(أوتَمْ و طعم المذاق) قوالب يصب فيها الإنسان رؤيته الوجودية كتبه د. حسن علي أدروب

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-16-2026, 10:57 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-16-2026, 02:56 AM

د.حسن علي أدروب
<aد.حسن علي أدروب
تاريخ التسجيل: 05-30-2021
مجموع المشاركات: 26

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
(أوتَمْ و طعم المذاق) قوالب يصب فيها الإنسان رؤيته الوجودية كتبه د. حسن علي أدروب

    02:56 AM October, 15 2026

    سودانيز اون لاين
    د.حسن علي أدروب-عمان
    مكتبتى
    رابط مختصر





    إذا تتبعت اللغات التي تعايشت في المنطقة الممتدة من جبال البحر الاحمر وصحراء النوبة واثر شرق السودان عبر عبور قوافلهم التجارية وكذلك رحلات التجار والحجاج عبرمضيق باب المندب نحو سواحل اليمن وعُمان، ووصولاً إلى القرن الأفريقي في جيبوتي والصومال؛ ستكتشف أن هذه الشعوب لا تتشارك التجارة فحسب بل عبر التداخل عبر ميناء سواكن واوجدت تلك التقاطعات احساس لغوية وثقافة مليئة بالمحطات. وكما نتج عن ذلك وجود عقل مشترك يرى العالم، والمال، والمرض، والمواقف الإنسانية من خلال نافذة واحدة بامتياز فيها التذوق والتعبير المجازي ومعاني الابتلاع وما تتضمنه المفردات من معاني اشمل.

    هذا المقال يغوص في واحدة من المفردات المشتركة في هذا القرن الافريقي ومشاركات اللغات الافرواسيوية واندماجها في لغاتنا السودانية. فأن هذا االبحث يقوم بتفكيك الجذور الصوتية المشتركة لكلمة (طعم / تَم / أوتم) وجذر الحركة العنيفة للمفردة (كُتأ) التي ارتبطت بهما، وكيف انها تحورت عبر هذه اللغات الإقليمية لتعبر عن سحق الثروات وإنهاك الأجساد.

    في البدء كانت الحاجة للأكل هو تلك الغريزة الطبيعية للبقاء والدافع للعيش. ولكن لغات البحر الأحمر نقلت هذا المفهوم الحسي إلى فضاء مجازي أرحب. ففي اللغات السودانية والنوبية والبجا نجد أن فعل "تَم" (Tam) هو الأصل الحرفي لعملية الأكل العادية. ومنه اشتُق اسم المادة الماليّة الأعلى التي تملك "أقوى طعم وجاذبية" في الكون ويسيل لها لعاب النفس بمجرد رؤية بريقها، فسمي الذهب في البجاوية "دَعمْرا" (Da'amra / Ta'amra) ( وهذه حرفياً تعني( الشيء ذو المذاق الجاذب) أو (الشهوة المأكولة).

    و لكن في النطاق العربي المجاور ينبثق الجذر (ط ع م) ليعبر عن ذوق الشيء. ولم يقف الإنسان العربي عند حدود الطعام، بل جعل "الأكل" مرادفاً للإفناء المالي؛ فالتراث الشعبي في ظفار وحضرموت وتهامة يفيض بعبارات مثل "أكل دهر ماله" أو "بلع أملاكه". إنه التطابق مع اللسان البجاوي بشرق السودان في مصطلح "تَمْتَهُوك" الذي يعني حرفياً (أُكِل ماله وهُتِك بالتلف التدريجي والتبذير حتى سُحِق بالكامل.)

    ولكن حين يكره الإنسان بيئته أو يشعر بعدم الراحة والغثيان المعنوي تجاه موقف أو شخص ثقيل الدم، يرتد العقل اللغوي البجاوي مجدداً إلى التعبير بالعزوف والسخرية والشعور بعدم الراحة بقولهم: "دعم كت بري" (Da'am kat baray)؛ أي "شيء بلا طعم أو نكهة"، ويقابله تماماً في الدارجة السودانية وصف الحديث بأنه "ماسخ" أوغير مستساغ اي (رديء الطعم).

    وعلى النقيض تماماً، يبرز "ملاح الدمعة" (الطبيخ اللذيذ والمسبك باللحم والبصل والزيت) في الثقافة الشعبية كأرقى أنواع (الطعام). لكنه يحمل وجهاً ماليّاً مجازياً مرعباً؛ فهو طعام الوجاهة والمناسبات المكلفة ، وعندما تبدد الأسرة مدخراتها لطبخه والذبح للضيوف يُقال مجازاً بالعامية السودانية إن "الدمعة أكلت ماله"، لتتحول الدمعة من طعام مستساغ إلى كائن "يلتهم" رأس مال الأسرة.

    وفي اللغة البجاوية فعل "كُتأ" (Kat'a / Kut'a). والتي تعني (الدفع بالشئ). وهذا الجذر ليس مجرد دلالة صامتة، بل هو "كلمة حركية عنيفة" تتدرج من الحقل الزراعي ومنها الى إلى البلعوم. وكذلك تعبير (دق الذرة) يُستخدم الفعل "كَتَأ" بمعنى الكسر العنيف والتحطيم وسحق البنية الصلبة. ومنه أطلق البجا على "دق الذرة" بالمدق الخشبي اسم "كُتأ"؛ لأنه فعل تحطيم وفصل لقشور الحبة. ففي اندفاع الطعام ينتقل الجذر ليعبر عن كسر المسافة؛ فالشخص الذي يندفع بنهم واقتحام شديد لنيل قوته وطعامه يُقال مجازاً إنه "كَتأ" (اقتحمها وهجم عليها بقوة).

    أما في البلع التام: "كُتأ" هو (الخاتمة للأكل)؛ فهو فعل البلع الذي تختفي معه اللقمة في الجوف تماماً. وعندما تُسحق ثروة شخص فجأة وتختفي في صفقة خاسرة، يُقال ماله "اكتأ" (أي ابتلعته الأرض وسُحق كما تُدق حبوب الذرة). وتستخدم العبارة بسخرية حين يقول لك شخصا ما ان فلان (وهاش اكتأ) يعني انه غير موجود فعليا.

    عند الانتقال إلى سياق الصيد البحري، الأقدم في على ساحل البحر الاحمر والبجا، تبرز كلمة "الطُّعْم" المستعملة في السنارة. فالطعم هو (الأكل) الذي يُلقى كخديعة لتغري شراهة السمكة، والملحمة تكتمل عندما تقوم الفريسة بـ"كُتأ" (بلع) السنارة ليكون حتفها مدفوعاً برغبتها في الأكل ومنه يُقال للانسان المخدوع ماليّاً في السودان: "بلع الطعم".

    ولكن هذا الإنهاك يمتد مجازاً ليصيب الجسد؛ ففي الثقافة الطبية لشرق السودان، يُعبّر مصطلح "أبشروك تمماب" عن المرض النهِم الذي "يأكل" الجسد وينهك قواه، تماماً كما تذوب المكونات في ملاح الدمعة. وأول علامات هذا المرض هي فقدان حاسة التذوق ليعود الجسد المأكول ليرى العالم كله "دعم كي بري" (بلا نكهة).

    إن مفردات لغات حوض البحر الأحمر ليست أصواتاً عابرة، بل هي قوالب يصب فيها الإنسان رؤيته الوجودية. لقد اتفقت بصيرة هذه الشعوب المجاورة على جعل "الأكل، والتحطيم (أوكُتأ)، والابتلاع" المحور الصرفي الأول لتقلبات الحياة: فإما أن تدق ذرتك لتصنع طعاماً مستساغاً "أوتم"، أو تندفع لنيل رزقك، وإما أن تبتلعك خديعة "الطعم" المالي فتُسحق ثروتك أو أن المرض يقتحم بنيتك ليجعل أيامك لوحة باهتة.. مجردة من المذاق!
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de