يحمل التاريخ السياسي للسودان منذ استقلاله الفعلي وبدايات أزماته الكبرى في منتصف خمسينات القرن الماضي (تحديداً منذ تمرد توريت في عام 1955)، وصولاً إلى الحرب المدمرة الدائرة اليوم، سجلاً حافلاً بالدروس القاسية والمريرة. لقد ظل السودان، بكتلته التاريخية وتنوعه العريق، رهينة لدورات متكررة من الصراع والدمار، وكأن التاريخ يعيد نفسه بلغة أكثر قسوة ودماء.
إن المأساة السودانية المعاصرة تجسد بامتياز قصة "صاحب الجنة" الواردة في التراث الإنساني والديني؛ ذلك الذي أقسم على استئثار النعم لنفسه وحرمان الشركاء والمساكين من حقهم في ثمارها، فكانت نتيجة الغطرسة والرفض للآخر دماراً شاملأً أكل الجنة وما فيها. وبالمثل، فإن إصرار قوى الهيمنة المتعاقبة – مدنية كانت أو عسكرية – على احتكار السلطة وتهميش الشركاء، أفضى بالبلاد إلى هذا المنعطف الخطير.
1. السودان ملك للجميع: لا إقصاء ولا استعلاء السودان ليس حكراً على جهة أو أيديولوجية أو مكون بعينه، بل هو فسيفساء فريدة من الثقافات والإثنيات والجهويات.
· حتمية الوجود الفاعل: لا يمكن لأي فرد أو جماعة أن تشعر بالانتماء الحقيقي إلا إذا ضمنت وجوداً فاعلاً ومؤثراً في بناء الوطن وصنع قراره.
· مخاطر الاستعلاء: إن سياسات الإقصاء، والشعور الزائف بالاستعلاء الثقافي أو السياسي، كانت دائماً هي الشرارة التي تشعل جذوة التمرد والحروب. الحرب الحالية ليست سوى النتيجة الحتمية لعقود من تجاهل هذا التنوع ومحاولة محوه أو السيطرة عليه بالقوة.
2. إدارة البلاد بالتوافق لا بالأغلبية وقوة السلاح في الدول ذات التنوع الإثني والثقافي المعقد مثل السودان، تثبت التجربة استحالة الاستقرار عبر آليات "الديمقراطية العددية البحتة" وحدها أو عبر فوهة البندقية.
· فشل حسم الصراع بالقوة: أثبتت عقود الاقتتال أن السلاح لا يحل قضية، بل يضاعف المأساة ويخلق جيلا من الكراهية والثارات.
· بديل التوافق التاريخي: لابديل عن إدارة الدولة بالتوافق الوطني الشامل والتسويات العادلة التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، بحيث يشعر الجميع بأنهم منتصرون في السلام لا مغلوبون في الصراع.
3. دستور يعكس وجه الوطن كالمرآة الأساس المتين لأي استقرار دائم هو العقد الاجتماعي المتمثل في الدستور.
· مرآة المكونات: يجب أن يكون الدستور السوداني القادم بمثابة مرآة صافية ترى فيها كل مكونات الشعب السوداني نفسها، بلا استثناء ولا تهميش.
· الحقوق والواجبات: حين يجد كل مواطن – بغض النظر عن عرقه، أو دينه، أو جهته – حقوقه وحرياته مصانة في الوثيقة الدستورية العليا يزاح دافع حمل السلاح ويسقط مبرر الاقتتال.
خاتمة وتساؤل إن دماء السودانيين الطاهرة التي تسيل اليوم في هذه الحرب العبثية يجب أن تكون ثمناً باهظاً يكفي لإيقاظ الضمير الوطني لدى النخب المدنية والعسكرية على حد سواء. الدرس الأهم والأخير هو أن الوطن يسع الجميع، وأن الغلبة لغة فاشلة، وأن التوافق والعدالة هما طوق النجاة الوحيد.
فهل تستحيي القوى السودانية العبر وتستوعب الدرس التاريخي العميق، أم تستمر في ذات الدائرة المفرغة ليعيد التاريخ نفسه بصورة أشد كارثية؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة