في السودان الذي تتنازعه الحرب وتتآكل فيه فكرة الدولة، لم يعد الصراع على السلطة مجرد تنافس على من يحكم، بل تحول إلى معركة على من يملك حق الحديث باسم الآخرين. وبينما تتناثر مؤسسات الوطن تحت وطأة السلاح، تتسابق القوى السياسية والعسكرية إلى توسيع دوائر تمثيلها، كأن الطريق إلى الشرعية يمر عبر حشد الجماعات خلف القيادات، لا عبر بناء دولة تتسع للجميع. في قلب هذا المشهد تبرز معضلة مني أركو مناوي: هل يستطيع الانتقال من تمثيل حركته وقاعدته الاجتماعية إلى ادعاء تمثيل فضاء أوسع يُشار إليه باسم «الزرقة»؟ أم أن هذه المحاولة تكشف التناقض بين تعبئة الهويات لبناء القوة وبين تحويل التنوع السوداني إلى مشروع وطني مشترك؟
لا تتعلق أهمية السؤال بمناوي وحده، بل بأزمة أعمق: كيف تتحول المظالم التاريخية، وهي مطالب مشروعة بالإنصاف، إلى أدوات للتنافس على السلطة والشرعية؟ ومن أين تستمد القيادة حقها في الحديث باسم جماعة بأكملها؟
يبدو أن مناوي يسعى إلى توسيع دائرة تمثيله السياسي، متجاوزًا قاعدته التنظيمية والاجتماعية المباشرة إلى فضاء أوسع يضم ما يُشار إليه في الخطاب السياسي السوداني باسم «الزرقة». ويمكن فهم هذا التوجه بوصفه محاولة لتجميع قوى تتقاطع تجاربها في التهميش والإقصاء، وبناء موقع تفاوضي أكثر اتساعًا. غير أن الانتقال من تمثيل حركة سياسية إلى الادعاء بتمثيل جماعات اجتماعية أوسع يتطلب أكثر من خطاب جامع أو ذاكرة مشتركة؛ فهو يحتاج إلى تفويض واضح وشراكة فعلية في صنع القرار.
فالمظالم التاريخية لا تمنح أي قيادة، مهما كانت تضحياتها أو عدالة بعض مطالبها، حقًا تلقائيًا في احتكار الحديث باسم المتضررين. المظالم حقيقية، لكن توظيفها لا يمنح أحدًا ملكية سياسية حصرية لها . فقد تتقاطع تجارب جماعات مختلفة من دون أن تتطابق مصالحها أو رؤاها السياسية. ومن ثم، فإن توسيع دائرة الخطاب لا يعني بالضرورة اتساع التفويض، ولا يثبت أن من تُستدعى هويتهم قد اختاروا قيادة بعينها لتمثيلهم.
ولا يُفهم هذا المأزق بمعزل عن التنافس الأوسع على التمثيل والنفوذ في دارفور والسودان. فمناوي يتحرك في مجال تتنافس فيه قوى وشخصيات على تثبيت مواقعها السياسية والعسكرية، فيما تمثل منصة «تأسيس»، التي أسهم حميدتي في إطلاقها وتضم الحركة الشعبية وقوى أخرى، محاولةً لبناء إطار سياسي أوسع. وفي المقابل، ظل مركز السلطة في السودان قادرًا تاريخيًا على تحديد شروط المشاركة السياسية وتوزيع النفوذ، وتمثله اليوم قيادة البرهان. وهكذا تتقاطع ثلاثة مواقع واسعة في معادلة التمثيل: الزرقة، والمجموعة العربية، ومركز السلطة؛ وهي مواقع لا تتطابق بالضرورة مع حدود الجماعات الاجتماعية، ولا تختزل تعدد مواقفها ومصالحها.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز التنافس على التمثيل إلى طبيعة الأزمة نفسها: هل نحن أمام توازن ضعف عسكري يعجز فيه أي طرف عن فرض تسوية مستقرة، أم أمام تفكك في المجال السياسي الوطني يتيح لكل قوة استدعاء هوية اجتماعية لتوسيع شرعيتها؟ الأرجح أن العاملين يغذي أحدهما الآخر؛ فالعجز عن الوصول إلى تسوية وطنية على قواعد متفق عليها يفتح المجال أمام القوى المتنافسة لتعبئة الهويات واستثمار المظالم، فيما تؤدي عسكرة هذه الهويات إلى تعميق الانقسامات وإضعاف فرص التسوية. وهكذا لا يصبح التنافس على التمثيل مجرد انعكاس لموازين القوة، بل عاملًا يسهم في إعادة إنتاجها وإطالة أمد الصراع.
وقد تبدلت صور التوازن بين هذه المواقع وأدواته عبر مراحل مختلفة من تاريخ السودان. وليس من الصواب التعامل معه باعتباره صراعًا أزليًا بين جماعات ثابتة، لكل منها إرادة واحدة ومصالح لا تتغير. فقد تداخلت في علاقة دارفور بالمركز عوامل التفاوت في السلطة والثروة، والتنافس على الأرض والموارد، وطبيعة الإدارة المحلية، وموقع الأقاليم في الدولة، فضلًا عن دور النخب وشبكات المصالح في إعادة تشكيل التحالفات. كما أن التحالفات العسكرية لا تتطابق بالضرورة مع الانتماءات الاجتماعية التي تستند إليها أو تستدعيها.
لذلك، ينبغي فهم تعبيرات «الزرقة» و«المجموعة العربية» و«مجموعة المركز» بوصفها مواقع اجتماعية وشبكات نفوذ وتحالفات تتغير حدودها بتغير موازين القوة، لا أسماء لكيانات متجانسة. وقد تتقاطع مصالح بعض الفاعلين مع انتماءات جماعية معينة، لكنها قد تتباعد أيضًا عن مصالح قطاعات واسعة من تلك الجماعات. فالهويات ليست وهمًا، لكنها ليست قدرًا سياسيًا مغلقًا؛ إذ تتغير دلالاتها وحدودها بتغير تجارب الدولة والحرب والتحالفات.
وخلف الشعارات توجد شبكات للمال والسلاح، ومصالح اقتصادية، وتحالفات محلية وإقليمية، وتنافس على الموارد ومواقع النفوذ. وقد تتقاطع هذه المصالح مع الانتماءات الاجتماعية، لكنها لا تتطابق معها بالضرورة. ولهذا لا يكفي أن ترفع قيادة راية جماعة أو تتحدث باسم مظلوميتها للحكم على صدقية مشروعها؛ فالمعيار هو ما إذا كانت تتيح لمن تدّعي تمثيلهم المشاركة في القرار والاعتراض والمساءلة، أم تجعل الولاء لها شرطًا للحضور السياسي.
إن القضية، من ثم، أبعد من التنافس على من يتحدث باسم العرب أو الزرقة أو المركز؛ إنها تتعلق ببناء مجال سياسي يستطيع المواطنون داخله تنظيم مصالحهم والدفاع عن حقوقهم من دون الارتهان إلى قيادة عسكرية تحتكر تمثيلهم. فثمة فرق بين جمع جماعات متضررة تحت مظلة واحدة، وهو ما قد تفرضه ضرورات الحرب، وبين تأسيس مشروع وطني يجعلها شريكة في القرار وقادرة على مساءلة القيادة وتغييرها. ليست القومية عدد الجماعات التي تصطف خلف قائد، بل طبيعة العلاقة التي تجمعها، وقدرتها على الاختلاف والمشاركة من دون أن تتحول الخلافات إلى تهديد للحقوق أو مبرر للعودة إلى السلاح.
ويمكن اختبار أي مشروع سياسي بأسئلة عملية: هل تشارك الجماعات التي يدّعي تمثيلها في صنع القرار؟ هل تستطيع الاعتراض على القيادة من دون أن تفقد حقوقها أو أمنها؟ هل توجد قواعد واضحة لاختيار المسؤولين ومحاسبتهم وتداول السلطة؟ وهل يمكن تسوية الخلافات عبر المؤسسات بدلًا من العودة إلى السلاح؟ إذا غابت هذه الشروط، فلن تكون المظلة القومية سوى اسم جديد لتحالف عسكري مؤقت، مهما اتسعت قائمة القوى المنضوية تحتها أو تنوعت خلفياتها الاجتماعية.
لكن أزمة التمثيل تعيدنا إلى سؤال الدولة التي نريد بناءها. فالسودان لم يكن فراغًا مؤسسيًا مطلقًا؛ امتلك أجهزة وخبرات إدارية ومهنية، لكنها لم تنجح في إقامة نظام يضمن المساواة بين المواطنين ويخضع السلطة لقواعد دستورية مستقرة. ثم جاءت سياسات التمكين لتعمق تسييس المؤسسات وتربط أجزاء منها بشبكات الولاء، بينما ظلت المظالم الإقليمية والاجتماعية بلا تسوية عادلة. وهكذا تراكبت دولة غير مكتملة المواطنة، ومؤسسات قابلة للاختراق، ومراكز قوة ترى في السيطرة على الدولة ضمانًا لبقائها.
ولا ينفصل ذلك عن سؤال ترتيب مسارات الانتقال: هل نبدأ بالمصالحة الاجتماعية، أم بعقد دستوري جديد، أم بإعادة بناء القطاع الأمني وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة؟ ليست هذه مسارات متنافسة ينتظر أحدها اكتمال الآخر، ولا يكفي إنجاز أيٍّ منها بمعزل عن البقية. فالعقد الدستوري يحتاج إلى بيئة سياسية تسمح بالتوافق عليه، والمصالحة الاجتماعية تحتاج إلى ضمانات مؤسسية تحمي نتائجها، وبناء الدولة يقتضي إخضاع القوة المسلحة لسلطة شرعية وقواعد قانونية متفق عليها. والتحدي، إذن، ليس اختيار مسار واحد، بل بناء علاقة متدرجة ومتكاملة بين هذه المسارات، بحيث يعزز كل منها فرص نجاح الآخرين.
لذلك، لا تكفي الدعوة إلى استعادة مؤسسات الدولة إذا كانت تعني العودة إلى الوضع السابق للحرب. فالمؤسسة لا تصبح وطنية بمجرد اسمها الرسمي، والجيش لا يصبح ممثلًا للأمة لمجرد حمله صفة الجيش الوطني، كما أن الحركة السياسية لا تصبح قومية لمجرد أنها تضم أفرادًا من جماعات متعددة. المعيار هو خضوع السلطة للقانون، واستقلال المؤسسات عن شبكات الولاء والمصالح، وتكافؤ المواطنين في الحقوق والفرص، ووجود آليات سلمية لتغيير الحكام ومحاسبتهم. والمطلوب ليس استعادة دولة متخيّلة كانت عادلة ومكتملة المؤسسية، بل تأسيس دولة لا تستطيع أي جماعة مسلحة أو شبكة أيديولوجية أو نخبة مركزية احتكارها.
إن التوازن التاريخي بين الزرقة والعرب والجلابة لا ينبغي فهمه باعتباره علاقة ثابتة بين ثلاث كتل متجانسة، ولا يمكن بناء مستقبل السودان على تجميد هذه التصنيفات أو توزيع السلطة بينها بوصفها حصصًا أبدية. فالمعضلة ليست في وجود هذه الجماعات أو سعيها إلى حماية مصالحها والمطالبة بإنصافها، بل في غياب قواعد وطنية عادلة تنظم علاقاتها وتمنع أيًّا منها من تحويل القوة أو المظلومية أو الموقع التاريخي إلى حق حصري في الحكم. وكل محاولة لتغيير موازين التمثيل من دون تغيير قواعده قد تنتهي إلى إعادة إنتاج الهيمنة، وإن تبدلت الجهات التي تمارسها والشعارات التي تبررها.
من هنا، فإن الدرس الذي يتجاوز مناوي إلى أزمة التمثيل الوطني هو أن السودان لن يخرج من مأزقه بمجرد إعادة ترتيب مواقع الجماعات في معادلة القوة، أو بإحلال قيادة محل أخرى تتحدث باسم الفئات نفسها. فالمطلوب الانتقال من سؤال «من يمثل من؟» إلى سؤال أعمق: ما القواعد التي تجعل التمثيل حقًا سياسيًا قابلًا للمساءلة، لا امتيازًا تمنحه القوة لمن يملك السلاح أو يحتكر الحديث باسم الجماعة؟ عندها فقط يمكن أن تصبح المظالم مدخلًا إلى العدالة، لا مادة لإدامة الحرب؛ وأن تتحول التعددية من خريطة للتنافس على الغلبة إلى أساس لشراكة وطنية؛ وأن يجد العرب والزرقة والجلابة، وسائر مكونات السودان، مكانهم في دولة لا تطلب منهم التخلي عن هوياتهم، بل تمنع أي هوية من أن تصبح شرطًا للمواطنة أو أداة لاحتكار السلطة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة