قراءة متجددة في أفق الاشتراكيين الثوريين بمعزل عن السجال الحزبي
تفتح دراسة الدكتور عبد المنعم مختار، الموسومة بـ«من المنجل والمطرقة إلى فضاء الحقوق والمواطنة: يسار الدولة الاجتماعية الموعودة ويسار الوسط الديمقراطي في السودان»، نافذة مهمة لمراجعة تجربة اليسار السوداني من خلال المقارنة بين الحزب الشيوعي والمؤتمر السوداني، ومساراتهما الفكرية والتنظيمية والسياسية، وصولاً إلى الثورة التي شاركا في صنعها، ثم عجز القوى المدنية عن حماية انتقالها الديمقراطي من الانقلاب والانهيار والحرب
وتكمن أهمية هذه المقارنة في أنها لا تكتفي باستعراض التاريخ، بل تطرح أسئلة صعبة عن العلاقة بين الفكرة والتنظيم، وبين الموقف السياسي والقدرة على التأثير في موازين القوى. غير أن الدروس المستخلصة من تجربتي الحزبين ينبغي ألا تتحول إلى نهاية النقاش، بل إلى مدخل لفتح أفق أوسع أمام بقية تيارات اليسار، وفي مقدمتها الاشتراكيون الثوريون، بوصفهم جزءاً من البحث عن مشروع اشتراكي ديمقراطي قادر على التعلم من التاريخ دون الارتهان له
فأزمة اليسار السوداني لا يمكن اختزالها في خلاف بين من دخلوا الشراكة السياسية مع المؤسسة العسكرية ومن رفضوها، ولا في المفاضلة بين حزب يمتلك تاريخاً تنظيمياً طويلاً وآخر يقدم خطاباً أكثر مرونة في التحالفات. المسألة أعمق من ذلك: كيف يستطيع اليسار، بمختلف تياراته، أن يحوّل رؤيته للعدالة الاجتماعية والديمقراطية إلى قوة منظمة في المجتمع، قادرة على حماية مصالح الناس والتأثير في مستقبل الدولة؟
إن سلامة الموقف من الانقلابات والاستبداد، ووضوح الانحياز إلى الحكم المدني، والتضحيات التي قدمها المناضلون، كلها عناصر أساسية في أي مشروع تحرري. لكنها، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة التغيير. فالموقف السياسي لا يصبح قوة اجتماعية لمجرد أنه صحيح أخلاقياً أو متماسك نظرياً؛ بل حين يجد طريقه إلى حياة الناس، وينظم مصالحهم، ويمنحهم أدوات الدفاع عنها.
من الحزب إلى المجتمع-- أين توجد القوة الاجتماعية؟
ظل شعار (العودة إلى الجماهير ) حاضراً في أدبيات اليسار السوداني، لكن تكرار الشعار لا يضمن تحقق مضمونه. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان اليسار قريباً من الجماهير في خطابه، بل ما إذا كان حاضراً في صراعاتها اليومية، وفي أشكال تنظيمها ومقاومتها للظلم والاستغلال
أين يجد العامل من يدافع عن أجره وحقه في التنظيم؟ وأين يجد المزارع من يقف معه في مواجهة فقدان الأرض وارتفاع تكاليف الإنتاج؟ وما الذي يقدمه اليسار للمرأة التي تعيل أسرتها في ظروف الحرب، وللشاب الذي فقد فرص العمل والتعليم، وللمجتمعات التي لم تعرف الدولة إلا من خلال الجباية والسلاح والإهمال؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلات مطلبية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التغيير السياسي؛ إنها جزء من معركة التغيير نفسها. فاليسار الذي لا ينظم المصالح اليومية للناس، ولا يساعدهم على بناء أدوات مستقلة للدفاع عنها، قد يحتفظ بقدرة معتبرة على النقد والتحليل، لكنه سيظل محدود التأثير في موازين القوى الفعلية
ولا يعني ذلك التخلي عن العمل السياسي أو التقليل من أهمية النظرية والتنظيم الحزبي، وإنما إعادة وصلها بالمجتمع. فالحزب لا يصنع قوته من تماسك أعضائه وحده، بل من قدرته على بناء علاقات ثقة وتنظيم مستدامة مع القوى الاجتماعية التي يدّعي التعبير عنها
من صحة الموقف إلى القدرة على التغيير
أعادت تجربة الانتقال بعد ثورة ديسمبر طرح خلاف قديم ومتجدد داخل اليسار السوداني- هل يمكن الدخول في تسويات وشراكات مع قوى تمتلك السلاح أم أن مثل هذه الشراكات تعيد إنتاج هيمنة المؤسسة العسكرية وتضعف استقلال القرار المدني؟
قدّم الحزب الشيوعي موقفاً رافضاً للشراكة مع العسكر، بينما اختار المؤتمر السوداني المشاركة في ترتيبات الانتقال، ضمن حسابات سياسية راهنت على إمكان إدارة التناقضات وفتح الطريق أمام التحول المدني. وقد أظهرت النتيجة أن الشراكة لم توفر الحماية اللازمة للانتقال، كما أن رفضها، في حد ذاته، لم ينتج قوة بديلة استطاعت منع الانقلاب والحرب
لا ينبغي استخدام هذه النتيجة لمساواة المواقف المختلفة أو محو الفوارق بينها، بل لفهم أن الموقف السياسي، مهما كانت وجاهته، يحتاج إلى استراتيجية قادرة على تحويله إلى قوة فعلية , فرفض التسوية التي يراها المرء إعادة إنتاج للأزمة لا يعفيه من سؤال البديل، كما أن المشاركة في تحالف سياسي لا تصبح مبررة لمجرد رفع شعار الانتقال الديمقراطي
ومن هنا، فإن الدفاع عن حق الاشتراكيين الثوريين في بناء مشروع مستقل ورفض التسويات التي يرونها مفرغة للتحول المدني من مضمونه، لا يعني منح أي استراتيجية حصانة من النقد. المطلوب هو اختبار الخيارات السياسية بقدرتها على توسيع المشاركة الشعبية، وبناء التنظيم المستقل، وتقليص نفوذ القوى المسلحة، وفتح طريق عملي نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية , إن الامتحان ليس من امتلك العبارة الأكثر جذرية، بل من يستطيع أن يجعل الموقف قوة منظمة، وأن يربط وضوح المبادئ بواقعية الوسائل، دون أن تتحول الواقعية إلى تبرير للتنازل الدائم، أو تتحول الجذرية إلى اكتفاء بتسجيل المواقف
من نقد الرأسمالية إلى تفكيك اقتصاد الحرب
تمنح الحرب الدائرة في السودان أي مشروع يساري جاد ساحة ملموسة لاختبار رؤيته الاقتصادية والاجتماعية. فالحرب ليست فقط مواجهة عسكرية بين أطراف تتنافس على السلطة؛ إنها أيضاً منظومة مصالح تتشابك فيها السيطرة على الذهب والأرض والطرق والأسواق، والجبايات والموارد العامة، وشبكات التمويل والتجارة المرتبطة باستمرار العنف
ولذلك لا يكفي أن يعلن اليسار رفض الحرب أو يكتفي بإدانة المستفيدين منها -و عليه أن يوضح كيف يُنتج اقتصاد الحرب مصالح تدفع نحو استمرارها، وكيف تُستخدم الموارد بعيداً عن احتياجات المجتمع، وكيف تتحمل الفئات الأضعف كلفة الانهيار، بينما تستطيع شبكات النفوذ تحويل العنف إلى مصدر للثروة والسلطة
هنا يصبح تفكيك اقتصاد الحرب جزءاً من مشروع السلام نفسه. فوقف إطلاق النار ضرورة عاجلة، لكنه لن يكون كافياً إذا بقيت مصادر تمويل العنف وشبكات الاستغلال وعلاقات السيطرة على الموارد بمنأى عن المساءلة والتغيير , ويمكن لليسار أن يطرح برنامجاً اجتماعياً واضحاً يبدأ بحماية الخدمات العامة، واستعادة الموارد المنهوبة عبر مؤسسات قانونية خاضعة للرقابة المدنية، ودعم صغار المنتجين والمزارعين، وضمان حقوق العمال، وإعادة بناء النقابات المستقلة، وتوسيع التعاونيات ومبادرات الإنتاج المحلي. كما يتطلب ذلك تصوراً عادلاً لإعادة الإعمار، حتى لا تتحول كلفته إلى عبء جديد على الفقراء، أو إلى فرصة أخرى لإثراء شبكات المصالح القديمة والجديدة
بهذا المعنى، لا تكون الاشتراكية خطاباً عاماً ضد الرأسمالية، بل تصوراً عملياً لمن يملك الموارد، ومن يقرر كيفية استخدامها، ولصالح من تُدار الدولة والاقتصاد
من الدفاع عن التراث إلى تجديد المشروع الاشتراكي
إن مناصرة الاشتراكيين الثوريين لا تعني الادعاء بأنهم يمتلكون كل الإجابات، أو أن استقلالهم عن بعض الخيارات السياسية السائدة يمنحهم تلقائياً القدرة على بناء البديل. إنها تعني الدفاع عن حقهم في تطوير مشروع اشتراكي ثوري ديمقراطي مستقل، وعن ضرورة بقاء هذا المشروع مفتوحاً للنقد والتجربة والتصحيح
فالوفاء لتاريخ اليسار لا يكون بتحويله إلى منطقة محرمة على المراجعة، كما أن التجديد لا يعني التخلي عن العدالة الاجتماعية أو استبدالها بلغة سياسية باهتة ترضي الجميع ولا تغيّر شيئاً. المطلوب هو التمسك بجوهر التحرر الاجتماعي، مع مراجعة الأدوات التنظيمية والسياسية في ضوء واقع تغيرت فيه علاقات العمل والإنتاج، وتضررت فيه البنى النقابية التقليدية، وبرزت أشكال جديدة من التنظيم والمقاومة الشعبية
لقد كشفت الثورة والحرب أهمية لجان المقاومة وغرف الطوارئ ومبادرات التكافل والعمل التطوعي، وما راكمته هذه الأشكال من خبرات في التنظيم المحلي والاستجابة لحاجات الناس. لكن التعامل معها لا ينبغي أن يكون بمحاولة احتوائها حزبياً أو افتراض أنها بديل جاهز من كل أشكال التنظيم السياسي والنقابي. الأجدى هو بناء علاقات ديمقراطية تحترم استقلالها، وتتعلم من تجربتها، وتفتح المجال أمام التعاون حول المصالح المشتركة
ويحتاج تجديد اليسار كذلك إلى ديمقراطية داخلية حقيقية، تسمح بالاختلاف والمراجعة، وإلى وضوح في البرامج الاقتصادية والاجتماعية، وإلى استقلال مالي وسياسي يحمي القرار من التبعية لمراكز النفوذ، سواء أكانت عسكرية أم إقليمية أم دولية. فاستقلال المشروع لا يُقاس بما يعلنه من شعارات فحسب، بل بقدرته على اتخاذ قراراته بحرية، ومساءلة قياداته، وإشراك قواعده في تحديد أولوياته
نحو يسار عابر للانغلاق الحزبي
ليس السودان أمام مفاضلة أخلاقية بين يسار مخطئ ويسار معصوم، ولا يحتاج إلى جولة جديدة من تبادل الاتهامات بين تيارات تتقاسم تاريخاً من مقاومة الاستبداد، ثم تعجز عن تحويل هذا التاريخ إلى قوة مشتركة تحمي المجتمع من الانهيار , و ما يحتاجه هو يسار يستطيع الجمع بين وضوح الموقف، والتجذر الاجتماعي، والديمقراطية الداخلية، والقدرة على الفعل , ويبدأ ذلك باستقلال القرار السياسي عن المؤسسة العسكرية ومراكز النفوذ التي تسعى إلى توظيف القوى المدنية في صراعاتها؛ وبترسيخ الديمقراطية داخل الأحزاب والتيارات اليسارية نفسها، حتى لا تصبح وحدة الصف ذريعة لإسكات النقد؛ وببناء برنامج اجتماعي ملموس يجعل الاشتراكية حاضرة في قضايا الخبز والأجر والأرض والصحة والتعليم والسكن والأمان، لا مجرد هوية فكرية يتبادل أصحابها الاعتراف بها
كما يتطلب الأمر استعداداً لتعاون واسع حول القضايا المشتركة، من دون إنكار الخلافات الفكرية أو تذويب استقلال التيارات المختلفة. فالعمل المشترك لا يستلزم التطابق، والاستقلال لا يعني العزلة، والتمسك بالمبادئ لا يعفي أصحابه من البحث عن وسائل واقعية لتحقيقها , إن الانحياز إلى الاشتراكيين الثوريين، في هذا السياق، ليس شيكاً على بياض، بل مساهمة في الدفاع عن إمكان قيام يسار مستقل لا يساوم على حق الناس في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ولا يكتفي في الوقت نفسه بسلامة الموقف بينما تظل موازين القوة على حالها , فالمعيار الحقيقي لنجاح اليسار السوداني لن يكون عدد البيانات التي يصدرها، ولا مقدار ما يسجله من مواقف صحيحة في مواجهة الانقلابات والتسويات، مهما كانت أهمية ذلك كله؛ بل ما يستطيع بناءه من قوة اجتماعية مستقلة، وما يفتحه أمام العمال والمزارعين والنساء والشباب والمهمشين من قدرة على تنظيم مصالحهم والدفاع عنها , عندها فقط تنتقل الاشتراكية من موقف فكري وأخلاقي إلى مشروع يغيّر علاقات القوة في المجتمع، وتصبح الديمقراطية أكثر من مجرد تداول للسلطة بين النخب. تلك هي المهمة التي تستحق المناصرة، وذلك هو الامتحان الذي ينبغي لليسار الثوري أن يقبل خوضه-- ألا يكتفي بأن يكون على صواب في تفسير الأزمة، بل أن يصبح جزءاً من القوة الاجتماعية القادرة على تجاوزها.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة