القطة الأولى رأيناها عندما همّ لامين يامال بمصافحة الحكام ولاعبي غلطة سراي، فتشبث به الطفل الذي رافقه عند دخول اللاعبين إلى الملعب.
طلب الصغير من يامال أن يهديه سترته.
فهل تردد يامال، أو تظاهر بالاستعجال، وطلب من الصغير الانتظار إلى ما بعد نهاية المباراة، كما يفعل لاعبون آخرون في حالات مشابهة؟
لم يفعل. بل توقف في الحال وبدأ في خلع سترته، بينما نظر إليه الحكام، الذين كانوا ينتظرون مصافحته باعتباره آخر اللاعبين، بإعجاب واضح وهو يتجاوب مع طلب معجبه الصغير.
سلّم يامال سترته للصغير وعانقه، ليطير الطفل فرحاً بغنيمته الثمينة، وظني أنه لم ينم ليلتها من شدة الفرح.
قد يبدو الفعل بسيطاً، لكنه كبير في معناه ودلالته الإنسانية.
أما اللقطة الرائعة الاخرى، فقد شاهدناها بعد انتهاء المباراة.
وكلكم تذكرون تصريح ليمينا، لاعب غلطة سراي، عندما سُئل عن يامال قبل المباراة، فرد قائلاً: "من هو يامال؟ لا أعرفه، أنا أعرف سانيه".
ولم يكتفِ ليمينا بذلك التصريح، الذي قصد به استفزاز يامال والتأثير عليه نفسياً قبل المباراة، بل زاد عليه بعد إطلاق صافرة البداية، إذ قال له في وجهه: "مرحباً بك في الجحيم، لن تقدم شيئاً اليوم".
لكن ما الذي حدث بعد كل تلك المحاولات الاستفزازية؟
تعانق اللاعبان بعد نهاية المباراة، وحيا يامال طفلي خصمه ليمينا والتقط معهما صورة سيلفي، فهما من معجبيه ومحبيه.
تؤكد القطتان عظمة هذا الفتى، وما يتمتع به من عقلية احترافية تتجاوز سنوات عمره بكثير.
نسمع كثيراً عن اللاعب "القدوة" الذي يحتذي به الآخرون، لكن أن تجد نجماً قدوة وهو في التاسعة عشرة من عمره، فهذا يعطينا مؤشراً على أننا أمام أسطورة قادمة لا محالة.
فلا يزال الوقت مبكراً في مسيرة يامال، ومع ذلك نراه يأتي بمثل هذه التصرفات العظيمة، متجاوزاً حالة الإعجاب بالنفس التي كثيراً ما تسيطر على النجوم خلال سنواتهم الأولى في عالم الاحتراف.
لقد "فات يامال الكبار والقدرو" ، لا بمهارته وحدها، بل أيضاً بسلوكه الراقي، الذي يؤكد أن للأمهات دوراً كبيراً ومؤثراً في تربية الأبناء. وكلنا يعلم أن ارتباط يامال بوالدته وجدته لأبيه ربما كان أكبر من ارتباطه بوالده.
كما أن للبيئة المحيطة أثراً بالغاً في تكوين النجوم، ومن الواضح أن المحيطين بيامال يساعدونه على تقديم الأفضل دائماً.
لاحظت أن كثيراً من المنشورات التي كتبها سودانيون وعرب على فيسبوك أخطأت في تناول تصريحات ليمينا، وراحت تشمت فيه، في حين أن صاحب الشأن نفسه عانقه بعد انتهاء اللقاء.
نخطئ كثيراً حين نظن أن هؤلاء المحترفين الحقيقيين يفكرون بطريقتنا ويتصرفون كما نتصرف.
فالجابوني، حين أطلق تلك التصريحات، لم يكن بالضرورة يقصد التقليل من موهبة يامال، بقدر ما كان يحاول استخدام سلاح نفسي يساعده على الحد من خطورته، لإدراكه التام أن يامال قادر على إزعاج فريقه وتهديد مرماه.
لكن بعد أن انتهى كل شيء، ورغم أن يامال كان من أبرز أسباب خسارتهم، لم يحمل ليمينا تجاهه أي ضغينة، بل صافحه وعانقه بكل ود، فبادله يامال التحية بمثلها، قبل أن يتصور طفلا ليمينا مع النجم الشاب. ولو كانا يفكران ويتصرفان مثلنا، لربما منعهما والدهما من ذلك!
أما لماذا أفردت مساحة مقال اليوم لهاتين اللقطتين، فالهدف هو أن يستفيد لاعبونا من مثل هذه التجارب، وأن ينتبه جمهور الكرة في بلدنا إلى حقيقة مهمة، وهي أن التنافس في كرة القدم لا يعني العداء.
فما أكثر لاعبي الكرة السودانيين الذين ما إن ينضم أحدهم إلى الهلال أو المريخ، حتى تجده قد غيّر مشيته، وبدّل أصدقاءه، وبدأ يرتاد مقاهي الشيشة وصالات الحفلات وغيرها من الأماكن التي تنتقص من قيمته، بدلاً من أن تضيف إليه.
قليلون هم لاعبونا الذين يُحسنون التعامل مع النجومية، والسبب يرتبط في الغالب بالبيئة المحيطة والإعلام.
فنحن إذا سجل لاعب هدفاً جميلاً، ولو خلال التدريب، جعلنا منه مانشيتاً تبرزه بعض الصحف لأيام، ودبّجنا حوله المقالات، سعياً إلى جذب المزيد من القراء العاطفيين، دون أن نفكر في الضرر الذي قد يلحق بلاعب هش عاطفياً وغير ناضج ذهنياً.
حتى نجوم الطرب والعاملون في المجالات الأخرى يجدون صعوبة كبيرة في التعامل مع النجومية المفاجئة. وما لجوء كثير من المطربات إلى الاستعانة بالحراس الشخصيين، والتباهي بالهواتف الحديثة، إلا دليل على ذلك، كما ذكرت غير مرة.
فهل يستفيد بعض لاعبينا مما يقدمه يامال وغيره من نجوم الكرة العالمية من نماذج يُحتذى بها خارج المستطيل الأخضر؟ أتمنى ذلك.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة