رسالة إلى الأستاذ أحمد جعفر الخليفة، وإلى كل العاملين في الشأن العام
د. علي عبدالله الخليفة طه
مدخل
حين نشرتُ قراءتي في مبادرة الأستاذ أحمد جعفر الخليفة «رسالة إلى شعبي السوداني»، كنت أعرف أنني أكتب لرجلٍ وضع في ورقته عصارة فكره وخبرته. وجاء ردّه كريماً كعادته: قبولٌ بالملاحظات، وشكرٌ على القراءة. وفي ثنايا الرد إشارةٌ استوقفتني، كأنه يقول إنه بلغ نهاية الطريق، وإن ما كان عنده قد قاله.
وهذه الإشارة هي ما دعاني إلى هذه الكلمات. فهي لا تخص ابن عمي وحده، بل تخص كثيرين من أبناء السودان وبناته. حملوا همّ الوطن، وكتبوا وبادروا ونظّموا، ثم أصابهم ما يصيب كل من يعمل في زمن الحرب والشتات: إحساسٌ بأن الكلمة لا تصل، وأن الجهد يذهب سدى، وأن الأوان قد آن للتنحي.
إلى الأستاذ أحمد: المسودة الأولى ليست الكلمة الأخيرة
سلامٌ يا خليفة. إن قبولك بالملاحظات ليس نهاية الطريق، بل هو أول علامات صحته. فالفكرة التي تقبل النقد فكرةٌ حية، والكاتب الذي يرحب بالمراجعة كاتبٌ لم يفرغ بعد.
وأنت، كدارسٍ للتخطيط الاستراتيجي، أعلم مني بأن الخطة لا تولد كاملة. فهي تمر بدورة لا تنقطع: صياغةٌ أولى، ثم اختبارٌ ومراجعة، ثم تعديلٌ وإعادة إطلاق. وما من خطة استراتيجية جادة في العالم إلا وقد مرت بنسخٍ عديدة قبل أن تستقيم. ومبادرتك اليوم في نسختها الأولى، وهي نسخةٌ جريئة. فيها ما ليس في كثير من الكتابات السودانية: هيكلٌ للدولة، وأرقامٌ للتمثيل، ومصادر للتمويل، ومجالس للبناء. وقليلٌ من يجرؤ على أن يضع أرقاماً وجداول يُحاسَب عليها.
فعشمي فيك أن تمضي بها إلى الأمام:
• أن تعدّلها وتطورها: تضيف إليها آلية لعبور الحرب، وعدالة انتقالية تنصف الضحايا، وطريقةً واضحة لاختيار أعضاء المجالس، ومعادلة تمثيل أعدل.
• أن تطرحها في نسخة ثانية: تفتحها للحوار مع أصحاب المبادرات الأخرى، ليكمّل كلٌّ منا ما بدأه الآخر.
• أن تواصل السير بها: في المنتديات والمجالس ومع أهل الاختصاص، حتى تجد طريقها إلى من يملكون التنفيذ.
لقد كتبتَ في خاتمة ورقتك أنك تكتب «لكي لا أتقاعد أو أموت فارغاً». وهذه العبارة وحدها دليلٌ على أن في الجعبة ما لم يُقل بعد. فالذي يخشى أن يموت فارغاً لم يفرغ.
إلى العاملين في الشأن العام: ما من أحد يعرف أيّ كلماته ستثمر
ولكل من يعمل في الشأن السوداني أقول ما قلته لابن عمي: ما في زول عارف منو كلامو حيكون ليهو تأثير.
الكلمة في الشأن العام كالبذرة. تُلقى في الأرض ولا يعرف صاحبها متى تنبت، ولا أين، ولا على يد من. وكم من فكرة كُتبت في زمن اليأس، فلم يلتفت إليها أحد، ثم جاء يومٌ صارت فيه أساساً لعمل كبير. وكم من مبادرة صغيرة، في حيٍّ أو قرية أو جالية في المهجر، كانت الشرارة التي أشعلت ما بعدها. لا يملك أحدٌ منا أن يحكم على أثر كلمته وهو يقولها، وإنما يملك أن يقولها بصدق، وأن يواصل.
إن أخطر ما تواجهه الحركة المدنية السودانية اليوم ليس قلة الأفكار، بل الإنهاك. فالحرب لم تهدم البيوت والمدن وحدها، بل أنهكت النفوس أيضاً، وزرعت في كثيرين شعوراً بأن لا جدوى من الكلام. وهذا الشعور هو بالضبط ما يحتاجه من يريدون للسودان أن يبقى رهينة البنادق. فكل صوتٍ يصمت يترك فراغاً، والفراغ لا يبقى فراغاً، بل يملؤه أهل السلاح.
العمل العام مسيرةٌ يتسلّم فيها كلٌّ من الآخر
ثم إن أحداً منا لا يحمل العبء وحده. فالعمل العام ليس سباقاً فردياً يصل فيه واحدٌ إلى خط النهاية، بل هو أشبه بسباق التتابع: يحمل كلٌّ منا الراية مسافةً، ثم يسلمها لمن بعده. وقيمة كل عدّاءٍ ليست في أن يقطع المضمار كله، بل في ألا يُسقط الراية.
وهذا هو المعنى الذي قامت عليه سلسلة «استكمالاً لا مصادمة»: أن مبادرات السودانيين المخلصين ليست متنافسة، بل متكاملة. يحمل كلٌّ منها لبنة، ولا يكتمل البناء إلا بها جميعاً. فإذا توقف صاحب لبنةٍ عن حملها، نقص البناء بقدرها.
خاتمة: من عمق المأساة إلى قمة الرفاهية
إن المسافة بين ما يعيشه أهلنا اليوم وما نتمناه لهم مسافةٌ هائلة. هي المسافة بين عمق المأساة وقمة الرفاهية، ولن يقطعها جيلٌ واحد ولا صوتٌ واحد. لكنها لن تُقطع أبداً إن توقف السائرون.
فإلى الأستاذ أحمد جعفر الخليفة، وإلى كل من كتب وبادر ونظّم ثم أحسّ بالتعب: لا تتوقفوا. عدّلوا وطوّروا، وتحاوروا وتكاملوا، وواصلوا السير. فقد ختم ابن عمي ورقته بقوله «لا مستحيل تحت الشمس»، وبيت الشابي الذي نحفظه جميعاً: «إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر». وإرادة الشعب ليست شيئاً مجرداً، بل هي مجموع إرادات أبنائه الذين يرفضون أن يتوقفوا.
إلى الأمام يا خليفة. وإلى الأمام يا كل من يحمل همّ هذا الوطن، حتى نبلغ الغاية التي نرجوها جميعاً.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة