الفنان محمد النصري وأقنعة السقوط.. كيف جردت القافية الثورية "طنبور" النصري؟ بقلم يحيى أبنعوف في تاريخ الغناء والفنون، ثمة فارق جوهري وخالد بين فنان يبني مجده الأصيل بصوته وفكره الخاص، ليبقى آثره محفوراً في وجدان الشعب، وبين آخر يبني وجوده كالطفيليات على أكتاف غيره، فيستعير صوت المظلومين ليعلو به، حتى إذا تمكن، ارتمى في أحضان من ظلموهم. ومأساة الفنان محمد النصري تقف اليوم كشاهد حاد على هذا التناقض الصارخ. حميد.. الصانع الحقيقي لتجربة النصري الحقيقة التي لا تقبل التجميل ولا التفافاً حولها هي أنه لولا محمد الحسن سالم "حميد" لما كان هناك فنان اسمه محمد النصري. لم تكن جماهيرية النصري ولا مساحات انتشاره وليدة عبقرية موسيقية منفردة، بل كانت اقتباساً مباشراً من روح حميد؛ الشاعر الذي صاغ بوجدانه وعرقه نصوصاً تحاكي آلام الفلاحين، والعمال، والغلابة، والمهمشين في أطراف السودان. لقد منح "حميد" نصوصه لتبث الحياة في حبال النصري الصوتية، وكان هذا الشعر الثوري -إلى جانب كلمات شعراء آخرين ينتمون لشعبهم- هو المحرك الأول والأخير للجمهور الذي أقبل على النصري وصفّق له. لقد عاش النصري سنوات طويلة يقتات على نصوص كُتبت بالدموع والدماء ضد الظلم والقهر والإقصاء، غير أنه تعامل مع هذه المبادئ كـ"قماش" يتأنق به على المسارح، بينما كان يتنكر لروحها وجوهرها في واقعه ومواقفه. بعد نظر "أسرة حميد".. الأمانة في وجه الاستغلال تتجلى اليوم الحقيقة الجلية التي أدركتها أسرة الشاعر الراحل حميد -وعلى رأسها شقيقته "فاطمة"- منذ سنوات طويلة. لم يكن رفض الأسرة أو تحفظها الشديد على منح النصوص للنصري مجرد خلاف على أجر أو صراع على حقوق مادية؛ بل كان وعياً مبكراً بأمانة الإرث الأدبي والإنساني. لقد رأت الأسرة بوضوح ما لم يره الجمهور وقتها: رأت أن هناك بوناً شاسعاً بين قامة الشاعر الأخلاقية والثورية، وبين موقف الفنان الذي يتسلق على هذه القوافي ليصل إلى الشهرة والمال. كان تحفّظ الأسرة موقفاً أخلاقياً لحماية شعر "شاعر الشعب" من أن يُبتذل أو يُسخر كجسر للوصول إلى السلطة أو للتزلف للأنظمة السياسية التي حاربت حميد واعتقلته وضايقت كلماته. التناقض الفاقع.. الغناء للشعب والاصطفاف مع جلاّده تتجسد الخيانة الفكرية والفنية في أبهى صورها عندما يتحول الفنان الذي بنى مجده على أغاني المقاومة والحرية، إلى بوق للتوجيه المعنوي أو نصير للبطش والسلطوية. إن تنكر النصري لثورة الشعب السوداني، واعترافه المباشر أو غير المباشر بمناهضته لتطلعات السواد الأعظم من الفقراء والمظلومين، يجرده من أي مشروعية فنية ادعاها يوماً. كيف لمن يستمد وجوده الفني من كلمات ترفض التسلط وتستنهض كرامة الإنسان، أن يقف في الضفة المقابلة مع من قهروا هذا الإنسان ونهبوا مقدراته؟ حصحص الحق.. وسقطت الذريعة إن آلة "الطنبور" في منحنى النيل لم تكن يوماً مجرد أوتار يُعزف عليها للتسلية، بل كانت رمزا تاريخيا للصمود والمقاومة والارتباط بالأرض. وبتحويل هذه الآلة إلى أداة للمهادنة والخدمة السياسية، لم يخون النصري الشاعر حميد وحده، بل خان رمزية الفن الشمالي والسوداني بأكمله. لقد حصحص الحق، واكتشف المستمع السوداني أن النصري لم يكن سوى ظاهرة صوتية أثثها شعراء الثورة والغلابة. وحين سُحب هذا الغطاء الفكري والأخلاقي، لم يتبقَ سوى حقيقة واحدة: لولا حميد، ولولا أشعار الأحرار، لما كان للنصري مكان في تاريخ الغناء السوداني. وسيبقى التاريخ حافظاً لأولئك الذين كتبوا وغنوا بصدق للغلابة، بينما يطوي نسياَ كل من حاول التجارة بآلامهم.
الفنانون الذين انحازوا للسلطة والدكتاتورية التاريخ لم يلغِ بالضرورة "القيمة التقنية" لأعمال هؤلاء، لكنه فرض عليها عزلة أخلاقية وأعاد قراءتها بوصفها "دعاية سياسية" (Propaganda) أكثر من كونها إبداعاً إنسانياً حراً. ليني ريفنستال (Leni Riefenstahl) – ألمانيا: تُعد إحدى أعظم المخرجات سينمائياً وتكنيكياً في تاريخ السينما العالمية. لكن توظيف موهبتها الفذة في إخراج أفلام توثق وتمجد الحزب النازي وأدولف هتلر (مثل فيلم انتصار الإرادة) جعل اسمها مرتبطاً بالأيديولوجيا الفاشية. أصبحت عزلتها الأخلاقية بعد الحرب العالمية الثانية درساً تاريخياً حول خطورة تسخير الفن لخدمة القمع. أم كلثوم وعبد الحليم حافظ – مصر (نموذج التعقيد والوجدان الجمعي): في التجربة العربية، يظهر نموذج أكثر تعقيداً؛ فغناء عبد الحليم وأم كلثوم لـ "ثورة يوليو" وانحيازهما لمشروع جمال عبد الناصر لم يُسجل في الذاكرة كسقوط أخلاقي، لأن الخطاب السلطوي في ذلك الوقت كان يتقاطع مع مشاعر قطاع واسع من الشعب وحركات التحرر الوطني. غير أن النقد المعاصر ينظر إلى بعض تلك الأعمال بوصفها تكريساً لحكم الفرد وتغاضياً عن الدكتاتورية والتعذيب آنذاك. فنانون في مواجهات الثورات الحديثة (الربيع العربي): مع اندلاع الثورات الشعبية، انحاز عدد من القامات الفنية والرمزية للأنظمة القمعية وهاجموا حراك الشارع. كان موقف الذاكرة الجمعية حاسماً؛ حيث خسر هؤلاء هالتهم كـ "صناع للوجدان"، وتحولت أعمالهم الوطنية القديمة في نظر الجمهور إلى مجرد ادعاءات مكشوفة واجهت مقاطعة شعبية حادة. ثانياً: الفنانون الذين انحازوا للشعب وقضايا المهمشين خلّد التاريخ هؤلاء الفنانين، لا بصفتهم سياسيين، بل بصفتهم أبطالاً ثقافيين وشعراء للحرية؛ حيث امتزجت سيرتهم الذاتية بأعمالهم الفنية لتتحول إلى إرث يستلهمه المظلومون عبر الأجيال. فيكتور خارا (Víctor Jara) – تشيلي: مغني وموسيقي شعبي انحاز لقضايا المزارعين والعمال وضد الانقلاب العسكري الذي قاده الدكتاتور بينوشيه عام 1973. تم اعتقاله وتعذيبه وقتله في الاستاد الوطني بعد كسر أصابعه لمنعه من العزف على الجيتار، ليتحول إلى أيقونة عالمية للمقاومة بالفن. بابلو نيرودا (Pablo Neruda) – تشيلي: الشاعر الذي جعل من شعره ملاذاً للفقراء والمهمشين وحارب الفاشية والدكتاتورية في أمريكا اللاتينية، وظل شعره وثيقة إنسانية خالدة تُدرس وتُقرأ بوصفها انحيازاً غير مشروط للكرامة. شيخ إمام وأحمد فؤاد نجم – مصر: شكّلا الثنائي الأكثر تأثيراً في تاريخ الغناء السياسي العربي. دفعا ثمن انحيازهما للفقراء ونقدهما اللاذع للسلطة بالاعتقال والسجن لسنوات طويلة، وظلت أغانيهما (مثل شيد قلاعك ويا مصر قومي) تُغنى في كل ميدان يُطالب بالحرية. محمد وردي – السودان: نموذج للفنان الذي زاوج بين قمة النضج الموسيقي والانحياز الصريح لقضايا الشعب وضد الشمولية. عانى وردي من السجن والاعتقال والنفي في عهود دكتاتورية مختلفة، لكنه ظل يمثل "فنان إفريقيا الأول" وصوت الثورة، وتظل أعماله (مثل يناير استرداد الكرامة وأكتوبر الأخضر) محفورة في الوجدان كرمز للجسارة. مصطفى سيد أحمد – السودان: لم يكن مجرد صوت غنائي، بل صاحب مشروع فكري وجمالي انحاز بامتياز للغلابة والعمال والمزارعين والنازحين في الهامش. أخرج الغناء من الأطر العاطفية التقليدية إلى رحاب التنوير والوعي، واختار عناء الغربة والمرض والنفي على أن يساوم بموقفه الأخلاقي أو يتملق السلطة، ليصبح رمزاً أسطورياً للوفاء والنقاء الفني. محمد الحسن سالم (حُمَّيد) – السودان: شاعر الشعب الذي جعل من العامية السودانية سلاحاً للوعي وملاذاً للبسطاء. جسّد في قصائده معاناة المواطن الشريف وصموده، محتفياً بـ "النخلة، والإنقراية، والمشروع، ورائحة الطين والعمل النافع"، ورافضاً الخطب الفارغة والشعارات الزائفة. شكلت ملاحمه الشعرية (مثل عم عبد الرحيم ونورا) بياناً ينبض بالكرامة والعدالة الاجتماعية. مدرسة الشعر النضالي والجمالي (محجوب شريف، ود الدوش، وأبو آمنة حامد، ومحمد المكي إبراهيم): قامات شعرية جعلت من النص الأدبي جبهة مقاومة ضد القهر؛ فمحجوب شريف جعل من معتقلاته منبراً لإعادة أمل الشارع في الغد المشرق، بينما صاغ الدوش ومحمد المكي إبراهيم وجدان الاستنارة الوطنية بكتابات ظلت وثائق تاريخية حية ترفض الانكسار.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة