السودان الجديد ليس مقعداً في حوار السودان القديم: تعقيب علي الواثق كمير حول تأسيس وشرعية الثورة وحد

الأزمة السودانية وأسباب سقوط الأنظمة الديمقراطية! من 1955 إلى حرب أبريل 2023
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-20-2026, 09:28 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-18-2026, 03:45 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 336

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
السودان الجديد ليس مقعداً في حوار السودان القديم: تعقيب علي الواثق كمير حول تأسيس وشرعية الثورة وحد

    03:45 AM October, 17 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر






    السودان الجديد ليس مقعداً في حوار السودان القديم: تعقيب علي الواثق كمير حول تأسيس وشرعية الثورة وحدود التفاوض
    2-2

    17/10/2026 خالدي كودي، بوسطن

    سادساً: من فوّض تأسيس؟ وهل أنصارها خارج الشعب السوداني؟
    يكرر الواثق كمير، ومعه عدد من النخب السياسية والأكاديمية، أن السودانيين وحدهم من يملكون حق تقرير مستقبل دولتهم، متسائلاً: من فوّض حكومة تأسيس لتمثيل السودان الجديد؟
    ونحن نتفق تماماً مع المبدأ، لكن السؤال يكشف تناقضاً يستحق التوقف عنده: من هم السودانيون الذين يستدعيهم الدكتور الواثق كلما اعترض على تأسيس؟ أليس أعضاء تحالف تاسيس وقواه السياسية والمجتمعية سودانيين؟ أليس المواطنون الذين يؤيدون مشروعه، داخل مناطق سيطرته وخارجها، جزءاً من الشعب السوداني؟ أم أن الانتماء إلى الشعب يصبح موضع شك عندما يعبّر المواطنون عن إرادتهم السياسية خارج الأطر التي اعتادت النخب المركزية الاعتراف بها؟
    بطبيعة الحال، لا يعني تأييد بعض المواطنين لتأسيس أنها تمثل جميع سكان السودان او حتي مناطق سيطرتها، ولا تمنحها المظاهرات المؤيدة تفويضاً انتخابياً. لكن غياب التفويض الشامل لا يلغي وجود هؤلاء المواطنين أو حقهم في التنظيم والتعبير عن رؤيتهم لمستقبل الدولة.
    وإذا كان التفويض الديمقراطي هو المعيار، فلنطبقه على الجميع: من فوّض سلطة بورتسودان لتقرير مستقبل السودان؟ ومن منح القيادات العسكرية غير المنتخبة حق تحديد شروط العملية السياسية؟ ومن انتخب التحالفات واللجان المدنية التي تقترح مسارات الحوار وتتحدث باسم السودانيين؟ بل ومن فوّض الأكاديميين وقادة الرأي من النخب بمن فيهم الواثق كمير نفسه تحديد القوى المؤهلة للتعبير عن إرادة الشعب؟
    ليست هذه الأسئلة إنكاراً لأهمية التفويض الشعبي، بل رفضاً لازدواجية المعايير. فلا يستقيم اشتراط الانتخابات للاعتراف بالأهلية السياسية لحكومة تأسيس، بينما تُعامل سلطة بورتسودان بوصفها المرجعية الطبيعية للدولة، رغم افتقارها إلى التفويض الانتخابي نفسه...
    صحيح أن سلطة بورتسودان تسيطر بحكم الأمر الواقع على مؤسسات الدولة، وتتعامل معها أطراف دولية، لكن ذلك لا يمنحها شرعية ديمقراطية. فقد أدان الاتحاد الأفريقي انقلاب 25 أكتوبر 2021، وعلّق مشاركة السودان في أنشطته إلى حين استعادة الحكم المدني، كما رفض في فبراير 2026 إنشاء حكومة تأسيس الموازية ودعا إلى عدم الاعتراف بها.
    غير أن رفض حكومة تأسيس لا يعني الاعتراف بشرعية سلطة بورتسودان أو منحها تفويضاً شعبياً. فالاعتراف بالدولة، والتعامل مع سلطة الأمر الواقع، والشرعية الديمقراطية، مسائل مختلفة لا يجوز الخلط بينها. كما أن عدم الاعتراف بحكومة تأسيس لا يلغي وجودها السياسي الفعلي أو مسؤولياتها تجاه السكان.
    وهنا يبرز سؤال للواثق كمير: إذا كان غياب التفويض الانتخابي ينزع الأهلية السياسية عن حكومة تأسيس، فلماذا لا يُطبَّق المعيار نفسه على سلطة بورتسودان؟ إن استمرارية مؤسسات الدولة لا تمنح السلطة القائمة شرعية ديمقراطية تفتقر إليها، ولا تبرر إخضاع السلطات المتنافسة لمعايير مختلفة.
    وهنا تظهر مشكلة أعمق في تاريخ الفكر السياسي السوداني: فقد اعتادت قطاعات من النخب المركزية التعامل مع مؤسسات الدولة الموروثة بوصفها المصدر الطبيعي للسلطة، بينما تُطالب القوى الناشئة والثورية من الهامش بإثبات أهليتها السياسية بصورة لا تُفرض بالقدر نفسه على قوى المركز. وحين تنتقل شعوب الهامش من المطالبة بالحقوق إلى صياغة مشروع للدولة وبناء مؤسسات تعبر عنه، يعود السؤال التقليدي: من فوّضها؟
    يمكن فهم هذا الاختلال في ضوء مفهوم الهيمنة عند أنطونيو غرامشي؛ إذ لا تقتصر الهيمنة على السيطرة بالقوة، بل تشمل جعل مؤسسات الفئات المهيمنة ومصالحها تبدو تعبيراً طبيعياً عن المصلحة العامة، بينما تُصوَّر البدائل الخارجة عنها باعتبارها استثناءً يحتاج إلى تبرير.
    ولا نفترض أن كل اعتراض على تأسيس ينطلق من انحياز للمركز، أو أن الدكتور الواثق يتبنى هذا المنطق عن قصد. لكن حجته تثير إشكالاً حين تتخذ المؤسسات القائمة مرجعيةً للشرعية، وتُخضع المؤسسات المنافسة لمعيار أشد، رغم أن الطرفين يفتقران إلى التفويض الانتخابي الشامل.
    وهنا سؤالنا للواثق: إذا كانت الدولة السودانية الموروثة تحتاج، كما تفضلت، إلى إعادة تأسيس، فلماذا تصبح مؤسساتها القائمة معياراً للأهلية السياسية، بينما تُطالب القوى الساعية إلى تأسيس بديل بإثبات شرعيتها وفق قواعد النظام الذي تريد تغييره؟
    إن حق تقرير مستقبل السودان لا تحتكره حكومة تأسيس ولا سلطة بورتسودان ولا النخب الأكاديمية والسياسية. إنه حق جميع السودانيين، بمن فيهم الذين اختاروا مشروع السودان الجديد، ولا يجوز تحويل هذا الحق إلى حجة لإقصاء بعضهم من عملية التأسيس نفسها.


    سابعاً: الانحياز إلى حوار البرهان — حين تمنح الإجراءات شرعية للوضع القائم
    لا يدّعي الدكتور الواثق كمير أن سلطة بورتسودان تتمتع بشرعية ديمقراطية، بل ينفي ذلك صراحة. لكن الانحياز السياسي لا يتجلى بالضرورة في المواقف المعلنة، وإنما قد يظهر في اختيار إطار الحوار، وتحديد أطرافه وصفاتهم، والمرجعية المؤسسية التي ينطلق منها.
    وهنا تكمن إشكالية طرحه، في تقديرنا: فحين يُطلب من حكومة تأسيس التخلي عن صفتها المؤسسية والمشاركة بوصفها أحزاباً وحركات سياسية، بينما تحتفظ سلطة بورتسودان بمؤسسات الدولة وموقعها التفاوضي، يصبح الحوار غير متكافئ منذ بدايته. فالطرف الأول مطالب بالتنازل عن وضعه المؤسسي، بينما يدخل الطرف الثاني مستنداً إلى مؤسسات لم تكتسب سلطته عليها تفويضاً ديمقراطياً!
    وتزداد الإشكالية حين يصبح الحفاظ على مؤسسات الدولة القائمة شرطاً للاستقرار، دون التمييز بين المؤسسات العامة الضرورية لحياة المواطنين والبنى السلطوية التي أسهمت في إنتاج الأزمة السودانية. فلا خلاف حول ضرورة استمرار الخدمات الصحية والتعليمية والسجلات المدنية والمرافق العامة، لكن الحفاظ على الدولة لا يعني الحفاظ على علاقات السلطة والامتياز داخل مؤسساتها.
    وهذا هو الفارق الجوهري بين حوار الإصلاح وحوار التأسيس. فالأول ينطلق من المؤسسات القائمة ويبحث عن تعديلات تسمح باستمرار بنيتها الأساسية، بينما ينطلق الثاني من مبادئ المواطنة المتساوية والعلمانية والعدالة التاريخية، ثم يحدد المؤسسات التي يمكن إصلاحها، وتلك التي تستوجب إعادة البناء، وعلاقات السلطة التي ينبغي إنهاؤها.
    وفي هذا السياق، تكتسب أفكار باولو فريري في كتابه تعليم المقهورين (1970) أهمية خاصة؛ فالتحرر، في تصوره، لا يُمنح للمضطهدين من خارج تجربتهم، بل يتحقق بمشاركتهم الفاعلة في تغيير الشروط التي أنتجت اضطهادهم. وبالمثل، لا ينبغي أن تظل شعوب الهامش السوداني في انتظار دعوة من المركز للمشاركة في تقرير مستقبل الدولة، بعدما أصبحت تمتلك مشاريعها السياسية ومؤسساتها ورؤيتها لإعادة تأسيسها.
    لسنا ضد الحوار، بل نرى ضرورته لإنهاء الحرب وبناء السلام. لكن الحوار يفقد طبيعته التأسيسية عندما يتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع السلطة داخل مؤسسات السودان القديم، بدلاً من تغيير الأسس التي قامت عليه..
    وهنا جوهر خلافنا مع الواثق: لا يمكن لحوار أن يؤسس دولة جديدة إذا كان يطالب القوى الساعية إلى تغيير النظام القائم بالتخلي عن مواقعها المؤسسية، بينما يمنح القوى المسيطرة على مؤسسات الدولة القديمة أفضلية تفاوضية باسم الاستقرار واستمرارية الدولة. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بتحصين البنية التي أنتجت الأزمة، وإنما بإعادة تأسيس الدولة مع ضمان استمرار وظائفها العامة وحماية حقوق مواطنيها.

    ثامناً: اتفاق جوبا والسلام المنقوص — لماذا رفضت الحركة الشعبية التسويات الجزئية؟
    يميز الواثق كمير بين حركات اتفاق جوبا وتحالف تأسيس، معتبراً أن الأولى اختارت الانتقال من العمل المسلح إلى السياسة، بينما يسعى الثاني إلى تحويل السيطرة العسكرية إلى سلطة سياسية. غير أن هذا التمييز علي علاته وخطله يغفل الخلاف الأساسي بين مشروع السودان الجديد والتسويات التي تركز على تقاسم السلطة دون معالجة جذور الصراع.
    فالحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، لم ترفض اتفاق جوبا حينها لأنها تعارض السلام أو العمل السياسي، بل لأنها رأت أنه لم يعالج القضايا الدستورية المؤسسة للحرب، وفي مقدمتها العلمانية، والمواطنة المتساوية، وإنهاء التمييز، وضمان الحقوق والحريات الأساسية. فمن منظورها، لا تكفي المشاركة في السلطة أو إعادة توزيع الثروة إذا ظلت الأسس السياسية والدستورية للإقصاء قائمة.
    ويقدم التاريخ السوداني شواهد على محدودية التسويات التي لا تضمن تحولاً مستداماً. فقد أوقفت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 الحرب في الجنوب، لكن تقويض ترتيبات الحكم الذاتي ساهم في تجددها. وقدمت اتفاقية السلام الشامل عام 2005 ترتيبات دستورية وسياسية واسعة، لكنها لم تحقق الوحدة الجاذبة، وانتهت باستقلال جنوب السودان عام 2011. أما اتفاق جوبا لعام 2020، فقد أتاح مشاركة عدد من الحركات في الحكم، دون أن يحقق السلام الشامل أو يستكمل الإصلاحات المؤسسية والأمنية المنشودة، والواقع يثبت هذا.
    ولا يعني ذلك التقليل من أهمية هذه الاتفاقات، وإنما التمييز بين وقف القتال ومعالجة أسبابه. وهو ما يقترب من تمييز يوهان غالتونغ الذي نشير اليه باستمرار بين السلام السلبي، بوصفه غياباً للعنف المباشر، والسلام الإيجابي الذي يتطلب معالجة الظلم البنيوي والمؤسسي
    ومن هنا، فإن تمسك الحركة الشعبية بالعلمانية والمواطنة المتساوية ليس عقبة أمام السلام، بل تعبير عن تصورها لشروط استدامته. فما جدوى إنهاء الحرب باتفاق سياسي إذا ظلت القواعد التي أنتجتها قابلة لإعادة إنتاجها؟
    وهذا لا يعني رفض التسويات أو المطالبة باستمرار السلاح، وإنما رفض اختزال السلام في تقاسم المناصب والترتيبات الأمنية دون ضمانات دستورية تعالج أسباب الصراع.
    وعليه، فإن معيار نجاح اتفاق السلام لا ينبغي أن يقتصر على انتقال الحركات إلى مؤسسات الحكم، بل يجب أن يشمل مدى نجاح الاتفاق في تغيير الشروط السياسية والدستورية التي أدت إلى الحرب.

    تاسعاً: الفصل بين المدني والعسكري — حين يصبح الشكل بديلاً عن مضمون المشروع
    يوضح الواثق أن دعوته إلى الفصل بين المسارين العسكري والسياسي تقوم على التمييز الوظيفي بينهما، مع الحفاظ على ترابطهما. وهذا تمييز مقبول من حيث تنظيم التفاوض، لكنه يثير سؤالاً أساسياً حول المرجعية السياسية والدستورية التي تحكم المسارين.
    فمن الطبيعي أن تتولى القيادات العسكرية المختصة مناقشة وقف إطلاق النار وانتشار القوات والترتيبات الأمنية، بينما تناقش القوى المدنية والسياسية قضايا الحكم والدستور. غير أن هذا التوزيع للاختصاصات لا ينبغي أن يحوّل القضايا الأمنية إلى ملف تقني منفصل عن طبيعة الدولة وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية.
    لقد شهد السودان تاريخاً طويلاً من تداخل الجيش والسياسة، واستخدام المؤسسة العسكرية للاستيلاء على السلطة وفرض مشاريع أيديولوجية وحماية مصالح قوى سياسية واجتماعية. ولذلك فإن إعادة بناء جيش قومي مهني واحد، يخضع للسلطة الدستورية ولا يدين بالولاء لحزب أو عقيدة دينية أو جماعة اجتماعية، هي قضية سياسية ودستورية بقدر ما هي أمنية.
    وهنا تظهر محدودية التعامل مع الحركات المسلحة انطلاقاً من صفتها العسكرية وحدها. فالحركة الشعبية مثلا لم تنشأ مؤسسة عسكرية تبحث عن دور سياسي، بل حركة تحرر ذات مشروع سياسي اتخذ نضالها شكلاً مسلحاً في سياق مواجهتها مع الدولة. ومن ثم، فإن حصر مشاركتها في أي تفاوض حول السلاح والترتيبات الأمنية يتجاهل طبيعتها السياسية وأسباب نشأتها.
    فكيف يُطلب من الحركة التفاوض بشأن أدوات مقاومتها، بينما يُحال المشروع السياسي الذي قامت من أجله إلى مسار آخر قد لا يعترف بمبادئه الأساسية؟ (الكلام ده ما بيبقي)!
    وتزداد المفارقة عندما تصبح الصفة المسلحة سبباً للتشكيك في الأهلية السياسية، بينما لا تواجه القوى المدنية التي ساندت الانقلابات أو شاركت في حماية الأنظمة العسكرية مساءلة مماثلة عن أدوارها التاريخية.
    ولا يعني ذلك منح الحركات المسلحة امتيازاً سياسياً أو إعفاءها من المسؤولية عن انتهاكاتها. فالمدنية ليست ضمانة للديمقراطية، كما أن حمل السلاح لا يمنح صاحبه شرعية تلقائية. والمعيار في الحالتين هو طبيعة المشروع السياسي، واحترام حقوق الإنسان، والاستعداد للمساءلة، والالتزام بخضوع السلطة لإرادة المواطنين.
    والخلاف مع الواثق هنا ليس حول ضرورة تنظيم المسارات التفاوضية وفق اختصاصاتها، بل حول عدم تحويل هذا التنظيم الإجرائي إلى وسيلة لفصل الحركات المسلحة عن مشاريعها السياسية. فالمطلوب أن تتكامل المسارات العسكرية والسياسية والمدنية ضمن عملية تأسيسية واحدة، دون أن تحتكر أي قوة تحديد مستقبل الدولة أو تُستبعد منه لمجرد طبيعة تنظيمها.

    عاشراً: الوحدة الطوعية وتقرير المصير — هل تُفرض الوحدة باسم الديمقراطية؟
    يتساءل الواثق كمير عن الجهة المخولة بممارسة حق تقرير المصير، والوحدات السياسية والجغرافية المعنية به، والآليات والضمانات المنظمة لممارسته. وهي أسئلة دستورية مشروعة، لكنها لا ينبغي أن تحجب المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه مشروع السودان الجديد: لا يمكن تأسيس وحدة وطنية عادلة على الإكراه السياسي أو الديني أو الثقافي.
    لقد أظهر تاريخ السودان أن فرض هوية واحدة واحتكار المركز للسلطة والثروة لم يضمنا وحدة البلاد، بل أسهما في تعميق الانقسامات. فالوحدة ليست مجرد المحافظة على الحدود، وإنما علاقة سياسية تقوم على المواطنة المتساوية والإرادة الحرة في العيش المشترك.
    ومن هذا المنطلق، لا تعني الوحدة الطوعية في مشروع السودان الجديد الدعوة إلى الانفصال، بل إعادة تأسيس الوحدة على قواعد تجعلها خياراً عادلاً وجاذباً. وقد عبّر الفيلسوف إرنست رينان، في محاضرته ما الأمة؟ (1882)، عن أهمية الإرادة المشتركة في تكوين الأمة، بدلاً من اختزالها في وحدة الأصل أو اللغة أو الدين.
    وعليه، فإن السؤال ليس كيف نفرض استمرار وحدة السودان، بل كيف نبني دولة ترغب شعوبها في البقاء ضمنها.
    ولا يتعارض هذا المبدأ مع ضرورة تحديد أصحاب حق تقرير المصير، ونطاق ممارسته، وإجراءاته القانونية، وضمان حقوق الأقليات، والتأكد من أن القرار يعبر عن الإرادة الشعبية الحرة، لا عن إرادة القيادات السياسية أو العسكرية. فهذه الضمانات ضرورية لتنظيم ممارسة الحق وفق القانون الدولي، لكنها لا تبرر إنكار المبدأ أو فرض الوحدة بالقوة.
    لقد أكد انفصال جنوب السودان عام 2011 أن المحافظة على الحدود لا تكفي لضمان الوحدة ما لم تقم الدولة على أسس المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع. فالوحدة المستدامة تُبنى بالعدل والرضا، لا بالإكراه.

    حادي عشر: النخب السودانية ومشكلة تأجيل العدالة — من يملك حق تحديد توقيت التغيير؟
    تثير مناقشة الواثق كمير إشكالية أوسع تتعلق بموقف بعض النخب السياسية والفكرية السودانية من التحولات التي تنشأ خارج مؤسسات المركز وأطره التقليدية.
    فالعلاقة التاريخية غير المتكافئة بين المركز والهامش لم تقتصر على احتكار السلطة والثروة، بل شملت أيضاً احتكار تعريف الوطنية، وتحديد المطالب المشروعة، ورسم حدود التغيير المقبول. وقد مكّن القرب من مؤسسات الحكم والتعليم والإعلام بعض النخب المركزية من تقديم رؤيتها بوصفها تعبيراً عن المصلحة الوطنية، بينما جرى تصوير مطالب شعوب الهامش باعتبارها قضايا جهوية أو استثنائية
    ومع صعود حركات التحرر، لم تعد شعوب الهامش مجرد جماعات تطالب المركز بالإنصاف، بل أصبحت فاعلاً سياسياً يطرح تصوراً بديلاً للدولة. وهكذا انتقل الخلاف من المطالبة بالمشاركة في السلطة إلى مساءلة الأسس التي قامت عليها السلطة نفسها.
    وتظهر المفارقة حين تعترف بعض النخب بالمظالم التاريخية، لكنها تشترط معالجتها عبر المؤسسات والإجراءات التي ساهمت في استمرارها، أو تجعل الاعتراف بالحقوق الأساسية مرهوناً بتوافق قد تملك القوى المستفيدة من الوضع القائم القدرة على تعطيله.
    فهل يعني الشمول الديمقراطي مشاركة الجميع في بناء دولة المساواة، أم منح القوى السياسية حق الاعتراض على المساواة ذاتها؟
    إن الشمول ضروري لتحديد السياسات والمؤسسات وآليات الحكم، لكنه لا يعني إخضاع الحقوق الأساسية لموافقة القوى السياسية. فالمواطنة المتساوية وحرية الاعتقاد وعدم التمييز ليست امتيازات تمنحها الأغلبية للأقليات، بل مبادئ لا تستقيم الديمقراطية دونها.
    وقد كشف إيمي سيزير، في كتابه خطاب حول الاستعمار (1950)، كيف يمكن للخطاب الأخلاقي والحضاري أن يتعايش مع علاقات الهيمنة عندما يتجنب مواجهة أسسها الفعلية. وفي السودان، قد تتجلى مفارقة مشابهة في خطاب يتبنى السلام والعدالة والمواطنة، لكنه يؤجل ضماناتها الدستورية إلى حوار مفتوح دون تحديد ما لا يجوز التراجع عنه من حقوق!!
    وهنا يكمن خطر أن تتحمل شعوب الهامش كلفة المقاومة والتضحيات، ثم تُطالب بالعودة إلى نقطة البداية، بينما تحتفظ النخب التقليدية بسلطة إدارة التسوية وتحديد حدود التغيير!!
    ولا يعني ذلك أن كل دعوة للحوار تهدف إلى تعطيل العدالة، أو أن كل خلاف حول الإجراءات يخفي دفاعاً عن الامتيازات. لكن جدية الحوار لا تُقاس بشعارات الشمول والتوافق، بل بقدرته على ضمان الحقوق وتغيير علاقات السلطة التي أنتجت الإقصاء والحروب
    والسؤال الذي ينبغي أن تواجهه النخب السودانية هو: هل سيكون الحوار وسيلة لمشاركة شعوب السودان على قدم المساواة في إعادة تأسيس دولتهم، أم إطاراً تحتفظ فيه القوى التقليدية بحق تحديد متى وكيف يُعترف لتلك الشعوب بحقوقها؟

    ثاني عشر: شرعية الثورة لا تعني حصانة الثوار
    هل تكفي عدالة المشروع التأسيسي لمنح القوى التي تتبناه شرعية مطلقة؟ الإجابة قاطعة: لا.
    فعدالة القضية لا تعني بالضرورة مشروعية كل الوسائل المستخدمة لتحقيقها، ولا تمنح الثوار حصانة من المساءلة. وإلا تحولت الثورة إلى سلطة تعيد إنتاج القمع الذي قامت لمقاومته.
    وعليه، فإن الحركة الشعبية وتحالف تأسيس وجميع القوى المنضوية فيهما مطالبة بالالتزام بالمبادئ التي تعلنها، وحماية المدنيين، وضمان الحريات العامة والمشاركة السياسية، ومنع التمييز، والمساءلة عن الانتهاكات. وينطبق المعيار نفسه على القوات المسلحة السودانية والدعم السريع وسائر القوى المسلحة، دون استثناء.
    فلا يجوز استخدام انتهاكات أي قوة لإنكار الحقوق المشروعة للمجتمعات التي تدّعي تمثيلها، كما لا يجوز اتخاذ مظالم تلك المجتمعات ذريعة لتبرير الانتهاكات أو الإفلات من العقاب.
    ومن هنا، ينبغي تقييم شرعية حكومة تأسيس وفق معايير متكاملة تشمل طبيعة مشروعها السياسي، ومدى التزامها الفعلي به، وتمثيلها للمجتمعات الخاضعة لإدارتها، واحترامها للحقوق والحريات، وقدرتها على حماية السكان وتقديم الخدمات، واستعدادها للانتقال إلى نظام ديمقراطي يقوم على المبادئ فوق الدستورية.
    وهذا أكثر دقة من اختزال شرعيتها في ظروف نشأتها أثناء الحرب، كما يفعل الأخ الواثق كمير وبعض النخب السياسية والأكاديمية، أو منح سلطة بورتسودان أفضلية لمجرد سيطرتها على مؤسسات الدولة الموروثة.
    فالشرعية الديمقراطية لا يمنحها السلاح، ولا تورثها مؤسسات الدولة، ولا يصنعها الاعتراف الخارجي وحده. وإنما تتأسس على معالجة أسباب الصراع، وضمان الحقوق الأساسية، وبناء مؤسسات دستورية وتمثيلية تتيح للمواطنين ممارسة إرادتهم بحرية ومساواة.
    لكن الوصول إلى هذه الشرعية لا يبدأ من فراغ تاريخي، ولا يقتضي إنكار النضالات المسلحة والسلمية التي جعلت المطالبة بهذه الحقوق قضية وطنية لا يمكن تجاوزها. فالمطلوب ليس منح الثورة المسلحة حصانة من النقد، بل إخضاع ممارساتها للمبادئ التي قامت من أجلها، دون نزع المشروعية عن تلك المبادئ بسبب أخطاء او تجاوزات بعض من يحملونها.

    ثالث عشر: ما الذي يقبل التفاوض، وما الذي لا يجوز التنازل عنه؟ — الحقوق أساس التسوية وليست موضوعاً للمساومة
    لا يقوم مشروع السودان الجديد المتمثل في تأسيس على رفض الحوار أو التفاوض، بل على التمييز بين الحقوق والمبادئ التي تؤسس الدولة، والترتيبات السياسية والمؤسسية التي تنظم ممارستها. فالتفاوض ضرورة لإنهاء الحرب وبناء السلام، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مساومة على الأسباب التي نشأ مشروع السودان الجديد لمعالجتها: التمييز الديني والثقافي، واحتكار السلطة والثروة، والتهميش التاريخي، وغياب المواطنة المتساوية.
    إن جوهر مشروع السودان الجديد ليس استبدال نخبة حاكمة بأخرى، أو إعادة توزيع المناصب بين المركز والهامش، وإنما إعادة تأسيس الدولة على قواعد تضمن المساواة والحرية والعدالة لجميع السودانيين. ولذلك فإن العلمانية، والديمقراطية، والمواطنة المتساوية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، والوحدة الطوعية، وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة الدستورية، ليست مطالب منفصلة، بل مبادئ مترابطة لمعالجة جذور الأزمة السودانية.
    ولهذا التصور أساس فلسفي وقانوني. فقد أكد إيمانويل كانط أن الإنسان غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق مصالح الآخرين، بينما جعل جون رولز الحريات الأساسية المتساوية في صميم نظريته عن العدالة. وعلى المستوى القانوني، يقرر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهدان الدوليان لعام 1966، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لعام 1981، مبادئ المساواة والكرامة الإنسانية وعدم التمييز، ويقرران حقوقاً وحريات لا يجوز إخضاع جوهرها لمساومات السلطة.
    ومن هذا المنطلق، يطرح مشروع السودان الجديد المبادئ فوق الدستورية بوصفها ضمانات عليا يُراد إقرارها في النظام الدستوري الجديد، لحماية الحقوق الأساسية من تقلبات الأغلبية السياسية ومن عودة الاستبداد والتمييز. ولا يعني ذلك إلغاء النقاش الديمقراطي، بل تحديد الأساس الحقوقي الذي ينبغي أن يجري في إطاره.
    يمكن التفاوض حول وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وتوزيع السلطات والموارد، والنظام الانتخابي، وإصلاح المؤسسات، والترتيبات الأمنية، والضمانات الدولية لتنفيذ الاتفاقات. فهذه قضايا تتعدد فيها الخيارات والآليات.
    أما المبادئ التي يقوم عليها مشروع السودان الجديد، فلا ينبغي أن تصبح موضوعاً للمقايضة السياسية:
    - العلمانية والمواطنة المتساوية: يمكن مناقشة التطبيقات الدستورية والمؤسسات الضامنة للفصل بين الدين والدولة، لكن لا يجوز أن يكون الانتماء الديني أو عدمه أساساً للحقوق السياسية أو المدنية، أو أن تُفرض عقيدة دينية على المواطنين باسم الدولة.
    - الديمقراطية والحقوق الأساسية: يمكن التفاوض حول شكل النظام السياسي والانتخابات وتوزيع الاختصاصات، لكن لا يجوز الانتقاص من حرية الاعتقاد والتعبير والتنظيم أو من المساواة أمام القانون.
    - اللامركزية والعدالة التاريخية: يمكن الاتفاق على شكل الحكم اللامركزي و الفيدرالي وحدود الأقاليم وآليات توزيع الموارد، وحدود التفضيل الإيجابي، لكن لا يجوز إعادة إنتاج احتكار المركز للسلطة والثروة أو تجاهل حقوق المجتمعات التي تعرضت للتهميش والإقصاء.
    - الوحدة الطوعية وتقرير المصير: يمكن التفاوض حول الإجراءات والضمانات القانونية لممارسة تقرير المصير، وفقاً للقانون الدولي، لكن لا يجوز فرض الوحدة بالقوة أو إنكار الحقوق المتساوية للشعوب والمجتمعات المختلفة. ولا يعني الاعتراف بالمبدأ أن القانون الدولي يقرر حقاً تلقائياً وغير مشروط لكل جماعة في الانفصال.
    - الجيش القومي المهني: يمكن التفاوض حول الدمج والتسريح وإعادة الهيكلة والترتيبات الأمنية، لكن لا يجوز الإبقاء على جيش يخضع لحزب أو جماعة دينية أو مشروع أيديولوجي، أو يُستخدم لفرض السلطة على المواطنين خارج الضوابط الدستورية.
    وهنا تتضح أهمية التمييز بين سلام الترميم وسلام التأسيس. فسلام الترميم قد يوقف القتال ويعيد توزيع السلطة داخل المؤسسات القائمة، بينما يسعى سلام التأسيس، كما يتصوره مشروع السودان الجديد، إلى تغيير القواعد التي جعلت الحرب والتمييز والإقصاء ظواهر متكررة في تاريخ الدولة السودانية.
    ولا يعني التمسك بهذه المبادئ أن الحركة الشعبية أو تحالف تأسيس يمتلكان وحدهما حق تفسيرها أو فرضها على المجتمع. بل إن مصداقية مشروع السودان الجديد تتطلب خضوع القوى التي تتبناه للمبادئ نفسها، واحترام حقوق المواطنين، والمساءلة عن الانتهاكات، والقبول بمؤسسات ديمقراطية تضمن المشاركة السياسية الحرة.
    فالقضية ليست فرض مشروع سياسي باسم الثورة، وإنما منع إعادة إنتاج دولة تستطيع فيها أي أغلبية أو سلطة أن تنكر المساواة والحرية والكرامة عن جزء من مواطنيها.
    ومن ثم، فإن جوهر التفاوض التأسيسي ليس تحديد ما تتنازل عنه شعوب السودان من حقوقها مقابل السلام، بل الاتفاق على كيفية بناء دولة تكفل تلك الحقوق وتحميها للجميع. فالحقوق ليست ثمناً للسلام؛ إنها الأساس الذي يجعل السلام عادلاً وقابلاً للاستمرار.
    وتجد هذه الرؤية سنداً في المادة الأولى المشتركة للعهدين الدوليين لعام 1966 بشأن تقرير المصير، وفي مواد الميثاق الأفريقي التي تقر المساواة بين الشعوب وحقوقها في تقرير مصيرها والتنمية والانتفاع بمواردها. غير أن تحويل هذه الحقوق إلى ترتيبات دستورية سودانية محددة يظل مسؤولية عملية تأسيسية تشاركية، تراعي القانون الدولي وحقوق جميع المواطنين.

    خاتمة: ليس المطلوب أن يسمح السودان القديم بمناقشة السودان الجديد
    يختتم الواثق كمير مقاله بسؤال: كيف نمنع الحرب من أن تصبح الوسيلة التي تحدد من يملك حق إعادة تأسيس الدولة؟
    ونحن نرى أن السؤال مشروع، لكنه لا يكتمل إلا بسؤال آخر: كيف نمنع القوى التي احتكرت الدولة، واستخدمت مؤسساتها وسلاحها لحماية امتيازاتها، من أن تصبح هي المرجعية التي تحدد شروط إعادة تأسيسها؟
    إن الخطر لا يكمن فقط في تحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية سياسية، وإنما أيضاً في تحويل السيطرة التاريخية على مؤسسات الدولة إلى امتياز دائم في تقرير مستقبلها... ولا مش كده؟
    ولذلك فإن نقدنا لأطروحة الاخ الواثق كمير لا يقوم على رفض الحوار أو الديمقراطية أو الشرعية الشعبية. بل على العكس، يقوم على ضرورة تأسيس هذه المفاهيم على قاعدة المواطنة المتساوية، لا على علاقات القوة الموروثة والامتيازات التاريخية.
    لقد كانت ثورة السودان الجديد، منذ نشأتها، ثورة سياسية واجتماعية ضد بنية الدولة التي أنتجت الحروب والتمييز. ولم يكن حمل السلاح هو الذي منحها أهدافها، وإنما كانت طبيعة الدولة ووسائل قمعها من دفعت المهمشين إلى الثورة والمقاومة المسلحة.
    ولم يناضل أهل جبال النوبة والنيل الأزرق، ولا غيرهم من شعوب السودان التي عانت الإقصاء، لكي يحصلوا بعد عقود من التضحيات على مقعد في مؤتمر يناقش ما إذا كانوا يستحقون المواطنة المتساوية.
    لقد ناضلوا لأنهم مواطنون متساوون في الكرامة والحقوق، ولأن الدولة التي يفترض أن تحمي هذه الحقوق تحولت، في ، إلى أداة لإنكارها وقمع من يطالب بها بالقوة.
    وهذا هو الفارق بين تصورنا للسودان الجديد والتصور الذي ننتقده في مقال الواثق كمير.
    إن السودان الجديد ليس اسماً لحكومة بعينها، ولا مشروعاً تحتكره قوة سياسية، ولا نتيجة حتمية لانتصار عسكري. إنه مشروع لإعادة تأسيس الدولة على قواعد تجعل المواطنة المتساوية والحقوق الأساسية أساساً للسلطة ومصدراً لشرعيتها، وتخضع المؤسسات لخدمة المواطنين لا للهيمنة عليهم.
    أما حكومة تأسيس، فإن قيمتها السياسية والتاريخية لا تتحدد بمجرد إعلان تبنيها لهذا المشروع، بل بقدرتها على ترجمة مبادئه إلى مؤسسات وممارسات تضمن العدالة والحرية والمساواة والمساءلة.
    وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول نقد حكومة تأسيس، مهما كانت مشروعيته، إلى ذريعة لنزع الشرعية عن الحقوق التي ناضلت شعوب الهامش من أجلها، أو لإعادة إنتاج مؤسسات السودان القديم تحت شعارات الحفاظ على الدولة والحوار والشمول والتوافق والسلام.
    وهنا نضع أمام الاخ الواثق كمير سؤالاً جوهرياً: هل ينبغي أن يكون الحوار وسيلة لضمان المساواة التي حُرم منها السودانيون تاريخياً، أم محكمة جديدة يُطلب فيها من ضحايا التمييز إثبات استحقاقهم لحقوقهم؟ وهل يمكن تحقيق سلام مستدام دون ضمانات دستورية تمنع العودة إلى البنية السياسية التي أنتجت الحروب؟ ولماذا يصبح نضال الشعوب من أجل حقوقها موضع تشكيك في أهليتها السياسية، بينما لا يخضع احتكار مؤسسات الدولة والسلطة التاريخي للمساءلة بالمعيار نفسه؟
    إننا لا نطالب بتحصين الثورة من النقد، بل نرفض أن يصبح نقد ممارسات القوى الثورية وسيلة لإنكار عدالة مطالبها أو إعادة الحقوق الأساسية إلى طاولة المساومة. كما أننا لا ندعو إلى إقصاء القوى المختلفة مع مشروع السودان الجديد، وإنما إلى ضمان حق الجميع في التنافس السياسي داخل دولة لا تستطيع فيها أي أغلبية أو سلطة انتزاع حقوق المواطنة المتساوية من خصومها.
    لقد دفعت شعوب السودان ثمناً باهظاً من الحروب والنزوح والتهميش، ولا ينبغي أن تنتهي هذه التضحيات إلى اتفاق آخر لتقاسم السلطة داخل البنية التي أنتجت المأساة.
    فالسلام الذي يستحق هذه التضحيات ليس مجرد عودة مؤسسات السودان القديم إلى العمل، بل قيام دولة لا يضطر فيها المواطن إلى حمل السلاح حتى يُعترف بإنسانيته وحقوقه.
    وهذا، في تقديرنا، هو جوهر مشروع السودان الجديد، والمعيار الذي ينبغي أن تُقاس به مواقف وممارسات جميع القوى التي تعلن التزامها به.

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de