- سياسة الإلهاء هي أن تشغل الناس بقضية جانبية بينما تمرر القضايا الأساسية بعيداً عن أعينهم أن تفتح معركة كلامية حول تصريح عابر وتترك الأزمات الحقيقية بلا إجابات أن يتصدر المشهد جدل حول الأشخاص بينما تغيب الأسئلة عن القرارات والنتائج والمسؤوليات. حين ترتفع الأسعار وتتسع دائرة الفقر وتتراجع الخدمات ويبحث المواطن عن أبسط حقوقه قد يتحول النقاش العام فجأة إلى معارك في مواقع التواصل وتبادل للاتهامات وتراشق بالتخوين والتجريم ينقسم الناس إلى معسكرات ويصبح كل طرف مشغولاً بإثبات خطأ الآخر بينما تظل الأسئلة الجوهرية معلقة من المسؤول..؟ ماذا حدث..؟ أين الحلول..؟ ومن يدفع ثمن الإخفاق..؟ خطورة سياسة الإلهاء لا تكمن في أنها تخفي الحقيقة دائماً بل في أنها تسرق الوقت اللازم للبحث عنها. فليس كل جدل مؤامرة وليس كل قضية جانبية مفتعلة لكن حين يتكرر تحويل الانتباه عن القضايا الملحة وحين تطغى الضوضاء على المعلومات يصبح من الضروري أن نسأل لماذا نتحدث عن هذا الآن ..؟ وما القضية التي تراجعت إلى الخلف ..؟ ومن المستفيد من انصراف الناس عن جوهر المشكلة..؟ وفي السودان حيث يعيش المواطن ويلات الحرب والنزوح والفقد تصبح الأولويات أكثر إلحاحاً دماء تراق وبيوت تهجر وأسر تتشتت وأحلام تتكسر وفي خضم هذا كله لا ينبغي أن تسمح لنا المعارك اللفظية بأن ننسى الأسئلة المتعلقة بوقف الحرب وحماية المدنيين وإغاثة المتضررين ومحاسبة المسؤولين واستعادة الحياة المدنية. لا يكفي أن نختلف حول الأشخاص بل علينا أن نناقش المواقف والقرارات والنتائج ولا يكفي أن ننتصر في معركة على مواقع التواصل بينما يخسر الوطن يوماً جديداً من عمره. المواطن الواعي لا يكتفي بما يُلقى أمامه بل يبحث عما غاب عن المشهد ويميز بين الخبر والرأي وبين النقد والتضليل وبين القضية الحقيقية والضجيج المحيط بها. أخطر ما في سياسة الإلهاء أن يتحول المواطن من صاحب حق يطالب به إلى متفرج يستهلك المعارك ومن إنسان يسأل عن مستقبله إلى خصم يقضي يومه في الرد على خصومه. وحين ينجح الضجيج في إسكات الأسئلة لا يحتاج أحد إلى إخفاء الحقيقة فالناس ببساطة يكونون قد انشغلوا عنها. فلا تجعلوا ضجيج المعارك يسرق منكم حق السؤال لأن الوطن لا يحتاج إلى مزيد من المتفرجين بل إلى مواطنين يعرفون أين يضعون أصابعهم على موضع الجرح.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة