مراجعة واستعراض كتاب: «نحن والبيروسترويكا» إعداد وتقديم: يوسف أرسطو الكتاب: «نحن والبيروسترويكا» المؤلف: عبد الرزاق عيد (ناقد ومفكر مهتم بالفكر الاشتراكي) بيانات النشر: دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية/دمشق، الطبعة الأولى، 1991م. أولاً: مدخل التلخيص والعرض العام يسعى المفكر والناقد عبد الرزاق عيد في كتابه «نحن والبيروسترويكا» إلى تفكيك اللبس الفكري والتأويلي الذي رافق إعلان مشروع "البيروسترويكا" (إعادة البناء) الذي قاده آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. يركز المؤلف على أطروحة مركزية مفادها: عدم وجود تعارض جوهري بين "البيروسترويكا" والاشتراكية العلمية كما صيغت لدى ماركس وإنجلز. بل يراها محاولة لإعادة الاعتبار للمشروع الاشتراكي الأولي الذي يسعى في نهايته إلى إزالة اغتراب الإنسان، وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان، وتفكيك هيمنة الدولة والبيروقراطية لصالح «حكم الشعب بنفسه». ثانياً: المحاور الفكرية والسياسية للكتاب 1. البيروسترويكا كإعادة بناء ودحض لـ "أسطورة التناقض" تصويب المفاهيم: يتصدى الكاتب للرؤية الشائعة التي ترسي تناقضاً حتمياً بين الاشتراكية والديمقراطية والتعددية. فالإصلاح الغورباتشوفي لا يطرح فشل الفكر الشيوعي أو إسقاط سلطة الشعب، بل يستهدف تعميق هذه السلطة داخل الطور الاشتراكي نفسه. تفكيك البيروقراطية: كان هدف غورباتشوف الرئيس هو التسيير الذاتي والمواجهة الشاملة مع "الوثنية البيروقراطية" وما نتج عنها من تشوهات اجتماعية ونفسية كبلت الشخصية الإنسانية وعوّقت تطورها المتناغم مع المنظومة الاشتراكية. 2. الديمقراطية والعلنية (الغلاسنوست): الانعطاف الثوري البعد الثوري: يستشهد المؤلف بالمفكرين ورواد الفكر البيروسترويكي في وصف إعادة البناء بأنها «انعطاف تاريخي ذو طابع ثوري»؛ فهي ثورة من داخل النظام لكسر الجمود وتنشيط العامل البشري. إعادة بناء العقل: الديمقراطية وفق المفهوم البيروسترويكي ليست مجرد تعديل للإطارات المادية والاجتماعية، بل هي «إعادة بناء للعقل الإنساني الشامل» ليتحرر من التكلس واليقينيات الثابتة، ويخوض مغامراته الإبداعية لمواجهة الحقائق بجرأة دون أقنعة أيديولوجية. تجاوز الديمقراطية الغربية: يؤكد الكتاب أن ديمقراطية البيروسترويكا تتجاوز التأطير الحقوقي الشكلاني للديمقراطية الغربية، التي يراها المؤلف غلافاً أخلاقياً مزيفاً يغطي سلطة رأس المال، والغزو العسكري والثقافي، ونهب ثروات الشعوب. 3. نقد الخطاب العربي المضاد للبيروسترويكا الاختزال الاقتصادوي: يلحظ المؤلف أن الخطاب العربي المعادي للبيروسترويكا اختزل المشروع في شق مادي اختزالي؛ تجنباً لرياح التغيير والتعرية الفكرية. جدلية القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج: نظر هذا الخطاب للبيروسترويكا كدرجة من عدم تطابق القوى المنتجة مع علاقات الإنتاج السوفيتية السائدة. بينما يُبرز الكاتب الموقف السوفيتي الحقيقي الذي رأى في البيروسترويكا «ثورة في الوعي والأيديولوجيا» لا مجرد إصلاح اقتصادي مجرد عن تجلياته الاجتماعية والفكرية. ثالثاً: إثراء المادة والربط بمشروع «جماعة مسرح السودان الواحد» وبناء العضوية إن تقديم ومناقشة هذا الكتاب لم يكن مجرد ترفٍ فكري، بل جاء في إطار البرنامج التأسيسي لـ «جماعة مسرح السودان الواحد» لبناء عضوية متماسكة ووعي نقدي طليعي، وذلك عبر المحاور التالية: إعادة بناء العقل المسرحي والفكري: تتقاطع مقولة البيروسترويكا حول «إعادة بناء العقل الإنساني ليتجاوز الثوابت» مع الرؤية الفلسفية لجماعة مسرح السودان الواحد؛ إذ يمثل المسرح لدى الجماعة أداةً لإعادة صياغة العقل الجمعي السوداني، ومواجهة "الوثنية الثقافية والجمود الأيديولوجي"، والانتقال من الأشكال المسرحية التقليدية إلى مسرحٍ يحاكي واقع التنوع والوحدة المعقدة. تفكيك البيروقراطية المؤسسية والجمود الجمالي: كما هدفت البيروسترويكا إلى تفكيك الجهاز البيروقراطية السوفيتي لتنشيط "العامل البشري"، ترتكز استراتيجية بناء العضوية في الجماعة على خلق كادر مسرحي ديمقراطي ومبدع، يرفض الهياكل السلطوية والبيروقراطية في المؤسسة المسرحية، ويتجاوز الأطر الشكلانية القادمة من الخارج لإنتاج مسرح عضوي ينبع من صلب المكون الاجتماعي والثقافي السوداني. الديمقراطية كحقيقة مسرحية واجتماعية (العلنية والشفافية): إن الديمقراطية بالنسبة لجماعة مسرح السودان الواحد ليست مجرد آليات إدارية، بل هي "حقيقة إبداعية" وشكل من أشكال الحوار المفتوح مع الجمهور. تتجلى "الغلاسنوست" (العلنية) في ممارسة الجماعة عبر العصف الفكري والمكاشفة النقدية الحادة تجاه الواقع الثقافي والسياسي، واحتواء التعددية السودانية داخل الممارسة الدرامية كأداة لبناء "السودان الواحد". تأسيس العضوية على الوعي النقدي: إن قراءة نقدية لمشروع البيروسترويكا – بثرائه وإخفاقاته – تقدم لعضوية الجماعة درساً تاريخياً حاسماً: وهو أن أي تغيير أو إعادة بناء لا توازن بين "التجديد الفكري/الجمالي" وبين "البناء التنظيمي المتماسك" ستؤدي إلى الشتات. ومن هنا، يهدف السيمينار والمنتدى الفكري إلى حصانة العضوية فكرياً وإمدادها بمهارات التحليل الثقافي والمادي للواقع السوداني. رابعاً: ثبت المراجع للمادة والموضوع عيد، عبد الرزاق. (1991). نحن والبيروسترويكا. الطبعة الأولى، اللاذقية/دمشق: دار الحوار للنشر والتوزيع. غورباتشوف، ميخائيل. (1987). البيروسترويكا: تفكير جديد لبلادنا وللعالم. (ترجمة مركز الترقيم والترجمة)، بيروت: دار المطبوعات الشرقية. ماركس، كارل، وإنجلز، فريدريك. (1981). البيان الشيوعي. (ترجمة العفيف الأخضر)، بيروت: دار ابن خلدون. لينين، فلاديمير. (1984). الدولة والثورة. مسكوا: دار التقدم. ياسين، السيد (محرر). (1990). العرب والبيروسترويكا: الجدل الفكري والسياسي. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. توثيق العرض والمسار: التقديم الأول: قدمت ونوقشت هذه المادة الفكرية بـ «منتدى نادي التراث والثقافة الوطنية» بتاريخ الثلاثاء 3 ديسمبر (كانون الأول) 2013م. السياق التنظيمي: قدم هذا الاستعراض كركن أصيل ضمن حلقات الحوار الفكري الدوري المخصص لبناء العضوية والتأهيل الثقافي والجمالي لأعضاء «جماعة مسرح السودان الواحد».
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة