في زمن الحرب العبثية، كان الجوع يطرق الأبواب كل صباح، لا ليسأل عن صاحب البيت، بل ليتسول لقمة. وكان الجنيه قد شيّعه جبريل إلى مثواه الأخير بتسع صلوات، ثم عاد إلى مكتبه قابضًا على حقيبة المالية ويده تقطر من دماء الحرب العبثية، كأنما أقسم أن لا يغادرها حتى لو عادت البلاد تعمل بنظام المقايضة، بشرط أن يجد شيئًا يُقايَض أصلًا. في ذلك الزمن، لم يعد الناس يسألون: كم سعر الخبز؟ صار السؤال: — هل يوجد خبز؟ ثم تطور السؤال إلى: — هل يوجد شيء يمكن أن نسميه خبزًا؟ وفي الطرف الآخر من المدينة، كان البرهان يجلس أمام مرآته. لم يكن يرى فيها خراب المدن، ولا صفوف النازحين، ولا الوجوه التي أنهكها الجوع. كان يرى شيئًا واحدًا. كرسيًا. كرسيًا واسعًا، مرتفعًا، له أربعة أرجل، لكنه في خياله كان يحتاج إلى جيش كامل كي يحرسه. اقترب منه أحد مساعديه وقال: — سيدي، البلاد جائعة. قال البرهان دون أن يرفع عينيه عن المرآة: — والكرسي؟ — ثابت. ابتسم البرهان. — إذن الأمور بخير. وفي مكان آخر، كان جبريل يجلس أمام آلة حاسبة قديمة. ضغط الأزرار طويلًا، ثم نظر إلى الورقة أمامه. دخل عليه موظف وسأله: — ماذا تفعل؟ قال: — أحسب مستقبل الاقتصاد. نظر الموظف إلى الورقة، فلم يجد إلا رقمًا واحدًا تحته خط. — وما هذا؟ قال جبريل: — الصفر. — وهل هو الناتج؟ — نعم. سكت الموظف قليلًا، ثم قال: — وماذا سنفعل؟ أجاب جبريل: — نوسّع المظلة الضريبية. — ولكن الناس لا يملكون شيئًا. — إذن نوسّع المظلة أكثر. — وإذا لم نجد شيئًا نأخذه؟ رفع جبريل رأسه وقال: — نبحث عن شيء آخر. كان الحديث عن الحرب في ذلك الوقت يشبه الحديث عن المطر. الجميع يعرف أنه يهطل، لكن لا أحد يعرف متى سيتوقف. أما في الشوارع، فكان الناس يشيعون أحلامهم واحدًا تلو الآخر. شاب يدفن حلم السفر. امرأة تدفن حلم البيت. أب يدفن حلم أن يرى أبناءه في الجامعة. وعجوز يدفن حلم أن يموت قبل أن يرى وطنه ينهار. وفي أحد الأحياء، ظهرت مجموعة من الشباب تحمل لافتة كتب عليها: "الجوع لا يمنعنا من الحلم." لكن أحدهم أضاف تحتها بقلم أسود: "ولا يمنعنا من انتخاب من وعدنا بالحلم." لم يفهم الناس من أين جاءت الفكرة، ولا من يمولها، ولا لماذا ظهر فجأة خطاب يدعو إلى انتخاب البرهان في وقت كان فيه المواطن يبحث عن مكان آمن ينام فيه. كان هناك من يرى في المبادرة امتدادًا لواجهات المؤتمر اللاوطني، وكان هناك من ينسب ذلك للمحور الذى يشترى ويبيع حسب بورصة الارتزاق. لكن الحقيقة الوحيدة التي اتفق عليها الجميع كانت أن القبور أصبحت أكثر من اللافتات، وأن الوجوه التي تتحدث عن المستقبل صارت أقل من الوجوه التي تبحث عن الماضي. في تلك الليلة، اجتمع ثلاثة رجال في غرفة مظلمة. قال الأول: — نحتاج إلى شعب أقل غضبًا. قال الثاني: — بل نحتاج إلى شعب أقل عددًا. التفت الثالث إليه مذعورًا: — ماذا تقول؟ ابتسم الرجل وقال: — لا شيء. مجرد حسابات. ثم ساد الصمت. ففي زمن الحرب، يمكن للجملة أن تتحول إلى جريمة، ويمكن للجريمة أن تتحول إلى رقم، ويمكن للرقم أن يتحول إلى بند في تقرير. أما الكرسي، فكان خارج الحسابات كلها. لأنه لا يموت. لا يجوع. لا ينزح الا لعاصمة مؤقتة الى انقشاع سحب الكيماوى ولا يحتاج إلى جواز سفر. وفي الصباح، عاد البرهان إلى المرآة. هذه المرة لم يرَ كرسيًا فقط. رأى قاعة كبيرة، وستارة، وأعلامًا، وصندوق اقتراع. اقترب من الصندوق وسأل: — كم صوتًا أحتاج؟ جاءه صوت من خلف الستار: — أقل مما تتخيل فهم مابين القبور واللجؤ والنزوح والمرض. ضحك البرهان. ثم سأل: — وماذا عن بقيةالشعب؟ جاءه الصوت: — الشعب؟ صمت قليلًا ثم قال: — الشعب نترك له التصفيق. وخارج القاعة، كان رجل عجوز يقف في طابور طويل للحصول على رغيف. سمع الهتافات القادمة من بعيد. سأل شابًا بجواره: — لمن يهتفون؟ قال الشاب: — لا أدري. قال العجوز: — وماذا يريدون؟ أجاب الشاب: — يقولون إنهم يريدون إنقاذ الوطن. نظر العجوز إلى الطابور، ثم إلى يديه الفارغتين. وقال: — غريب. — ماذا؟ — كل الذين يقولون إنهم سينقذون الوطن، لا أحد منهم يسأل إن كان الوطن يريد أن يُنقَذ بالطريقة نفسها. ثم أخذ مكانه في الطابور. كان الطابور يتحرك ببطء. والجوع يتحرك بسرعة. والكرسي... كان ثابتًا فى حلم برهان.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة