عمر الدقير، في زمن التاسيس لا يكفي الوقوف بعيداً عن البنادق كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 09-30-2026, 10:31 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-27-2026, 12:07 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 329

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
عمر الدقير، في زمن التاسيس لا يكفي الوقوف بعيداً عن البنادق كتبه خالد كودي

    12:07 PM September, 27 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر





    27/9/2026 ، بوسطن

    من استقلال الضمير إلى مسؤولية مواجهة الدولة التي أنتجت الحرب
    كتب الأستاذ عمر الدقير في 26 سبتمبر مقالاً بعنوان "المثقف في زمن الحرب.. بين استقلال الضمير وقيود الاصطفاف"، متداخلاً في السجال الذي شارك فيه د. النور حمد، ود. الواثق كمير، ود. ناهد محمد الحسن، وشخصي خالد كودي حول موقع المثقف في الحرب السودانية.
    ويمكن تلخيص أطروحه الدقير في النقاط الآتية:
    - يرى الدقير أن القضية الأساسية ليست في حق المثقف في الانتماء أو الانحياز، وإنما في قدرته على الاحتفاظ باستقلال ضميره ووظيفته النقدية، بحيث يطبق المعايير الأخلاقية نفسها على الحليف والخصم.
    يحذر من انتقال المثقف من "مثقف قضية" إلى "مثقف معسكر"؛ أي أن يبدأ بالدفاع عن قضية يعتقد بعدالتها، ثم ينتقل تدريجياً إلى تبرير ممارسات القوة المسلحة التي ترفع شعاراتها أو الصمت عن انتهاكاتها.
    - يؤكد أن وحدة المعيار لا تعني المساواة بين الأطراف؛ فقد تختلف مسؤولياتها وطبيعتها وحجم الانتهاكات المنسوبة إليها، لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يمنح أي طرف حصانة من المساءلة.
    - يعتبر أن الاختبار الحقيقي لاستقلال المثقف يظهر في قدرته على نقد الطرف الأقرب إليه، لا في شدة هجومه على خصومه، وأن هذا المعيار ينبغي أن يطبق على المؤيدين للجيش والدعم السريع وسائر القوى المسلحة.
    - يدعو المثقف إلى حماية الحقيقة في زمن الحرب، عبر التحقق من الوقائع، ومقاومة خطاب الكراهية والتحريض، ورفض الإدانة على أساس الهوية الإثنية أو الجغرافية أو السياسية، وعدم استخدام عدالة القضية لتبرير الانتهاكات المرتكبة باسمها.
    - يوسع مسؤولية المثقف لتشمل التنبيه إلى مقدمات الحرب وأسبابها وصياغة البدائل السياسية، وليس الاكتفاء بإدانة الجرائم بعد وقوعها.
    - يرى أن عدم الانحياز إلى أطراف الحرب لا يعني بالضرورة الحياد؛ فقد يكون، في تصوره، انحيازاً إلى الضحايا والسلام والحرية والعدالة والكرامة، بينما يعتبر الحياد تجاه الظلم والانتهاكات تهرباً من المسؤولية الأخلاقية.
    - يؤكد أن الحل في السودان سياسي وليس عسكرياً، ويدعو إلى مقاومة الخطابات التي تعتبر التفاوض خيانة أو ترى في الحسم العسكري الطريق الوحيد لإنهاء الصراع.
    - ويحذر في خاتمته من تحويل موازين القوة التي صنعتها الحرب إلى تفويض لأصحاب السلاح لتحديد مستقبل السودان، ويرى أن مهمة المثقف هي المساهمة في "استرداد السياسة من أسر السلاح"، وصولاً إلى دولة مدنية ديمقراطية لا تحتكرها بندقية أو جماعة أو أيديولوجيا.
    وبذلك يمكن اختزال أطروحة الدقير في سؤال مركزي: كيف يستطيع المثقف أن ينحاز إلى قضية أو موقف سياسي، من دون أن يتحول انحيازه إلى ولاء يعطل وظيفته النقدية ويمنح القوة المسلحة القريبة منه حصانة أخلاقية أو سياسية؟

    خلاصة حجتنا على مقال الأستاذ عمر الدقير
    الموقف المعلن والثابت لثورة السودان الجديد وثواره، في مساراتها السلمية والمسلحة، هو الإدانة غير المشروطة لكل قتل أو اغتصاب أو تعذيب أو تهجير قسري أو استهداف متعمد للمدنيين، أياً كان مرتكبه. فهذه هي نقطة البداية الأخلاقية والقانونية: لا توجد قضية، مهما كانت عادلة، تمنح مرتكب الجريمة حصانة أو تبريراً لانتهاك حقوق المدنيين.
    - مقال الأستاذ عمر الدقير يطرح سؤالاً مهماً عن استقلال المثقف، لكنه يركز على علاقة المثقف بأطراف الحرب أكثر مما يسأل عن علاقة الحرب ببنية الدولة التي أنتجتها.
    - هناك خلط يحتاج إلى تفكيك بين الحرب، والثورة، والثورة المسلحة. ليست كل حرب ثورة، وليس كل سلاح ثورياً، لكن التاريخ يعرف مقاومات مسلحة نشأت عندما جعلت الدولة العنف وسيلةً وحيدة لإدامة نظام فاشي وإقصائي.
    - تجربة السجن والاعتقال والقمع السياسي التي عرفتها النخب والمعارضة في المركز السوداني حقيقية ولا ينبغي التقليل منها، لكنها تختلف في طبيعتها عن تجربة مجتمعات واجهت عنف الدولة المسلح بفاشية: القصف الجوي، وحملات الجهاد، والميليشيات، والتهجير، والحصار والتجويع، وتدمير القرى. لذلك لا يجوز تحويل تجربة النخبة المركزية في مقاومة الدكتاتورية إلى معيار أخلاقي وحيد يُفرض على مجتمعات واجهت أشكالاً مختلفة وأشد من عنف الدولة، أو يُحدد لها من خارجه الوسيلة المشروعة لمقاومته.
    - استعادة السياسة من السلاح ضرورة، لكن السؤال السابق عليها هو: أي سياسة؟ وفي أي دولة؟ فالعودة إلى المجال السياسي من دون إعادة تأسيس الدولة ستعيد إنتاج الشروط التي أنتجت الحرب
    - السلام المستدام في السودان يحتاج إلى معالجة طبيعة الدولة: المواطنة المتساوية، وعلمانية الدولة، والتعدد، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وإعادة بناء الجيش والمؤسسات القومية، وضمان الحقوق الأساسية باعتبارها مبادئ تأسيسية لا مِنحاً تؤجلها الأغلبية.

    ولنناقش مع الاستاذ عمر الدقير هذا الأمر:

    أولاً: لا قضية تبرر الجريمة:
    يجب أن يبدأ أي نقاش أخلاقي حول الحرب السودانية من قاعدة لا مساومة عليها: كل جريمة ضد المدنيين مدانة، أياً كان مرتكبها وأياً كانت القضية التي يرفع شعارها. القتل والاغتصاب والتعذيب والتهجير القسري والنهب والاستهداف الإثني لا تصبح أقل جرماً حين يرتكبها من يرفع راية الثورة، ولا أكثر جرماً حين يرتكبها الجيش أو قوة نختلف معها سياسياً.
    وما يقوله عمر الدقير عن ثبات المعيار الأخلاقي والقانوني صحيح. لكن وحدة المعيار لا تعني تماثل الأطراف في تاريخها وأسباب نشأتها ومشروعاتها. يمكن إدانة جريمة يرتكبها ثائر من دون إسقاط عدالة القضية التي ثار من أجلها، كما أن جرائم الدولة لا تمنح كل من يقاومها براءة تلقائية.
    لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إدانة الجرائم ـ وهي واجب لا خلاف عليه ـ إلى بديل عن مساءلة البنية التي تنتجها. فرفع راية الانتهاكات في وجه كل مشروع لإعادة تأسيس الدولة يؤدي، موضوعياً، إلى صرف النقاش من السؤال الأصعب: من أنتج الحروب المتكررة؟ ولماذا ظلت الدولة السودانية قادرة على إعادة إنتاجها؟ ولماذا تعرضت مجتمعات بعينها، جيلاً بعد جيل، لأنماط من العنف تختلف في طبيعتها وحجمها عن القمع السياسي الذي عرفته النخب في المركز؟ الجريمة تستوجب المحاسبة، لكنها لا تعفي الدولة التي أنتجت شروط الحرب من المحاكمة التاريخية والسياسية، وهنا الاختبار الجد!

    ثانياً: المثقف لا يقف خارج بنية الدولة لمجرد ابتعاده عن معسكراتها:
    يحذر الدقير من تحول "مثقف القضية" إلى "مثقف المعسكر"، وهو تحذير مشروع. لكن ثمة خطراً مقابلاً: أن يتحول الوقوف بعيداً عن المعسكرات إلى ادعاء ضمني بالوقوف خارج التاريخ نفسه، وهذا ماتفعله النهب واحزابها وبانتهازية للأسف.
    فالمثقف لا يصبح مستقلاً لمجرد أنه لم ينضم إلى قوة مسلحة. قد يكون مستقلاً تنظيمياً، لكنه يظل متشكلاً داخل منظومة من التعليم والثقافة واللغة ومفاهيم الدولة والقومية والجيش والهوية والمركز والهامش. لذلك لا يكفي أن نسأل: إلى أي معسكر انضم المثقف؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: من أي موقع تاريخي ينظر؟ وأي دولة يعتبرها الحالة الطبيعية التي ينبغي العودة إليها بعد الحرب؟
    وهنا يظهر قصور مهم في خطاب النخب السودانية، بما فيه الخطاب الذي يطرحه الدقير: نقد الاستبداد من دون الذهاب بالصرامة نفسها إلى نقد بنية الدولة التي أعادت إنتاجه والحروب معه. فالدعوة إلى "استعادة السياسة" تظل ناقصة ما لم تجب عن السؤال الجوهري: هل المطلوب استعادة السياسة داخل شروط السودان القديم، أم إعادة تأسيس المجال السياسي والدولة على قواعد جديدة؟
    وتزداد المفارقة حين يُوجَّه درس استقلال المثقف إلى مثقفين من مجتمعات الهامش كما لو أنهم لم يدركوا مخاطر السلاح أو تعقيدات العلاقة بين الثورة والقوة المسلحة. فكثيرون منهم لم يعرفوا الحرب من الكتب والمنابر؛ دخلت الحرب قراهم ومدارسهم وحقولهم وذاكرة أسرهم جيلاً بعد جيل. ولذلك فإن اختلافهم مع بعض نخب المركز حول ضرورة المقاومة المسلحة في ظروف تاريخية محددة لا يجوز اختزاله في نقص أخلاقي أو عجز نقدي. والأجدر بالنخبة، قبل أن تحدد للآخرين أخلاق مقاومتهم، أن تسأل نفسها عن الدولة التي جعلت المقاومة، بأشكالها المختلفة، بمافيها المسلحة ضرورة متكررة في تاريخ السودان.

    ثالثاً: الحرب ليست الثورة، والثورة ليست الحرب:
    هنا يلزم ضبط المفاهيم.
    الحرب حالة صراع مسلح بين قوى منظمة، وقد تكون عدوانية أو دفاعية، استعمارية أو تحررية، أهلية أو دولية.
    أما الثورة فهي عملية سياسية واجتماعية تسعى إلى تغيير بنية السلطة أو المجتمع أو الدولة.
    والثورة المسلحة حالة مخصوصة تستخدم فيها حركة تغيير سياسي السلاح ضمن أدوات صراع أوسع.
    هذه المفاهيم ليست مترادفات. ليست كل حرب ثورة، وليس كل من يحمل السلاح ثائراً، ولا يمنح وصف "الثورة" أي قوة مسلحة ترخيصاً أخلاقياً مفتوحاً. لكن العكس صحيح أيضاً: وجود السلاح لا يبطل تلقائياً الطبيعة التحررية لمقاومة ما.
    التاريخ الحديث نفسه يصعب فهمه من دون هذا التمييز.
    بعد عقود من العمل السلمي ضد الفصل العنصري، وبعد مذبحة شاربفيل وحظر المؤتمر الوطني الأفريقي، انتقل المؤتمر
    ANC الوطني الأفريقي
    Umkhonto we Sizwe إلى تأسيس جناحه المسلح أومخونتو وي سيزوي
    عام 1961. وتشير سجلات مؤسسة نيلسون مانديلا إلى أن القيادة ربطت التحول بإغلاق مسارات المقاومة السلمية وتصاعد عنف الدولة، مع استمرار المقاطعات والتنظيم السياسي والعمل الجماهيري بالتوازي مع المقاومة المسلحة
    وفي محاكمة ريفونيا لم يقدم نيلسون مانديلا "التخريب" باعتباره عشقاً للعنف، بل نتيجة تقدير سياسي لسنوات من الطغيان والقمع. وهذا فارق بالغ الأهمية: المقاومة المسلحة، في منطقه، لم تكن بديلاً عن السياسة، وإنما إحدى الأدوات التي فرضتها طبيعة الدولة التي أغلقت وسائل أخرى للتغيير.

    رابعاً: أخلاق المقاومة لا يمكن فصلها عن طبيعة العنف الذي تواجهه:
    هنا تصبح مقاربة فرانتس فانون التي اشرنا اليها في عدد من المقالات أكثر أهمية. لم يبدأ فانون من سؤال مجرد: هل العنف جيد أم سيئ؟ بل من حقيقة أن النظام الاستعماري نفسه يقوم على عنف مادي ورمزي يعيد ترتيب الأرض والإنسان والهوية والقيمة. وتوضح الأدبيات الفلسفية حول معذبو الأرض أن العنف عند فانون مرتبط بتحليل بنية استعمارية تأسست أصلاً بالقوة، وإن كان فكره أكثر تعقيداً من تحويله إلى دعوة مفتوحة للعنف...
    والتاريخ الأوروبي يقدم المثال الأقصى. لم تتوقف النازية بالمواعظ الأخلاقية وحدها. النظام النازي شرع في الإبادة المنظمة للعض الاثنيات واضطهد وقتل جماعات أخرى، واستمرت آلة القتل حتى المراحل الأخيرة من الحرب. وانتصار الحلفاء عسكرياً على ألمانيا النازية كان السبيل الذي أوقف الهوس النازي فعلياً، فيما حررت القوات السوفيتية والأمريكية والبريطانية معسكرات الاعتقال والإبادة أثناء تقدمها العسكري.
    هنا نقول: لا توجد قاعدة تاريخية أو أخلاقية تقول إن المقاومة السلمية هي الأداة الوحيدة الممكنة في مواجهة كل أنواع العنف المنظم للدولة- فطبيعة العنف هذ التي تحدد طبيعة مقاومته.
    وعليه، السؤال الأخلاقي الصحيح يصبح: ما طبيعة الظلم؟ ما البدائل المتاحة؟ هل أُغلقت وسائل التغيير السلمي؟ وهل يظل السلاح خاضعاً لمشروع سياسي وقواعد قانونية، أم يتحول إلى سلطة مستقلة بذاتها؟

    خامساً: ليست كل تجارب السودانيين مع الدولة متشابهة:
    وهذه النقطة ضرورية في النقاش السوداني لكل من يريد ان يحاضر الاخرين فيما هو أخلاقي او دون.
    تعرض معارضون في الخرطوم والشمال والوسط للاعتقال والتعذيب والفصل والتضييق والنفي، ودفع كثيرون أثماناً حقيقية لمعارضة الدكتاتوريات. لكن الاعتراف بذلك لا يبرر تسوية هذه التجربة تاريخياً بتجربة مجتمعات واجهت حرب إبادة شاملة من أجهزة الدولة.
    في جبال النوبة مثلاً، وثقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في 2011 القصف العشوائي الحكومي للمناطق المدنية، وسقوط مئات القتلى والاف الجرحى ونزوح السكان ومنع وصول المساعدات. وفي 2012 وثقت هيومن رايتس ووتش وغيرها استمرار القصف وتدمير مصادر المياه والغذاء وآثار الحصار الإنساني.
    وتعرض متاحف العالم اليوم، في توثيقها لتاريخ جبال النوبة، استخدام قوات الدفاع الشعبي والميليشيات والمجاهدين، وإعلان "الجهاد" في 1992، والهجمات التي استهدفت المجتمعات المحلية وموارد بقائها. كما وثقت هيومن رايتس ووتش وغيرها في التسعينيات تسليح ميليشيات قبلية وسياسات التعبئة تحت راية الجهاد.
    وفي دارفور وصلت المسألة إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ فقد صدرت بحق عمر البشير مذكرتا توقيف، وتشمل القضية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وثلاث تهم بالإبادة الجماعية. وهذه اتهامات قضائية لم تصل إلى حكم نهائي ضد البشير لأنه لم يمثل أمام المحكمة، لكنها تبين حجم وطبيعة الجرائم التي أصبحت موضوعاً للقانون الجنائي الدولي.
    إذن نحن أمام درجات وأنماط مختلفة من عنف الدولة. والسجن السياسي ليس القصف الجوي؛ والفصل من الوظيفة ليس تدمير القرية؛ والقمع الأمني في المدينة ليس إعلان الجهاد على إقليم وإدخال مجتمعات بأكملها في اقتصاد الحرب، ولا شنو؟
    ولا تنتقص هذه المقارنة من آلام او مظالم أحد. إنها تمنع فقط تحويل تجربة فئة اجتماعية واحدة مع الدولة إلى المقياس الأخلاقي الذي يُطلب من الجميع أن يقيسوا به وسائل مقاومتهم.

    سادساً: من يحدد للمظلوم وسيلة مقاومته؟
    هنا يصبح استدعاء مارتن لوثر كينغ الابن اكثر تعقيدا مما يبدو. كنغ مان من اعظم منظري حركات اللاعنف، لكنه كان ايضا
    من أشد نقاد ذلك "المعتدل" الذي يقبل هدف العدالة ثم يطالب المظلوم بأن ينتظر أو يختار وسيلة أكثر راحة له وللنظام القائم. وفي رسالة من سجن برمنغهام انتقد "المعتدل الأبيض" الذي يفضل "النظام" على العدالة و"السلام السلبي" على السلام القائم على الانصاف والعدالة.
    وفي موضع آخر صاغ مارتن لوثر كينغ الفكرة بوضوح: السلام الحقيقي ليس مجرد غياب التوتر، بل حضور العدالة
    ومن هنا يمكن قراءة قول الدقير إن عدم الانحياز إلى أطراف الحرب قد يكون انحيازاً إلى الضحايا والسلام والحرية والعدالة. نعم، قد يكون كذلك، لكنه ليس كذلك بالضرورة؛ فعدم الانحياز إلى الأطراف لا يعني تلقائياً اتخاذ موقف من الظلم الذي أنتج الحرب أو من البنية التي تعيد إنتاجه...
    فالوقوف خارج الأطراف العسكرية يمكن أن يكون موقفاً أخلاقياً مستقلاً، ويمكن أيضاً ـ بحسب مضمونه السياسي ـ أن ينتهي موضوعياً إلى المحافظة على الوضع الذي سبق الحرب إذا لم يقدم تصوراً لتغيير البنية التي أنتجتها.
    ولذلك لا يكفي إعلان: "أنا ضد البنادق جميعاً". يجب أن يتبعه سؤال: ما موقفك من الدولة التي صنعت بعض هذه البنادق، ومن المظالم التي أنتجت بعضها الآخر، ومن شروط المواطنة التي جعلت مجتمعات كاملة ترى في حمل السلاح وسيلة اخيرة ووحيدة للبقاء علي قيد الحياة والمطالبة بالاعتراف؟

    سابعاً: الثورة تراكم، وليست لحظة واحدة في شوارع العاصمة:
    من أوجه القصور وعدم الامانة في سرديات النخب لثورة ديسمبر أنها تبدأ تاريخ المقاومة السودانية في اللحظة التي وصلت فيها الجماهير إلى شوارع الخرطوم والمدن الكبرى.
    لكن نظام البشير لم يدخل 2018 دولةً مستقرة كاملة الموارد ثم يسقط فجأة بفعل التظاهر المدني وحده. لقد حكم بلداً أنهكته عقود من الحروب والعزلة والأزمات الاقتصادية والصراعات المسلحة، ثم فقد بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 جزءاً بالغاً من موارده النفطية؛ ويشير البنك الدولي إلى أن الانفصال أدى إلى فقدان إيرادات نفطية كانت تمثل نحو نصف إيرادات الحكومة و95% من الصادرات، وتبع ذلك تضخم وأزمات اقتصادية واحتجاجات متصاعدة وصولاً إلى 2018–2019
    هذا لا يسمح علمياً بالقول إن الكفاح المسلح وحده أسقط البشير؛ فذلك سيكون اختزالاً مضاداً. الانتفاضة الجماهيرية والتنظيمات المهنية والمدنية والاحتجاجات لعبت دوراً حاسماً ومباشراً في إسقاطه. لكن الاختزال المقابل ليس سوي تزوير: محو عقود المقاومة المسلحة من التاريخ الذي أضعف النظام سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً.
    الأدق أن سقوط النظام كان نتيجة تراكم أشكال متعددة من المقاومة والتناقضات والأزمات: كفاح مسلح، ومقاومة مدنية، وانتفاضات، ونقابات، وحركات طلابية ونسوية، وضغط دولي، وأزمة اقتصادية، وانقسامات داخل النظام نفسه.
    ومن المفارقات التاريخية أيضاً أن قوى سياسية سودانية تعاملت في مراحل مختلفة مع إمكانية الانتخابات أو الحوار مع نظام البشير بما في ذلك حزب عمر الدقير نفسه.

    ثامناً: المشكلة ليست فقط فيمن أطلق الرصاصة، بل في الدولة التي جعلت إطلاقها ممكناً:
    هنا يقع الخلاف الأعمق مع مقاربة الدقير. فمقاله ينشغل بالسؤال التقليدي: كيف يتصرف المثقف في زمن الحرب؟ لكنه لا يذهب بالقدر نفسه إلى السؤال الأسبق: لماذا تتكرر الحرب في السودان أصلاً؟
    ينطلق تشخيص مشروع السودان الجديد، بصرف النظر عن تقييم التنظيمات التي حملته، من أن الأزمة ليست مجرد تعاقب دكتاتوريات وحكومات فاشلة، بل تكمن في بنية الدولة نفسها: في تعريف الهوية والمواطنة، وعلاقة الدين بالدولة، وعلاقة المركز بالهامش، وتوزيع السلطة والثروة، وبنية الجيش، والاعتراف بالتعدد، ومعالجة المظالم التاريخية. لذلك لا يكفي أن نسأل من أطلق الرصاصة؛ بل يجب أن نسأل أيضاً ما الذي جعل الدولة السودانية تنتج شروط الحرب مرة بعد أخرى؟

    تاسعاً: استعادة السياسة، نعم؛ ولكن إلى أي دولة؟
    يكتب الدقير عن "استعادة المجال السياسي من هيمنة السلاح". وهي غاية يصعب الاعتراض عليها من حيث المبدأ.
    لكن العبارة تصبح ناقصة إذا لم نضف: استعادة المجال السياسي على أي أسس؟
    فالعودة إلى السياسة لا ينبغي أن تعني العودة إلى اللحظة السابقة للحرب وكأنها كانت حالة طبيعية عطلتها البنادق. إذا كانت بنية الدولة السابقة نفسها قد ساهمت في إنتاج الحروب، فإن إعادة تشغيلها لا تصنع سلاماً؛ إنها قد تؤجل الحرب التالية.
    وهنا يفيد التمييز بين السلام السلبي والسلام الإيجابي. أدبيات السلام تميز بين غياب العنف المباشر وبين سلام أعمق يرتبط بالعدالة والعلاقات والمؤسسات التي تمنع إعادة إنتاج العنف.
    ولذلك فالحوار السياسي الحقيقي ليس مؤتمراً لتوزيع الوزارات، ولا صفقة بين الجنرالات، ولا عودة للنخب المدنية القديمة إلى مقاعد السلطة.
    الحوار التأسيسي يبدأ بالسؤال الذي تهرب منه السياسة السودانية مراراً:
    ما الدولة التي نريد أن نعيش فيها بعد الحرب؟
    هل تقوم المواطنة على المساواة الكاملة أم تظل الهوية الدينية والثقافية معياراً ضمنياً للانتماء؟
هل الدولة علمانية ومحايدة تجاه الأديان أم تستطيع أغلبية دينية أن تستخدم الدولة لفرض تصورها؟
كيف توزع السلطة والثروة؟
ما شكل اللامركزية؟
كيف يُعاد بناء الجيش؟
من يسيطر على أجهزة الأمن؟
كيف تعالج المظالم التاريخية؟
كيف تُحمى اللغات والثقافات المختلفة؟
وكيف نضمن ألا تستطيع أغلبية انتخابية مؤقتة إلغاء حقوق أساسية لجماعة أقل عدداً؟
    هنا تظهر أهمية المبادئ فوق الدستورية أو المبادئ التأسيسية: ليست بديلاً عن الديمقراطية، بل حدوداً دستورية لما تستطيع السلطة السياسية فعله بالمواطن.
    المواطنة المتساوية، والمساواة أمام القانون، وعدم التمييز، والحريات الأساسية، وحياد الدولة تجاه الدين، والجيش الجديد وخضوعه للسلطة الدستورية، ليست مسائل ينبغي أن يعاد التفاوض على وجودها بعد كل انقلاب أو حرب.
    يمكن التفاوض على مدة الفترة الانتقالية، وشكل المؤسسات، وعدد الأقاليم، وتقسيم الصلاحيات، وآليات توزيع الموارد، والنظم الانتخابية...
    لكن حق الإنسان في أن يكون مواطناً كاملاً لا ينبغي أن يكون بنداً تنتظر فئةٌ من الموطتين تصويتَ فئة اخري عليه!

    عاشراً: المثقف بين استقلال الضمير واستقلال التاريخ:
    الأستاذ عمر الدقير محق في أن المثقف الذي يعجز عن نقد القوة الأقرب إليه يفقد جزءاً من وظيفته النقدية. وهذه القاعدة ينبغي تطبيقها بلا استثناء: على من يساند الجيش، وعلى من يساند الدعم السريع، وعلى من يقف مع حركة مسلحة، وعلى من ينتمي إلى تحالف مدني.
    لكن ينبغي إضافة قاعدة ثانية:
    المثقف الذي ينتقد جميع البنادق ولا ينتقد بالعمق نفسه الدولة التي أنتجت شروط ظهورها لا يكون قد أكمل مهمته النقدية.
    والاستقلال الحقيقي ليس أن يقف المثقف على مسافة هندسية متساوية من الجميع؛ بل أن يمتلك معياراً يسمح له بالتمييز بين القضية والوسيلة، وبين المشروع والممارسة، وبين الجريمة والمقاومة، وبين نقد الثورة وإعادة تأهيل النظام الذي جعل الثورة ضرورية...ولا شنو؟
    ولهذا لا نرى أن السؤال المركزي هو: هل انحاز المثقف؟ فمانديلا وفانون ومالكولم إكس ومارتن لوثر كينغ وجون براون، كلٌّ بطريقته وفي سياقه، اتخذوا مواقف واضحة من الظلم القائم. والثوار الأمريكيون أنفسهم انحازوا ضد الحكم البريطاني، وصاغ إعلان الاستقلال حق الشعب في تغيير الحكومة أو إلغائها عندما تصبح مدمرة للحقوق التي أُنشئت لحمايتها. الخلاف الجوهري لم يكن حول مشروعية اتخاذ موقف، بل حول وسائله وحدوده وأخلاقه وشروطه التاريخية.
    وهنا ينبغي أن يدور النقاش السوداني. فلا المطلوب تقديس البندقية ولا تجريمها خارج سياقها التاريخي؛ ولا منح الحركات المسلحة حصانة أخلاقية، ولا منح الدولة احتكاراً أخلاقياً للعنف لمجرد أنها دولة. كما لا ينبغي أن يتحول المثقف إلى ناطق باسم قائد عسكري، أو يتحول شعار السلام إلى غطاء لإعادة إنتاج البنية التي صنعت الحرب. المطلوب هو إخضاع السلاح للمشروع السياسي، والمشروع السياسي للحقوق، والحقوق لدستور لا يستطيع جيش أو حركة مسلحة أو حزب أو أغلبية اثنية او دينية تعطيله.

    اخيرا: المسألة ليست أي بندقية نختار، بل أي دولة تجعل البندقية غير ضرورية:
    نتفق مع الأستاذ عمر الدقير في أن السودان لا ينبغي أن يكون ملكاً للبنادق، لكن خلافنا يبدأ من نقطة أسبق كما اسلفنا: ليس السؤال كيف نستعيد السياسة من السلاح فقط، بل كيف نستعيد الدولة من البنية التي جعلت السلاح لغة متكررة للسياسة السودانية؟
    فإذا كان المثقف مطالباً بألا يمنح أي بندقية شرعية مجانية، فهو مطالب أيضاً بألا يمنح الدولة القديمة شرعية مجانية لمجرد أنها مألوفة. السلام ليس العودة إلى ما قبل الحرب، والسياسة ليست إعادة تدوير النخب نفسها، والديمقراطية ليست صندوق اقتراع يوضع فوق تاريخ من عدم المساواة ثم يُعلن أن الجميع أصبحوا متساوين!
    والاستقلال الأخلاقي لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بل القدرة على رؤية الجريمة حين يرتكبها الحليف، والظلم البنيوي حين يتخفى في صورة النظام الطبيعي، والامتياز حين يتحدث بلغة الاعتدال، وأخطاء الثورة من دون التخلي عن القضية التي أوجدتها.
    لذلك يسبق سؤالَ موقع المثقف من أطراف الحرب سؤالٌ أكثر جذرية: ما موقفه من الدولة التي أنتجت الحرب؟ فإذا كان الحل هو إسكات البنادق ثم إعادة الدولة القديمة نفسها، فنحن لا نصنع سلاماً بقدر ما نؤجل الحرب التالية. أما إذا تناول الحوار جذور الأزمة ـ المواطنة المتساوية، وعلمانية الدولة، والعدالة التاريخية، والتعدد، واللامركزية، وبناء الجيش الجديد والمؤسسات القومية، وإخضاع الجميع للدستور والقانون ـ فإن استعادة السياسة تصبح مشروع تأسيس لا مشروع ترميم
    وعندها فقط يكتسب شعار "لا دولة تحكمها بندقية" معناه الكامل: أن نبني دولة عادلة إلى الحد الذي لا يحتاج فيه مواطن أو إقليم أو جماعة إلى حمل السلاح لكي يثبت أولاً حقه في الوجود والمواطنة.

    ويبقى أمام خطاب الدقير سؤال لا يتعلق بالنوايا بقدر ما يتعلق بالذاكرة والمسؤولية السياسية: هل يجوز لقوى سياسية أن تستفيد من المجال الذي فتحته عقود من المقاومة المسلحة والتضحيات، ثم تجعل الابتعاد عن تلك المقاومة نفسها معياراً للاستقلال الأخلاقي؟
    لا يمكن وراثة نتائج النضال المسلح ثم محو أصحابه من سردية التغيير، أو محاكمة خياراتهم خارج الظروف التاريخية التي فرضتها عليهم...

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)


























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de