضيف أن الاعتراف لا يكون بالإعلان وحده. فقد اعترفت الدساتير والإعلانات السودانية بالمواطن مرات كثيرة، ثم سحبت السلطة اعترافها في أول اختبار.
    الاعتراف الذي يصمد هو الذي تحرسه المؤسسات: جدار يمنع تحويل التفويض السياسي إلى سيطرة على أدوات الإكراه، وبوابات مفتوحة بقواعد شفافة لا بالولاءات، وتمثيل يقوم على الأرض المشتركة لا على النسب أو المعتقد، ومرحلة انتقالية محدودة بالزمن والمهمة، وعدالة لا تنسى ولا تنتقم. بهذا تتحول أسئلة «اختبار المواطنة» التي صاغها الكاتب ببراعة إلى بنود دستورية يُحاسب عليها كل من يحكم.
    وليس هذا بديلاً عما كتبه الأستاذ زهير، بل استكمال له؛ فقد أحسن طرح السؤال، والميثاق محاولة متواضعة للمساهمة في الجواب، وهي محاولة مفتوحة للنقد والتطوير بطبيعتها، لأنها ترفض الاكتمال كما ترفض الاحتكار.























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de