الكذب بين القهر والذكاء الاصطناعي في السودان كتبه ادم ابكر عيسي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-28-2026, 02:11 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-23-2026, 06:59 PM

ادم ابكر عيسي
<aادم ابكر عيسي
تاريخ التسجيل: 03-08-2014
مجموع المشاركات: 285

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
الكذب بين القهر والذكاء الاصطناعي في السودان كتبه ادم ابكر عيسي

    06:59 PM October, 23 2026

    سودانيز اون لاين
    ادم ابكر عيسي-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر



    أصداء الوعي




    في خضمّ الصراع السوداني الممتد، الذي تتشظّى فيه البلاد بين خطاب الحرب وأنقاض الدولة، يبرز سؤال ملحّ عن طبيعة الوعي في ظلّ القهر. يقول ابن خلدون في مقدمته إن من كان مرباه بالعسف والقهر حُمِل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه. هذه المقولة، التي تبدو وكأنها كُتبت لتقرأ واقع الحال السوداني، تفتح باباً لفهم كيف يتحوّل الكذب من عيب أخلاقي إلى آلية دفاعية وجودية. غير أن السؤال الأعمق الذي يطرحه، اليوم يتجاوز قراءة ابن خلدون الأولى، ليكشف عن مفارقة أشدّ إيلاماً: فإذا كان القهر يحمل الفرد على الكذب للنجاة، فإن الحرب والانفلات الرقمي يحملان الجماعات على إنتاج سرديات كاذبة أو منقوصة، ليس فقط للنجاة الجسدية، بل للنجاة الرمزية أيضاً.

    يرى ابن خلدون أن القهر يضيّق عن النفس في انبساطها، ويذهب بنشاطها، ويدعوها إلى الكسل، ويحملها على الكذب. وفي واقعنا السوداني، حيث تتوالد الحقائق الجاهزة عبر الشاشات، ويتحول الرأي العام إلى مادة تُصنع لا موقف يُفكَّر فيه، يصبح الكذب أحياناً شرطاً للبقاء. ليس الكذب هنا بمعنى التضليل السياسي المنظّم، بل بمعنى التظاهر بغير ما في الضمير الذي يمارسه الفرد لحماية نفسه أو عائلته أو موقعه في مجتمع انهارت فيه مؤسسات الضبط الاجتماعي الرسمية. حين تصبح الدولة بلا شرطة فعالة وبلا قضاء، يصبح الكذب أحد الأدوات القليلة المتاحة للفرد كي يحمي مساحة ضيقة من الأمان. لكن الكذب لا يقتصر على الفرد، بل يتحول إلى سرديات جماعية تتنافس عليها الأطراف، كل طرف يقدّم روايته بوصفها قدراً لا جدال فيه، حتى يحاصر الناس داخل سرديات مغلقة. هنا تصبح مقولة ابن خلدون أكثر تعقيداً، فإذا كان القهر يحمل الفرد على الكذب، فإن الحرب تحمل الجماعات على إنتاج سرديات كاذبة أو منقوصة، ليس للنجاة الجسدية فحسب، بل للنجاة الرمزية أيضاً. يصف منصور الصويم هذا الواقع في كتابه السرد كفعل اجتماعي في الحرب السودانية، حيث يدعو إلى العدالة السردية كمدخل لتشافي السودانيين، لأن السرد نفسه أصبح ساحة صراع، والذاكرة مهددة بالمحو.

    وهنا المفارقة التي تستحق التوقف عندها. فابن خلدون يرى أن الكذب نتيجة مباشرة للقهر، لكنه لا يرى فيه أي بعد إيجابي. غير أن قراءة السياق السوداني بعيون فلسفية تكشف أن الكذب قد يكون في بعض لحظاته صدىً للوعي، بمعنى أنه تعبير عن رفض داخلي للواقع. حين يقول المثقف السوداني ما لا يعتقده خوفاً من السلطة أو الميليشيا أو الرأي العام المسلّح، فإنه في الوقت نفسه يعي أنه يكذب، وهذا الوعي بالكذب هو الحدّ الأدنى من المقاومة. الكذب الذي يشعر به صاحبه يكشف أن الضمير لم يمت بعد، بخلاف الكذب الذي يمارسه الطرف الذي يصدّق أكاذيبه أو يفرضها بالقوة.

    لكن الصورة تزداد تعقيداً في العصر الرقمي، حيث لم يعد الكذب مجرد فعل فردي يمارسه المقهور للنجاة، بل أصبح صناعة منظمة تتقاطع فيها الإشاعات مع تقنيات الذكاء الاصطناعي. فما يتم بثّه على مواقع التواصل الاجتماعي من مقاطع مصوّرة ونصوص مولّدة آلياً يوحي للقارئ وكأنه صادر عن مصدره الأصلي، دون أن يتدقق أو يتحقق، لينتشر بعد ذلك كالنار في الهشيم. وهنالك غرف مغلقة تعمل بانتظام على اختلاق قصص وروايات محددة، بهدف النيل من الخصوم السياسيين أو تغيير اتجاه الرأي العام نحو مسارات أخرى، عبر خلق سيناريوهات مصطنعة تُقدَّم كأنها حقائق واقعة. وفي غياب تتبّع جادّ للمصدر الحقيقي، تتحول الإشاعة إلى حقيقة رقمية، ويصبح الكذب هنا لا أداة دفاع عن النفس كما في قراءة ابن خلدون، بل سلاحاً هجومياً يُدار بوعي وبرمجة، مما يضاعف من إرباك الوعي الجماعي ويجعل الحقيقة نفسها عرضة للتشكيك. إن أخطر ما في هذا الواقع ليس الكذب بحد ذاته، بل غياب أدوات التحقق، وانعدام المساءلة، وتراجع ثقافة التثبت، وهو ما يجعل أصداء الوعي مهددة بأن تتحول إلى ضجيج لا يُسمع فيه صوت الحقيقة.

    تبقى مقولة ابن خلدون عن القهر والكذب ليست مجرد ملاحظة أخلاقية عابرة، بل مفتاحاً لفهم آلية نفسية واجتماعية عميقة. وفي السودان اليوم، حيث يخضع الوعي نفسه لاختبار قاسٍ، يصبح الكذب أحياناً ثمن النجاة. لكن السؤال الذي يبقى معلقاً هو: متى يتحول الكذب من استراتيجية نجاة فردية إلى مشروع وطني لإعادة بناء الثقة؟ ربما تكمن الإجابة في ما يدعو إليه بعض المفكرين السودانيين من العدالة السردية، أي الاعتراف بأن السرديات كلها جرحت، وأن الطريق إلى الحقيقة لا يبدأ بالحكم على الكذب، بل بفهم الظروف التي جعلته ممكناً، ثم ببناء أدوات جديدة للتحقق والمساءلة، تعيد للإنسان السوداني ثقته في صوته وفي صوته الآخرين.























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de