في فيلم "العرافة" المصري، الذي أنتج عام 1981م للمخرج عاطف سالم وعرضته قنوات "روتانا"، تتجسد ببراعة ملامح الصراع السياسي وقمع الحريات عبر شخصيات ناطقة بالواقع. شارك في بطولة الفيلم نخبة من النجوم؛ على رأسهم الفنانة مديحة كامل في شخصية الطالبة الهاربة من الأجهزة القمعية للنظام، والفنان جميل راتب في شخصية رجل أمن يستبيح الاعتقال بلا مسوغ قانوني بحجة "حماية الثورة"، والفنان عمر خورشيد، ويونس شلبي، ومحمود المليجي، إلى جانب مديحة يسري. من أبرز الشخصيات الرمزية في العمل العجوز "العرافة"، التي تظهر لبطل الفيلم مراراً لتُحذره بأنه "سائر في بحر الدم". وتتوالى الأحداث ليختتم الفيلم بتحقيق نبوتها بموت جميع الأبطال رغم مواقفهم الوطنية والإنسانية النبيلة، بينما ينجو رجل الأمن ليظل حامياً لنظام أفسد كل ما هو جميل. كما أشار النقاد السينمائيون، فإن هذه النوعية من الأفلام تسعى إلى إثبات فساد الأنظمة السياسية وحاشيتها. وإن كان فيلم "العرافة" قد عالج بطش رجال الأمن في مرحلة تاريخية معينة، إلا أن عمق المعالجة يطرح إشكالية خطيرة: هل يؤدي العرض المظلم للنضال إلى نتائج عكسية؟ القول بتأثير السياسة على مناحي الحياة كافة أمر مسلّم به، لكن إظهار النضال الوطني مهزوماً ومقتولاً باستمرار بسبب طغيان الأمن قد يُنفر الكثير من الشباب من المساهمة في الشأن العام. هذه الحالة شبيهة بل ومطابقة لعزوف قطاع واسع من الشباب السوداني عن الانخراط في ميادين السياسة بجامعاتنا ومدننا وقرانا النائية. تلك هي الرسالة السلبية المحتملة التي قد تكرّس اليأس، رغم أن الغرض الأساسي للفيلم يظل نبيلاً في فضح زيف الأجهزة الأمنية واستبدادها. ولكن الأهم من ذلك كله، أن الفيلم لا يكتفي بعرض المشكلة، بل يضع المشاهد أمام مسؤولية التفكير في الحلول. فالسياسة ليست ترفاً، بل هي فضاء نتحكم فيه أو يتحكم فينا: فزيادة الأسعار سياسة. وركوب المواصلات سياسة. وغلاء المعيشة وتجهيل الناس وتخويفهم سياسة. فإذا غفلنا عن تقرير مصيرنا، سيأتي حتماً من يقرر نيابة عنا. وحين نطالب بحريتنا، يجب أن ندرك أن للحرية أثماناً وتضحيات؛ فالحقيقة المرة التي يعلمها الجميع هي أن خلف كل دكتاتور وجلاد الآلاف من السدنة والأرزقية ممن عميت مصالحهم عن رؤية ضمائرهم! الخلاصة: مواجهة اليأس وصنع الإرادة إن القراءة الفاحصة لفيلم "العرافة" وما قدمناه من إسقاطات، لا تترك مجالاً للتردد في أن السياسة ليست رفاهية فكرية ولا خياراً جانبياً يمكن الاستغناء عنه، بل هي المعيار الحقيقي الذي تُحدد على أساسه تفاصيل حياتنا اليومية. وحتى لا تنجح نبوءة "العرافة" في تكرار مأساتها على واقعنا المعاصر —سواء في السودان أو في أي بقعة عربية أخرى تكابد وطأة الاستبداد— فإن الأمر يتطلب وعياً جمعياً وعملاً جاداً يرتكز على المحاور التالية: كسر طوق اليأس والإحباط: إن تصوير النضال مهزوماً يجب ألا يكون سبباً للانسحاب والتقوقع، بل دافعاً لفهم أخطاء الماضي وتطوير أدوات المواجهة، فالتاريخ لا يكتبه الطغاة، بل تصنعه إرادة الشعوب الحية. إصلاح الحاضر الحزبي أو تأسيس بدائل فاعلة: الشاهد أن منظومات العمل الحزبي التقليدي في السودان تعاني من عيوب هيكلية واختلالات عميقة أفقدتها ثقة الشارع والشباب. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح هذه الأحزاب من الداخل لإعادة بعث الروح فيها، أو الجرأة في تجاوزها وتأسيس حركات وأحزاب سياسية جديدة ومدنية حديثة، تؤمن بالديمقراطية، وتستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة، وتلتحق بهمومهم اليومية. فالحرية ثمنها غالٍ، وإسقاط الديكتاتوريات وتقويض شبكات "السدنة والأرزقية" المستفيدة من الفساد يتطلب تضحيات جساماً ووعياً سياسياً متقدماً يعلم أن ترك الفراغ للجلادين يعني حتمية استمرار الاستبداد. خلاصة القول: إن العمل السياسي مهما واجهه من تعقيدات ومخاطر يظل هو الطريقة الوحيدة لانتزاع الحقوق وحماية الأوطان؛ فإما أن نقرر مصيرنا بأيدينا بوعي وثبات، أو نترك الآخرين يقررون نيابة عنا ما يورطنا في أتون القهر والتبعية.
* استعرضت المادة بمنتدى جماعة مسرح السودان الواحد ونادي التراث والثقافة الوطنية بنادي الأسرة الخرطوم (3) ضمن مشروع بناء العضوية والجماعة بتاريخ الخميس 19-12-2013م
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة