إعداد وتقديم: يوسف أرسطو تقديم: حظيت شخصية وأعمال فيديريكو غارسيا لوركا بكم هائل ونوعي من الدراسات، ولا زالت تتمتع بهذه المكانة؛ فهو من أساطين الإبداع ومطارح بحث الأكاديميين والثوار على حد سواء. لكن ما نود التنبيه إليه في هذا التقديم هو تعدد مناهج ومضامين هذه الدراسات، وذلك لأن كل باحث لديه فروض وأسئلة محددة أجاب عليها من خلال بحثه ومداخله للدراسة. وفي هذه السياحة، نود أن نشير إلى فروضنا وأسئلتنا وأغراضنا من الدراسة، والتي تبدأ من مساءلة العنوان نفسه: "لماذا مسرح المبدع والثائر لوركا؟"، وهو عنوان لا يمكن أن يُقرأ منفصلاً عن سياقه؛ أي قراءته في إطار المشروع ككل وليس كعنوان للورقة منفصلاً. وفي هذا يمكن القول إن هذه الدراسة تمثل واحدة من سبع دراسات هي: لماذا مسرح المبدع والثائر لوركا؟ في التعرف والتعريف بلوركا. أثر الثقافة العربية الأندلسية على لوركا. دراستان في مسرحية عرس الدم. دراسة في النص المعد وفلسفة الإخراج. مقاربة بين النص المعد والنص الأصل. أيضاً، من أهداف هذه الدراسات قراءة فيديريكو غارسيا لوركا من وجهة نظرنا نحن (جماعة مسرح السودان الواحد)؛ لأن لوركا معروف ومقروء للإسبان في موطنهم الأصل والعالم كمبدع وثائر عالمي. بمعنى: ماذا يعني لنا غارسيا لوركا من خلال ما كُتب وكُتب عنه؟ ومن أي الجوانب ننظر إلى أعماله؟ وفي ماذا كانت صرخاته واتجاهاته؟ وما هي فلسفته ومنطلقاته في سياقه الإبداعي آنذاك؟ وكيف يمكن لنا أن نقدم مسرحية "عرس الدم" الآن في وطننا السودان بالتحديد، بالنظر إلى اختلاف المكان والزمان والأحداث والشخوص الممثلة، ومساحة الحرية المعطاة، وتقدير الفن الدرامي كفن واحترام ذات الفنان وتقديره كمبدع عنه في إسبانيا آنذاك والآن؟ وفي هذا يمكن القول إن هذه الدراسات بوجه عام تمثل الجانب النظري من مشروعنا "لماذا مسرح المبدع والثائر لوركا؟"، وهو مشروع بالتعاون مع الملحقية الثقافية للسفارة الإسبانية في السودان، ممثلة في شخص (خفيير أربيزو مارتنيز) الملحق الثقافي، الذي بدأ مع الأستاذ عبد المنعم حسن رئيس قسم الدراما بكلية الفنون جامعة جوبا سابقاً (مخرج العمل ومقترحه للجماعة) منذ ما يقارب العام في ترتيبات تقديم هذا المشروع. وقد ظلا في حالة عمل وحوارات دائمة معنا في سبيل إنجاحه. يشتمل المشروع على شقين: الشق العملي؛ وهو إنتاج مسرحية "عرس الدم" (أو "الزفاف الدامي" كما يحلو للبعض ترجمتها من الإسبانية إلى العربية)، والشق الآخر؛ وهو هذه الدراسات عن شخص وأعمال لوركا. أما الوجه الخاص، وبالتحديد بالنسبة لنا في هذه الدراسة، فأغراضها أن تجيب على اشتغال جماعة مسرح السودان الواحد في هذا الظرف الاستثنائي الذي تمر به بلادنا على مسرح الثائر فيديريكو غارسيا لوركا، خصوصاً أن خط الجماعة الجمالي والفكري هو إنتاج دراما وفكر يعبران عن الشخصية السودانية ورؤيتها لذاتها والعالم والكون. وفي هذا، فإن لقصار النظر ومحدودي الأفق تقاطعاً أيما تقاطع مع رؤية الجماعة، كأنما نحن جماعة مسرحية دغماوية التفكير ترفض تراث المسرح العالمي. لوركا: المبدع والثائر والمواهب المتعددة فيديريكو غارسيا لوركا (1898م - 1936م) مكانته مكانة كل المبدعين الكبار، ليس بالكم أو تعدد مواهبه، وإنما بتميزه في كل ما أبدع؛ فقد خلف آثاراً فنية تحتل مكاناً بارزا في تاريخ الإبداع المسرحي والتشكيلي الأوروبي والعالمي، ووضع بصماته في العزف على البيانو، والتأليف الموسيقي، والتمثيل، والإخراج. وقد ظهرت له مواهب في عمل وإدارة الفرق الجوالة، وتجاوزت طموحاته مرحلة الفعل في المسرح الجامعي والموسيقي؛ فكانت له مبادرات في عمل مهرجانات بغرض الحفاظ على الجيد من تراث الموسيقى رافضا السوقي والاستهلاكي والمبتذل والرخيص منها. وقد ذكر الدارسون والباحثون المنقبون في حياته الخاصة والعامة بحثاً عما يكون كامناً وراء نبوغه وتعدد مواهبه وثوريته ومواقفه النضالية ضد الحكومة الفاشية. وقد لاحظنا أن تاريخه الشخصي جداً كان مسار شك وتساؤل واختلاف، خصوصاً لأولئك الذين تعرفوا عليه كشخصية أسطورية ذائعة دون أن يقفوا أو يتمعنوا في إبداعه. وفي هذا أفادنا الشاعر السوداني الأستاذ عبد الله شابو قائلاً: "في البدء وقبل الاطلاع على أعماله الشعرية بتمعن، ظن كثيراً من مؤرخي الأدب والنقاد ومتذوقي الشعر أن مكانة لوركا وشهرته صنعتها تأثر الناس بموته المفجع وموقفه البطولي في مواجهة الفاشست، لكن بعد قراءة ما كتب، اكتشفوا تفرده وأصالته كشاعر مبدع." والتي لم تقتصر على كونه شاعراً فحسب، بل فنان متعدد المواهب؛ فقد كان إلى جانب كونه شاعراً ومؤلفاً مسرحياً، ممثلاً ومغنياً وفناناً تشكيلياً، واللافت أنه كان مبدعاً في كل فنه. وكتب عنه بول برستول: "إن لوركا الإسباني أثرى الحياة الثقافية والفنية بمواهبه المتعددة، وخلق آثاراً أدبية تحتل مكاناً بارزاً في تاريخ المسرح والشعر، لا على المستوى الإسباني فحسب، بل على مستوى العالم." أما كونه شاعراً، فقد قال عنه أيضاً إنه: "معجزة الشعر الغنائي الإسباني للقرن العشرين". وفي ذلك دوّن حسين حامد: "لم تختصر موهبة غارسيا لوركا الخارقة على شعره الغنائي الخصب فحسب، بل كان إلى جانب ذلك كاتباً مسرحياً ولاعب بيانو موهوباً استحق إعجاب الموسيقار (مانويل دي فاييا)، وتولت صوت سيدة تسجيل ما قدمه في هذا المجال." وقد أضاف حسين حامد أن لوركا قد حظي بالتقدير كمغن وممثل لعب دوراً أساسياً في نجاح العروض المسرحية لأعماله. كما وجدنا أنه نجح أيضاً في اعداد الأعمال الكلاسيكية الإسبانية؛ فقد ذكر أنه قدم رؤى لأكبر الأعمال المسرحية الكلاسيكية الإسبانية لفرقة (لابارسا) المتنقلة. كذلك حظيت أعماله في فن الرسم بتقدير عظيم من جانب سلفادور، وقد أقامَا معرضاً فنياً في برشلونة. وكتب أديبنا السوداني الدكتور علي المك في مقدمة "خمس قصائد للوركا" الذي قام هو بترجمتها للعربية: "كان أول ما اشتراه بما اقتصده من النقود مسرحاً للعرائس في غرناطة، ولم يعق فيدريكو الصغير عدم وجود مسرحيات مطبوعة عن المسرح المُشترى، فأخذ يكتب مسرحياته الخاصة. ومنذ ذلك الوقت لازمه الشغف للمسرح الذي قُدّر أن يكون الجزء الهام من عمله، كما استطاع أن يدندن الألحان الشائعة قبل أن يحسن النطق، وأخذ من الخدم المسنين الحكايات والأغاني الشعبية." وأضاف أن (جيليرمو دي توري) تحدث عن تمثل لوركا للأغاني الشعبية وإعادة خلقها بالقول: "إنه يغنيها، يحلم بها، ويعيد كشفها، وبكلمة واحدة يحيلها إلى شعر". أما ما قاله أجياله ومعاصروه في خطابه، فهو أنه يكتب للعامة وليس الخاصة. وقد قال لوركا نفسه عن ذلك: "أريد للصور التي استمدها من شخصياتي أن تفهمها تلك الشخصيات أيضاً". وكتب عنه أديبنا علي المك أيضاً: "فقد فطر على الرغبة في أن يفهمه كل الناس ويحبه كل الناس من خلال شعره، وهذا ما حققه بلا ريب؛ فحتى الذين ليست لديهم ميول يفهمونه، وإن لم يفهموه تمام الفهم، فهم على الأقل يحسون ما يقله الشاعر." أما مكانته عند الإسبان مواطنيه، فقد ذكر سفيشوفا: "أحب الشعب الإسباني لوركا واعتبره شاعراً وطنياً، كما حافظوا على مسرحيته (الأنشودة الإسبانية) محافظتهم على أقدس المقدسات، وعرضوا في مدريد التي حاصرها الفاشيون حينذاك مسرحية عرس الدم." وفي هذا دلالة على تمثله للتراث والذات القومية. وحتى بالنسبة لموضوعات مسرحياته، فقد كانت إسبانية في الصميم كما ذكر سفيشوفا: "أما مواضيع مسرحياته فهي إسبانية في الصميم، كالثأر للدم، وعاطفة الشرف، الحب والموت، نمط العائلة القاسي وتقاليد القومية القديمة". أما الصراع فيها فقد جسد البؤس عند الفلاح الإسباني الذي مرّت على حياته مئات السنين دون أن يمسها تغيير، مرتبطة بالخرافات الدينية والعائلية وعادة الانتقام الدامية والجهل والبخل والشح والطمع. لوركا: الموجهات والفلسفة لعل القول إن لوركا معروف على مستوى أوروبا والعالم يستبطن ويتضمن أن الأسئلة التي أثارها، وأفكاره وأخيلته وأحاسيسه وفلسفته، في معظمها لم تكن محصورة وموجهة لناس محددين، أو مكان ما، أو حتى زمان ما، وأن لغات الدنيا على كثرتها لم تكن عائقاً في انتشارها. وهذا ليس مثار خلاف؛ لأنه فنان ومبدع، فالفن يعتبر الحلقة الانتقالية الوحيدة بين العالم والإنسان، ووظيفته تأمين الارتباط بين الوجود والوعي. وقيل أيضاً: "لا يطلب من الجمال تقديم المتعه الجمالية للناس فحسب، بل ومساعدتهم على معرفة الحياة ومعرفة أنفسهم". وهذا ما فعله لوركا؛ فقد كتب الناقد غيبسون: "كان لوركا يكتب في مسرحية (يرما) و(بيت برناردا ألبا) عن النفاق والدجل الكاثوليكي والاستبداد الخانق، بحيث ينقل العامة من مجرد الوجود إلى الوعي بالوجود وهو النفاق والدجل والاستبداد." ومن دراساتنا كمختصين في الفن والإبداع، فإن الفنان خاصة والمبدعين عموماً إنتاجهم ليس محصوراً على بني أوطانهم أو أرباب عقائدهم كالسياسة ورجال الدين. حيث يعتبر رجل الدين، أياً كان دينه، أنه وحده ومن على ملته على حق ومؤمنون، أما أصحاب الديانات الأخرى فكفرة ومارقون. وكذلك رجل السياسة الذي توجّهه نزعته الوطنية إذا لم تقتصر على الحزبية والمصالح الضيقة – وحتى لا يكون الكلام معمماً، نقصد معظم رجال ساستنا غير المنفتحين على العالم – أما بالنسبة لرجال الدين فجلهم، باستثناء المتصوفة، متعصبون لمعتقداتهم. وهذا لا يعني أن المبدعين يفتقدون للحس الوطني وملاحدة، وإنما تبجيلهم لذات الإنسان كإنسان، بغض النظر عن عرقه ووطنه ودينه، هو ما مدهم بهذه النزعة الكونية. لهذا نجد الفنانين الكبار هم من دعاة الإنسانية، وأن الآثار الفنية الخالدة هي التي تنقل إلينا مشاعر وأفكار تتميز بإنسانيتها وجديتها. علينا أن ندرك أن المعطيات الفكرية التي يقدمها الفنان ليست معطيات منطقية تتسم بجفاف العقل وتقيد بأدلته وحججه، بل تتجاوز هذه الحدود إلى ما يتراءى ويشرق ويتولد من جموح النفس وهواجسها وأحلامها وتطلعاتها. ويتفاوت تأثير العمل الفني بتفاوت صدق الانفعال وعمق الإحساس، وتفاوت ثقافة الفنان التي تفجر التجربة الشعورية وتغنيها بما أدركته الإنسانية في عمرها الطويل من تجارب. وبالنسبة لكاتبنا فيديريكو غارسيا لوركا، "فقد كان دائماً على وعي بقسوة الحياة اليومية". وكانت رؤاه في ديوان "قصائد غجرية" تنبض بالإحساس بالتطهير والقدر المحتوم واللهفة المكبوته لملاقاة الموت. "كما اكتشف إيان غيبسون – الذي أجري سلسلة من التحقيقات حول الظروف الرهيبة التي أحاطت بالموت المفجع للشاعر الإسباني لوركا – براهين واضحة لعذاب لوركا في الحب في مسرحيته الأولى (التعويذة الشريره للفراشة)، وهي قصة صرصور يقع في غرام فراشة جريحة لكنها تطير وتذهب بعيداً عنه". فهل جروح الحب والوله والحرمان والهجر والعذاب مقصورة على أناس وبشر بعينهم؟ ورغم أننا نرى أن أديبنا لم يكن موفقاً في وصف الفراشة بالشريرة وهي أكثر الكائنات البرية رقة، رخاوة، رهافة وإلقاء بألوانها الزاهية وتحليقها الوديع، إلا أننا نجد له العذر كونه يصف المرأة الحسناء الممشوقة الممتلئة بالأنوثة وهي تتمنع عمن يتعشقها. وربما يرجع هذا إلى أن محاولاته الأولى في الحب لم تجد الاستجابة التي ينشدها؛ فقد كتب غيبسون: "إن نفسية لوركا كانت تنطوي على إحساس سيء الحظ في مجال الحب بسبب افتقاره للباقة في الحديث والحيوية الجسمانية". وللوقوف أكثر على دوافع لوركا النفسية وشخصيته الجريحة المكلومة وتحديدها لمنطلقاته وفلسفته، ندون هنا ما قالته الكاتبة البريطانية الإسبانية الأصل (هيلين)، والتي أجرت حواراً مع لوركا عام 1929م؛ فقد لاحظت الكاتبة: "أن وراء مرح لوركا ونشاطه مسحة من الحزن واعتصار أسى على طبيعة الأشياء". وإذا نحونا إلى السياق البيئي والتاريخي، فلا يمكن أن نَفصل لوركا عن موطنه إسبانيا وعما يمكن أن يكون ترسخ في وعيه من عقلها الجمعي من رؤى وتصورات وأخيلة وأفكار. فقد قال أديبنا الدكتور علي المك: "فيديريكو غارسيا لوركا هو شاعر العصر المقدم، أنه الأندلس وهو إسبانيا، وهو النيلوفر ومصارعو الثيران والأزهار والفجيعة، قرطبة وغرناطة وأشبيلية مدن تتلألأ في الشمس وفي الظل، والريح والدخان، وهو الفلامنجو وشعر الطبيعة. ولهذا كرهه الفاشيون لأنه يقود الناس إلى مواطن الجمال وإلى الحقيقة، ولم يسمحوا له بأكثر من ثمان وثلاثين سنة." والحق أن قراءة لوركا لا يمكن أن تفصله عن المكون البيئي والوطني، وأعتقد أن أديبنا يقصد أن لوركا كان مشبعاً بروح إسبانيا، طبيعتها، مدنها، ناسها، تراثها وموروثها. وفي حديثه أيضاً إشارة إلى مواقفه النضالية تجاه الديكتاتورية والاستبداد؛ فقد كان لوركا متفاعلاً مع تطلعات شعبه، وكان مناضلاً ضد الفاشية. وفي هذا يمكن أن نقول إنه كان مبدعاً ثائراً وثائراً مبدعاً بالفعل. في الأولى نقصد أن إبداعه بكافة ضروبه هدفه الجمال والحياة لذاتهما، وهذا مبدأ وموقف كوني، إذ إن كل البشر الأسوياء باختلاف إثنياتهم ومعتقداتهم يتطلعون إلى الجمال والحقيقة. والذي نرنو إليه أن يُفهم من كلامنا هذا أنه لا يُقصد الجمال مقابل القبح؛ لأن القبح نفسه جمال طالما هو صنع الله، فقد يكون القبيح جميلاً إذا اتسمت النفوس بصفاء السريرة والحق والخير، كما هو عند المتصوفة. فقد ذكر سفيشوفا أن الحب بالنسبة لوركا: "تجسيد للجميل والرائع، ولا ينفصل عند لوركا الوجود الإنساني عن الوجود الشامل الذي هو صراع دائم بين الحياة والموت، بين الجميل والقبيح. الجميل هو كل ما يتنفس ويناضل ويحب، وكل ما يتحرك، يتغير، يثمر، يلد ويزهر، أما القبيح فهو كل شيء خامل جامد بلا حركة وبلا تغير وبلا ثمر. القبيح هو الموت، هو عالم الشر، الغريب المنفصل عن الحياة والحب، وهو العقيم وبالتالي فهو المكروه". وقد يكون مقصوده بالجميل "الجليل"، وهو مفهوم غير معني بالأشكال الظاهرة والسطحية، وبالنسبة لبني الإنسان يقصد به حسن وطيب معشرهم وسلامة نفوسهم ومقاصدهم، وهذا خلاف الظلم والجور والاستحواذ والأنانية والسيطرة وفرض النفس فيما يعرف بالديكتاتورية والنظم المستبدة. وهذا يدخلنا إلى مبدأ وموقف ثاني لوركا، كونه مناضلاً بالفعل، وهو قول لا يختلف عليه اثنان لأنه ذهب إلى اتساق أفعاله مع أقواله وقاتل الظلم والاستبداد متمثلاً في نظام الديكتاتور فرانكو ("الرجل المسؤول عن موت مليون شخص من الإسبانيين")، "وبسببه عاش الإسبانيون ثلاثين عاماً كابوساً بلا نهاية في السجون، التعذيب والإعدامات السرية". الجدير بالذكر أنه لابد من ذكر مواقف لوركا وتعاطفه مع البسطاء، التي عَدّها الناقد إيان غيبسون لإحساسه بالاغتراب: "كان إيمان لوركا ببطء الطبيعة والحاجة إلى الخضوع إلى الغرائز مرتبطاً بشكل واضح بقلقه الشخصي حول كبت طبيعته الخاصة، أما تعاطفه مع المغلوبين على أمرهم، سواء كانوا عمال أجراء أو غجراً أسباناً أو سوداً في الولايات المتحدة أو النساء في كل مكان، مرتبطاً باحساسه بالاغتراب". وعن موطن هذه الخصال في أعمال لوركا، قال غيبسون: "ظهرت هذه الأفكار معاً في ثلاثيته العظيمة عن الإقطاع الجنسي والقمع في الريف والطبيعة المحبطة". ولتكتمل الفكرة، لابد من التعرف على مفهوم الاغتراب في الفن والأدب: "من الناحية الموضوعية شكلاً خاصاً للتعبير عن رفض الطابع اللاإنساني لعلاقات المجتمع الاستغلالي، حيث كانت العلاقات الحيوية الواقعية تُمثّل في وعي الناس بوعي مزيف وشيء لا يرتبط بالناس بل يسيطر عليهم". ومن هنا نجد أن أهم موجهات في أعمال لوركا طابعها الإنساني ورفضها للزيف والسيطرة والاستغلال، وفي أنها ترتبط بقضايا الناس وهمومهم. فلسفة ومنطلقات جماعة مسرح السودان الواحد تطرقنا في المبحثين السابقين للحديث عن لوركا وبعض من مقولاته وما قيل عنه في نقاط وخطوط عريضة، ولم تكن أهدافنا أن نفي إسبانيته أو أوروبيته بقدر القول إن ذلك كان جزءاً أساسياً من مكونه كمبدع وإنسان وثائر من أجل الجمال والحق لسائر البشر. وهذا ما جعل منه ثائراً ومبدعاً كونياً ألهم الملايين ولا زال يلهم المتعطشين إلى الحق والجمال وتحرير البسطاء والشعوب المغلوبة على أمرها والتي لا زالت تعيش في الظل والظلام عنوة. لكن السؤال المشروع للدارسين وأصحاب الأغراض الملتوية: لماذا تتبنى جماعة مسرح السودان الواحد مشروعاً كهذا يحتفي بلوركا في هذا الظرف الاستثنائي الذي تمر به بلادنا، كأنما في الأمر تضاد وعدم مصداقية مع فلسفتها؟ وهو ما أدخل الدارسين في هذا الالتباس، ربما بسبب اسم الجماعة ("جماعة مسرح السودان الواحد") الذي لا يخفي أيديولوجيته كونه يدعو إلى وحدة السودانيين، ورؤيتها الجمالية التي أعلنت من أنها تعبر عن السودانيين ورؤيتهم لذاتهم والعالم والكون. أما أصحاب الأغراض الملتوية فأهدافهم سد المنافذ أمامنا في الخارج كما احتكروها وأغلقوها عليهم في الداخل. وللرد على هؤلاء وأولئك، نبدأ بالقول إن جماعة مسرح السودان الواحد جماعة مسرحية أكاديمية؛ فالمسرح معروف أنه فن وفعل إنساني مهما ضاقت حلقاته، لم ولن يكون مقصوراً على شعب من الشعوب، لا في شكله ولا مضمونه، حتى بالنسبة لأولئك الذين يعتبرونه – أي الفن – "تعبیراً عن عالم الإنسان الداخلي". وينظر بعضهم إلى الفن "كتعبير رمزي عن الدوافع الداخلية والانفعالات والرغبات اللاواعية"، كما عند علماء الجمال الفرويديين: "الذين يعتمدون مبدأ اللا شعور وتجلياته، واللا شعور في رأي فرويد يتجلى خصوصاً في الفن والأحلام، وهو يعتقد أن دور الوعي في الفن ضئيل جداً، فالنص عنده هو تعبير عن ضغط اللاشعور، أي أنه تعبير عن الرغبات والمشاعر المكبوته عقلياً". وهذا أيضاً يشترك فيه كل الناس كما ذهب العلم بعيداً في إثبات علمية هذه النظريات، وهذا متاح لكل من أراد أن يقصر فهمه على هذا. وبالرغم من كل هذا، فإننا نؤمن بأن الوعي والعقل لهما الدور الأكبر في الإبداع وما وراءه. وبالرجوع إلى تعريفات المسرح، نختار أنه وسيلة يمكن من خلالها أن نعبر عما نرى وكيف نرى، أو حتى التعبير نفسه لا يمكن أن يكون مقصوياً لنا وعلينا؛ فنحن جزء من هذا العالم الذي أصبح قرية نتبادل فيه الأفكار والأحاسيس والمشاعر والخبرات لخيرنا جميعاً كبشر. أما كونها "أكاديمية"، فهذا يعني: "أنها تؤمن بخط العلم فيما تحمله مقولة العلم من دلالة البحث والتحليل والاختبار والمقارنة والتجربة والخيال الواقعي والموضوعية". أما في كونها "سودانية"، في أنها تعكس خط الجماهير – أو هكذا أرادت أن تكون – "لتعبّر عن إرادتها، وتهتم بالكم والكيف، وكيف تحول الكم إلى حالة نوعية وتحاول أن ترتقي به إلى درجة مؤثرة وإيجابية". وذلك لأن المسرح، مثل كل الفنون الأخرى، "يستطيع دائماً وفي كل صوره الجادة أن يكون مصدراً يمد الناس بالطاقة الروحية والوجدانية التي يتزودون بها في معركة الحياة المستمرة من أجل التطور الاجتماعي والفكري". أما في خطوطها العملية، تريد: "اجتثاث القديم بسبب تعطشها إلى بناء الجديد وموقفها في تدعيم مرتكزاته، وذلك لأنهم طليعة، والطليعة لا تكون فعالة إلا إذا انتظمت ضمن أطر (جماعة) وضعت أفكارها وتطلعاتها هدفا للعمل، وهي تبحث لتمتلك وعياً نقدياً وتاريخياً وكونياً به تبحث دائماً عن الجديد وعن أنماط الحياة العصرية". أما بالنسبة لدعوتها الوحدوية، فهي ترتكز: "على وعي عام بوحدانية الجوهر الإنساني والمصلحة الإنسانية، وعي مصلحة أي جماعات بشرية في التعامل الإيجابي مع الجماعات الأخرى، وفي أن يسير الجميع في اتجاه واحد وليس في اتجاهات تصادمية متعارضة، في التعاون وليس التنافس، وفي التسليم بوجود الآخر وليس محاولة إلغائه أو تهميشه". كما حدث في أوروبا في الوحدة الأوروبية واتفاقهم على عملة واحدة فيما يدعم موقف شعوبهم، وكذلك التكتلات الإقليمية والدولية وحتى المنظمة الدولية الأمم المتحدة، فمسعاها خير البشر جميعاً. أما إذا توجهنا إلى الجانب الآخر من اهتمامات الجماعة، أي كونها أكاديمية تبحث في تطوير الخبرة المسرحية وتجذيرها كفعل، فيبقى الاشتغال على لوركا ضرورياً؛ لأنه واحد من أهم ثلاثة حددوا وجه المسرح في القرن العشرين، كما ذكر سفيشوفا: "ثلاثة مؤلفين مسرحيين حددوا بدرجة كبيرة وجهة المسرح في القرن العشرين: بريشت الألماني، وشونكيسي الأيرلندي، ولوركا الإسباني. ومع أن المؤلفين الثلاثة عملوا بوسائل مختلفة الواحد عن الآخر، فإن بينهم تشابهاً داخلياً عميقاً أبعد مما يبدو من النظرة الأولى." أما الاستفادة من الإمكانيات المتاحة وتقديم التجربة لجمهور جديد، فهي واحدة من الخيارات الداعمة والمرسخة لتجربة الجماعة، وهي سانحة لم توفرها كل مساعي وخطط الجماعة السابقة، بالإضافة إلى أن في ذلك لطمة قاسية وموجعة لأولئك الذين عملوا وتوهموا أنهم نفونا من فعل ما نحب – فعل المسرح. وككما قال لوركا في مقابلة مع أخلاقيثرو في العام 1935م (أي قبل عام من مقتله المفجع): "لابد أن نسعي ونعمل ونحتج ونصرخ في وجه عالم مملوء بالقهر والتعاسة، سوف أدافع عن نفسي باستمرار حتى الموت". وكذلك نحن في جماعة مسرح السودان الواحد، في عملنا هذا سعي واحتجاج في وجه عالم أكثر ظلماً وقهراً وظلاماً، وفيه دفاع عن وجودنا وعن فعل ما نحب – فعل المسرح – وسوف نفضل ندافع عن ذلك حتى الموت، دافعنا الأساس أننا نعتقد أننا نعمل من أجل أهداف نبيلة. أما تبنينا لورش إعادة تأسيس الدراما السودانية، فمبدأها إهمال الفنون من الجهات النافذة التي تتعارض مصالحها ووعي الجماهير وامتلاكها لسلاح الحرية وبحقوقها في أن تعيش كما تحب وترغب، مما أدخل إلى الوسط الفني مئات من النجوم المصنوعة التي تفتقر إلى المبدأ والأخلاق، وتلهث وراء النجومية والظهور دون أن تتبنى قضايا الجماهير. فإذا وعينا بأننا جزء من العالم العربي والإفريقي، وهي بلدان يغيب المواطن فيها عن الساحه السياسية ودائرة ممارسة حقوقه المدنية وحرياته الأساسية والتضحية بكرامته ومستقبله، إذاً لابد من إعادة تأسيس الدراما لتقوم بكل ذلك، إضافة إلى أسئلة الترويح والترفيه واستشراف المستقبل. وكما قال ستانسلافسكي في أول كلمة وجهها إلى أعضاء الفرقة المسرحية بمسرح موسكو الفني الذي أسسه بالتعاون مع نيميروفيتش دانشنكو: "ولقد أخذنا على عاتقنا مهمة لا تملك طابعاً بسيطاً وفردياً، بل طابعاً اجتماعياً، لا تنسوا أننا نسعى إلى تنوير حياة الناس البسيطة والمغيبة ومنحها لحظات سعادة وجمال ضمن الظلام الذي تعيش فيه، نحن نسعى لبناء أول مسرح عقلاني وأخلاقي ومفهوم لدى العامة، ولأجل هذا الهدف العظيم سنهب حياتنا." اللافت أن ما أنتجته جماعة مسرح السودان الواحد من دراسات وبحوث وعروض مميزة في شكلها ومضمونها فيما يخص حقوق الانسان وقضايا النوع وأسئلة الدولة الرشيدة والنهضة والحداثة، أرجف وأخاف البعض لأنهم لم يعتادوا من المسرحيين غير الإضحاك والدغدغه المجانية في اللاموضوع ولأجل اللاموضوع. وقد أثبتت تجربتنا في الجماعة أن جوهر عملنا هو نشر وبث قيم معنوية وسلوكية مثمرة ومخاطبة الوعي والضمير، وأن أشواقنا أن يتحول ما ننتجه إلى مصدر قيمي تستمد منه الحياة الواقعية والسياسية ذاتها ومعناها وقيمها، لنصبح عندئذ وسيلة لتطوير النظرة إلى الحياة في السودان وبين الجماعات السودانية، عوضاً عن تحويل الإنسان والمجتمع السوداني لخدمة أغراض السياسة والدولة والسلطة كما هو في الدراما غير المؤسسة. غير أن ما يسمى بالمسرح والدراما في السودان هو بالنسبة لنا استهبال في كثير من الأحيان بالدراما والمسرح، وهذا يستوجب إعادة التأسيس. ويبقى لابد من تقديم الشكر بدءاً من الخارجية والسفارة الإسبانيتين والاستاذ عبد المنعم حسن اللذين اختصونا بهذه التجربة، وإلى الأستاذين: الكاتب والقاص أحمد أبو حازم، وفتحي محمد الحسن المفكر والكاتب الصحفي اللذان مدانا ببعض المراجع والملاحظات القيمة فيما يخص ورقتنا هذه وورقة الناقد أيمن مبارك (تأثير الثقافة العربية الأندلسية على لوركا). والممثلة رماح القاضي لقيامها بطباعة ومراجعة الأوراق كلها، فلهم جلهم عظيم الشكر. والشكر لله أولاً وآخراً. (توضع هنا الصورة الخاصة بالعرض في نسخته السودانية) المراجع: فيديريكو غارسيا لوركا – الأعمال الشعرية الكاملة – ترجمة وتقديم محمد علي مكي – الهيئة العامة للمطابع الأميرية، الطبعة الأولى، 1998م. (وقد أفاد الكاتب أن لوركا ولد في الخامس من يونيو 1898م وتوفي 20 أغسطس 1936م). حسين حامد – مجلة الثقافة العالمية – المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت، العدد 49، نوفمبر 1989م. حسين حامد – مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). عبد الله شابو (الأديب والشاعر السوداني) – مقابلة شخصية بتاريخ 21-06-2011م، بجوار صحيفة الصحافة، الساعة 5 مساءً. بول برستول – ترجمة حسين حامد، مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). حسين حامد – مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). محمد صبح – نماذج من المسرح الإسباني المعاصر – المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 25 وما بعدها. حسين حامد – مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). علي المك (دكتور) – الشبكة العنكبوتية (موقع علي المك). علي المك (مرجع سابق). علي المك (مرجع سابق). علي المك (مرجع سابق). مجموعة من المؤلفين – دراسات في الأدب والمسرح – ترجمة نزار عيون السود – مطبعة وزارة الثقافة، دمشق، 1976م، ص 74. مجموعة من المؤلفين – مرجع سابق، ص 78. مجموعة من المؤلفين – دراسات في الأدب والمسرح – مرجع سابق، ص 202. مجموعة من المؤلفين – دراسات في الأدب والمسرح – مجلة الثقافة. مجموعة من المؤلفين – دراسات في الأدب والمسرح – مرجع سابق. مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). علي المك (مرجع سابق). مجموعة من المؤلفين – دراسات في الأدب والمسرح – مرجع سابق، ص 10. سانتياغو كايلو – إسبانيا غداً – ترجمة نادر زكري – دار ابن رشد للطباعة، دمشق، ص 9. سانتياغو كايلو – مرجع سابق، ص 10. مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). مجلة الثقافة العالمية (مرجع سابق). مجموعة من المؤلفين – دراسات في الأدب والمسرح – مرجع سابق. مجموعة من المؤلفين – دراسات في الأدب والمسرح – مرجع سابق. مجموعة من المؤلفين – دراسات في الأدب والمسرح – مرجع سابق. تمارا سورينا – ستانسلافسكي وبريشت – ترجمة ضيف الله مراد – منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ص 6. شاكر العيساوي – في بعض المفاهيم والأفكار – دار الينابيع للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، طبعة 1996م، ص 23. شاكر العيساوي – مرجع سابق، ص 24. سامي خشبة – قضايا معاصرة في المسرح – دار الحرية للطباعة، بغداد – سلسلة الكتب الحديثة، 49. شاكر العيساوي – مرجع سابق، ص 6. نبهارد الهاشم – مجلة كتابات معاصرة – المجلد الأول، العدد الرابع، تشرين الثاني 1989م، ص 101. مجموعة من المؤلفين – دراسات في الأدب والمسرح – مرجع سابق. صبيح صادق – مجلة الفيصل – العدد 287، ص 100. تمارا سورينا – ستانسلافسكي وبريشت – ضيف الله مراد – منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1994م، ص 46..
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة