من تقاطع المصالح إلى الاعتماد المتبادل قراءة في مقال د. مقبول التجاني «نقوش على جدار الحرب السوداني

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 09-30-2026, 10:31 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-30-2026, 12:14 PM

د. علي عبدالله الخليفة طه
<aد. علي عبدالله الخليفة طه
تاريخ التسجيل: 07-16-2026
مجموع المشاركات: 70

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
من تقاطع المصالح إلى الاعتماد المتبادل قراءة في مقال د. مقبول التجاني «نقوش على جدار الحرب السوداني

    12:14 PM September, 30 2026

    سودانيز اون لاين
    د. علي عبدالله الخليفة طه-UK
    مكتبتى
    رابط مختصر



    سلسلة «استكمالاً لا مصادمة»
    من تقاطع المصالح إلى الاعتماد المتبادل
    قراءة في مقال د. مقبول التجاني «نقوش على جدار الحرب السودانية ٨: المصلحة كمدخل للحل»

    د. علي عبدالله الخليفة طه
    سبتمبر ٢٠٢٦

    في الحلقة الثامنة من سلسلته «نقوش على جدار الحرب السودانية»، يطرح الدكتور مقبول التجاني سؤالاً يستحق أن يتصدّر أي نقاش جادّ حول مستقبل السودان: كيف يمكن
    للسودانيين أن يعيدوا تعريف مصالحهم، بحيث يصبح السلام مصلحة مشتركة، وتصبح الدولة ملكاً لجميع مواطنيها، لا غنيمة تتنازعها القوى المسلحة المتصارعة والنخب السياسية المتشاكسة؟ ويستعين الكاتب في مقاربة هذا السؤال بنظرية المصلحة عند الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، محترزاً بأنها ليست «وصفة جاهزة لإنهاء الحرب السودانية»، بل مدخل فلسفي لفهم جذور الأزمة وإعادة التفكير في شروط التسوية القادمة.
    وتأتي هذه القراءة، على نهج هذه السلسلة، استكمالاً لا مصادمة: تثبّت ما أصاب فيه الكاتب، وتقف عند مواضع تحتاج إلى تحرير مفهومي أو استكمال عملي، ثم تعرض ما يقدّمه ميثاق النجاة وبناء الدولة وبروتوكول التفعيل المكمّل له من آليات تجيب عن أسئلة فتحها المقال وتركها مفتوحة.

    أولاً: ما أصاب فيه الكاتب

    يقدّم المقال تشخيصاً مكثّفاً لأزمة الدولة السودانية في عبارة واحدة تستحق التثبيت:
    ( الدولة التي ينبغي أن تكون إطاراً عاماً، لتنظيم المصالح المتعددة وحمايتها، أصبحت الآن موضوعاً للصراع عليها، وحولها ) .
    وهذا التشخيص يلتقي مع نقد الميثاق لنموذج ( الشرعية التنازلية ) الذي قام منذ الاستقلال على مركز يحتكر القرار والتمثيل والموارد ثم يوزّعها بقدر ما تسمح به موازين القوى، فأنتج دورة التهميش والتمرد والانقلاب المتكررة.
    ويُحسب للكاتب ثانياً صورة المزارع في شمال الجزيرة الذي روّعه الدعم السريع، والراعي في بادية نيالا الذي قصفه طيران الجيش. فهي صورة تعترف بمشروعية الألمين معاً، ولا تُسقط أحدهما لحساب الآخر، ثم ترفض صراحة أن تُدار الحرب بمنطق ( كلٌّ في حاكورته ) . ويُحسب له ثالثاً تمييزه بين مستوى المصالح الخاصة ومستوى المصالح المشتركة، مع تأكيده أن المطلوب ليس إلغاء المستوى الأول أو إنكار مشروعيته. ويُحسب له رابعاً رفضه للتسوية التي تقف عند مصالح القيادات المتفاوضة، لأنها ( تسوية هشة مؤقتة، لأنها لا تمتلك أي قاعدة اجتماعية تحميها ) . ثم إنه لم يكتفِ بالتحليل، بل اقترح في خاتمته مسارات عملية مترابطة تنتهي بالعدالة الانتقالية.
    وتجدر الإشارة، من باب التوثيق، إلى أن العبارة التي افتتح بها الكاتب مقاله، أي تحوّل السياسة إلى امتداد للصراع العسكري بوسائل أخرى، هي قلبٌ لعبارة كلاوزفيتز الشهيرة عن الحرب بوصفها امتداداً للسياسة بوسائل أخرى، وقد اشتهر هذا القلب عند ميشيل فوكو في محاضراته «يجب الدفاع عن المجتمع» (١٩٧٦). والإحالة إليه تُغني الفكرة ولا تنقص منها.

    ثانياً: تحرير المفهوم، أي هابرماس نحتاج؟

    يستند المقال إلى كتاب هابرماس «المعرفة والمصلحة الإنسانية» (١٩٦٨)، ويعرض بدقة أنماط المصلحة الثلاثة فيه: التقنية والعملية التواصلية والتحررية. غير أن هذه المصالح في الكتاب مصالح «مؤسِّسة للمعرفة»، أي توجهات عميقة في النوع الإنساني تحدّد أنماط العلوم ذاتها: المصلحة التقنية تؤسس العلوم التجريبية التحليلية، والعملية تؤسس العلوم التأويلية التاريخية، والتحررية تؤسس العلوم النقدية. وهي بهذا المعنى ليست مصالح سياسية لجماعات أو أقاليم أو قوى مسلحة.
    والكاتب يلمح إلى هذا حين يقول إنه لا يقصد المصالح المادية المباشرة بل ( التوجهات الأساسية التي تشكّل علاقة الإنسان بالعالم وبالآخرين والسلطة ) ، لكنه ينتقل بعد ذلك مباشرة إلى مصالح القوى العسكرية والأقاليم وتوزيع الموارد. والإطار الهابرماسي الأنسب لهذه النقلة موجود في أعماله اللاحقة. ففي ( أزمة المشروعية ) (١٩٧٣) يرد مفهوم المصالح القابلة للتعميم في مقابل المصالح الجزئية التي تتنكّر في ثوب المصلحة العامة. وفي أخلاقيات الخطاب يصوغ هابرماس مبدأ التعميم الذي مؤدّاه، بإعادة صياغة لا باقتباس حرفي، أن القاعدة لا تكون صحيحة إلا إذا أمكن لكل من تمسّهم أن يقبلوا نتائجها على مصالحهم.
    ويميّز هابرماس كذلك بين ( المساومة ) على مصالح جزئية، التي تنتهي إلى تسويات تعكس موازين القوة بين المتساومين، وبين ( الخطاب ) الموجّه نحو ما يقبل التعميم. وعبارة الكاتب ( تفاوض عقلاني ) تجمع بين المستويين دون تمييز. وهذا ليس تدقيقاً لفظياً: فالمساومة وحدها تنتهي بالضبط إلى ما يرفضه الكاتب، أي ( سلام يُفرض بتوازن السلاح ) .
    ثم إن المصلحة التحررية، وهي أقرب المصالح الثلاث إلى الحالة السودانية، ذُكرت في المقال ثم تُركت دون توظيف. فخطابات الحرب ومنطق الحاكورة والتعبئة الهويّاتية هي بالضبط ما يسمّيه هابرماس تواصلاً مشوّهاً نسقياً، يحتاج إلى نقد يسبق الحوار ويصاحبه. ويترتب على هذا سؤال لم يطرحه المقال: الحوار الذي يتصوّره هابرماس يفترض تكافؤاً بين المتحاورين، والمتحاورون في السودان بعضهم مسلّح وبعضهم أعزل. فمن يتكلّم؟ وبأي ضمانة؟

    ثالثاً: مصلحة غياب الدولة، حين لا يكون السلام مصلحة للجميع

    يرى الكاتب أن المزارع والراعي والعامل وسكان الشرق والشمال والشباب والنساء، على اختلاف أولوياتهم، «
    ( يشتركون في مصلحة أساسية واحدة تتمثل في إنهاء الحرب ) . وهذا صحيح في حق هؤلاء. لكن الأطروحة تفترض أن كل من يملك أثراً في مسار الحرب يشارك في هذه المصلحة، وهو افتراض لا يصمد أمام ما يكشفه الفصل السادس من بروتوكول التفعيل عن فجوة اقتصاد الظل : شبكة ( أمراء البوابات ) ، قادة ميدانيون من الصف الثاني والثالث يديرون جباية منظمة على الشاحنات والمواشي والذهب، تحولت من وسيلة تمويل مؤقتة للمجهود القتالي إلى بنية اقتصادية مستقرة بذاتها، لا ترتبط مصلحتها المباشرة باستمرار الحرب أو توقفها، بل باستمرار غياب الدولة نفسها .
    هنا تكمن المشكلة التي لا تبلغها نظرية المصلحة المشتركة: فالحرب لا تعبّر عن مصالح سابقة عليها فحسب، بل تُنتج مصالح جديدة، وتصنع فاعلين يعيشون على غياب الدولة لا على الحرب ذاتها. ويضيف البروتوكول ملاحظة تمنح نقد الكاتب للتسويات النخبوية تفسيراً بنيوياً لم يقدّمه هو: ( من يوقّع باسم طرف مسلح لا يملك بالضرورة سلطة فعلية على من يجبي عند البوابة ) . فالتسوية التي تقف عند القيادات هشة لا لأنها تفتقر إلى قاعدة اجتماعية فحسب، بل لأن من يوقّعها قد لا يملك ما يَعِد به.
    ولا يكتفي البروتوكول بالتشخيص. فهو يقترح الفصل بين مسار السلاح ومسار المال، بحيث لا يصير تسليم البندقية مقابل العفو تبييضاً لثروة متراكمة، ويبني قاعدة بيانات مستقلة لمسارات الجباية تُستخدم لاستبعاد المرتبطين باقتصاد الحرب من الترشح للتمثيل المحلي. والأهم في سياق هذه القراءة أنه يميّز بين ( أمراء البوابات ) وبين الفاعلين المحليين المضطرين، كالسائقين والتجار الصغار، ويحوّل هؤلاء من ضحايا قسريين إلى شركاء في الرقابة المحلية . وهذا بعينه ما يطالب به الكاتب حين يدعو إلى تحويل المصالح المشتركة ( من مجرد أمنيات أخلاقية إلى برنامج وطني قابل للتنفيذ ) .
    ويسند متن الميثاق هذا المسار بركيزة السيادة المالية (القسم السادس)، التي تربط الموارد الاستخراجية، والذهب خصوصاً، بحساب سيادي موحّد وشفاف، لأنه ( بلا سيادة مالية، تبقى تعويضات العدالة الانتقالية حبرًا على ورق لغياب الموارد الشفافة لتمويلها ) . ومعيار النجاح الذي يضعه البروتوكول يحاور الكاتب بلغته هو، لغة المصلحة لا لغة الوعظ: ليس اختفاء كل ارتكاز فور توقيع أي اتفاق، بل ( بقاء كلفة استمرار الجباية أعلى من عائدها ) .

    رابعاً: من يدعو إلى الحوار، وكيف يُصان؟

    يقترح الكاتب ( حواراً سودانياً-سودانياً يعيد تعريف المصلحة الوطنية العامة ) ، لكنه لا يسأل من يملك شرعية الدعوة إليه، ولا كيف يصل صوت المزارع والراعي إلى الطاولة دون أن تحتكره النخب ذاتها التي ينتقدها. ويجيب الفصل الأول من البروتوكول عن هذا بمبدأ ( الدعوة كمسار لا كإعلان ) : أن تصدر الدعوة الأولى من جهة تقرّ صراحة بأنها لا تملك تفويضاً شاملاً، وتحدد لنفسها دوراً وظيفياً محدوداً هو تيسير انعقاد لقاءات محلية تأسيسية، ( لا التحدث باسم أحد ) . ثم تتراكم الشرعية عبر تفويضات متتابعة قابلة للتحقق، تبدأ من رقعة جغرافية صغيرة يختار سكانها ممثلهم بالاسم، وتصعد إلى المستوى الإقليمي فالوطني.
    وشرط العضوية والترشح في هذه الآلية هو الإقامة الفعلية لا النسب. وهنا يلتقي رفض الكاتب لمنطق ( كلٌّ في حاكورته ) مع أحد أعمدة الميثاق: فالحاكورة ارتبطت تاريخياً بالحق القبلي في الأرض، والميثاق يختار المكان لا الانتماء أساساً للتمثيل، مستنداً في ذلك إلى نقد محمود ممداني لإرث الإدارة غير المباشرة، وإلى ما تُظهره إلينور أوستروم من أن وضوح حدود الوحدة الجغرافية شرط أول لنجاح أي حوكمة تشاركية.
    أما رهان المقال على ( عملية توافق وطني ) ، فيقدّم البروتوكول بشأنه درساً من تجربة مؤتمر الحوار الوطني اليمني (٢٠١٣-٢٠١٤)، الذي اعتمد التوافق في القضايا الخلافية لكنه لم يمنع الانهيار اللاحق:
    ( آلية اتخاذ القرار (التوافق الموزون) لا تكفي وحدها إن لم تُبنَ فوق مسار تمثيل يتحقق تراكمياً من أسفل، لا يُفرض قبلياً بالحصص من أعلى ) .
    وحين يُبنى هذا المسار، يحتاج ( التفاوض العقلاني ) الذي يدعو إليه الكاتب إلى قاعدة قرار تحسم الخلاف. وهذا ما تقدّمه آلية التوافق الموزون في الركيزة الرابعة: معيار عددي يقيس الكثافة السكانية، ومعيار تعويضي يقيس درجة التهميش التاريخي والتنموي للمكان، ونصاب موزون في القرارات المصيرية يمنع أي كتلة من فرض قرار أحادي.
    ويبقى سؤال صون الحوار. والميثاق هنا يقدّم تحصيناً لا تملكه نظرية التوافق التي يستند إليها الكاتب، إذ ينص في مبدأ ( رفض الاكتمال ) على أنه:
    ( لا يُتَّخذ الإجماع الظاهري هدفًا في ذاته، ولا دليلًا على تحقق العدالة؛ إذ قد يخفي الإجماعُ إسكاتَ من لا صوت له أكثر مما يعكس إنصافه ) .
    ثم يمنح الفصل السابع من البروتوكول المصلحةَ التحررية التي ذكرها الكاتب صورة مؤسسية: مرصد مستقل لخطاب الكراهية، معياره ( ليس حدّة اللهجة بل الاستهداف الجماعي بالهوية ) . وأهمية هذا للمقال تحديداً أن ثنائية المزارع والراعي، التي استخدمها الكاتب بحسن نية صورةً للتعدد، قابلة في السياق السوداني لأن تُحمَّل بدلالات هويّاتية تحوّلها إلى أداة تعبئة. فالحوار الذي يدعو إليه الكاتب يحتاج حارساً يمنع هذا التحويل، أو كما يقول البروتوكول في خاتمة ذلك الفصل: الكلمة قبل الرصاصة.

    خامساً: عدالة لا تضع الضحايا في مواجهة بعضهم

    يختم الكاتب مساراته بالدعوة إلى ( مشروع جاد للحقيقة والمصالحة والعدالة الانتقالية بين مزارع الجزيرة وراعي دارفور ) . والدعوة في ذاتها صائبة، لكن صياغتها تحتاج إلى وقفة. ففي مثال الكاتب نفسه، روّع الدعم السريع المزارع، وقصف طيران الجيش الراعي. لم يؤذِ أحدهما الآخر. وجعل المصالحة ( بينهما ) ينقل عبئها، دون قصد، من الفاعلين المسلحين إلى ضحاياهم المدنيين.
    وهذا ما تصحّحه البنية الثلاثية للعدالة الانتقالية في القسم الخامس من الميثاق. فمجالس المصالحة المحلية تختص بما يقع فعلاً بين المجتمعات، كنزاعات الأرض والاعتداءات المحلية والتهجير على مستوى القرية أو الحي، وهو ما قد يوجد بين مجتمعات الزراعة والرعي، مع إطار قانوني وطني يمنعها من أن تعيد إنتاج نفوذ الزعامات المحلية على حساب الضحايا الأضعف. ومفوضية الحقيقة والتعويض تأخذ من جنوب أفريقيا آلية كشف الحقيقة العلنية، ومن كولومبيا الإصرار على تعويض مادي ملموس. أما دائرة الجرائم الكبرى فتختص بالانتهاكات الجسيمة التي لا يجوز أن تخضع للمصالحة المجتمعية ولا لمنطق ( الحقيقة مقابل العفو ) ، وفيها يقع القصف الجوي للمدنيين والترويع الممنهج للقرى.
    ثم إن الكاتب يضع العدالة الانتقالية في آخر مساراته. والميثاق يحذّر من هذا الترتيب تحديداً، ويوجب أن يبدأ توثيق الانتهاكات وحماية الشهود بالتوازي مع وقف إطلاق النار، ( حتى لا تضيع الأدلة والذاكرة الحية للضحايا في الفجوة الزمنية بين الاتفاقين ) . ويشرح الفصل الثاني من البروتوكول منطق هذا التوازي: العدالة العدالة الانتقالية تحتاج تمويلاً لا تملكه دون سيادة مالية، والسيادة المالية تحتاج شرعية شعبية لا تملكها دون مسار عدالة مرئي. ويستشهد بالتجربة التونسية، حيث تحوّلت ( المصالحة الاقتصادية ) إلى تسوية سياسية ( تفاوضت عليها نفس الشبكات التي كان يُفترض أن تُحاسَب ) . وفي هذا تنبيه لأي مقاربة تجعل التفاوض على المصالح بديلاً عن أدوات المساءلة.

    سادساً: من المصلحة المشتركة إلى الاعتماد المتبادل

    تظل ( المصلحة ) ، حتى حين تصير ( مشتركة ) ، مفهوماً تجميعياً: أفراد وجماعات متمايزون تتقاطع حساباتهم، فإذا تغيّرت الحسابات انفضّ التقاطع. ويقترح الميثاق أساساً أعمق هو الاعتماد المتبادل، الذي لا يقوم على تقاطع عارض للمصالح، بل على إقرار كل طرف بأنه غير مكتفٍ بذاته:
    ( فالجيش يفتقر إلى شرعية شعبية لا تُكتسب بالقوة وحدها، والمدنيون يفتقرون إلى قدرة تنفيذية وميدانية لا تكفيها الشرعية التمثيلية وحدها، وكل إقليم يفتقر إلى ما تملكه الأقاليم الأخرى من موارد أو خبرة أو عمق مؤسسي ) .
    ولا يترك الميثاق هذا المبدأ عرضة للتوظيف في تبرير التفاوت القائم، بل يشترط له شرطين: أن يبدأ إقرار الطرف الأقوى بحاجته إلى الأضعف قبل أن يُطلب من الأضعف إقراره بحاجته إلى الأقوى، وأن يُترجم هذا الإقرار إلى أثر مؤسسي فعلي في التمثيل والموارد والسلطة. وهذان الشرطان هما الجواب عن سؤال التكافؤ الذي أثرناه في القسم الثاني: الحوار بين مسلّح وأعزل لا يستقيم إلا إذا بدأ المسلّح بالإقرار بافتقاره.
    ويستند البروتوكول في تأصيل هذا المعنى إلى فلسفة أوبونتو الأفريقية، «أنا لأننا نحن»، وإلى ما طرحه إيمانويل ليفيناس حول أسبقية العلاقة بالآخر على استقلالية الذات، وما طرحه سايمون كريتشلي في كتابه Infinitely Demanding من أن الالتزام الأخلاقي ينشأ من إدراك النقص لا من اكتمال القدرة. غير أن الميثاق لا يحتاج إلى استيراد هذا المعنى من خارج الوجدان السوداني، فهو يجده حياً في تقليد النفير: حيث يُلبّي الجيران نداء من يحتاجهم دون انتظار مقابل فوري، ( لأن الأدوار تتبادل عبر الزمن ولا تثبت لطرف بعينه ) . ومن هنا يأتي ( النفير الوطني الكبير ) حاملاً تنفيذياً للمشروع، بنداء يتجه أولاً إلى من يملك السلطة والموارد.
    وأخيراً، فإن تشخيص الكاتب للدولة بوصفها ( غنيمة ) يجد جوابه المؤسسي في الجدار المؤسسي (القسم السابع من الميثاق والفصل الثامن من البروتوكول): فصل الطبقة المدنية التنفيذية عن الطبقة السياسية المتنافسة، بمعايير تعيين معلنة ومراجعة أداء لا مراجعة ولاء، حتى لا يتحوّل كل انتقال سياسي إلى مناسبة لتصفية الدولة وإعادة اقتسامها.

    خاتمة: تواضع مشترك

    احترز الكاتب منذ البداية بأن نظرية هابرماس ليست وصفة جاهزة لإنهاء الحرب. والميثاق يشاركه هذا التواضع، إذ يقول بروتوكول التفعيل عن نفسه:
    ( هذه الخارطة لا تحل كل شيء. هي تصميم لمسار تفعيل، لا ضمانة لنجاحه ) .
    فتوازن القوى العسكري الفعلي، ومواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين، وقدرة المجتمعات المحلية على الاستمرار سنوات في مهام تطوعية، كلها تبقى خارج نطاق أي تصميم تنظيمي. لكن الفارق بين مدخل فلسفي وتصميم مؤسسي هو أن الثاني يسمّي آلياته ويجعلها قابلة للمساءلة، فيعرف المواطن ما الذي نجح وما الذي أخفق ومن المسؤول.
    يختم الكاتب مقاله بعبارة نتبنّاها كاملة: ( السلام الذي لا يصنعه المواطنون معاً، لا يستطيع أن يحمي مستقبلهم جميعاً ) . ونضيف إليها ما يقتضيه الاستكمال: وما يصنعه المواطنون معاً يحتاج إلى مؤسسات تجعل سرقته أصعب من صونه. فالمصلحة تكون مدخلاً للحل حين تُبنى حولها بنية تحرسها، وحين يُقرّ الجميع، بدءاً بالأقوى، بأن أحداً لا يملك وحده ما يلزم لإعادة بناء السودان.























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de