أخي العزيز عبد اللطيف، رحلت مبكرًا، وتركت في القلب غصّة الفقد، وفي الذاكرة سيرة رجل عاش لله والوطن. نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته، وأن يجعل مقامك في جنات الخلد.
عرفتك زاهدًا في الدنيا، عابدًا قانتًا لله، لا تأخذك في الحق لومة لائم. كنت تؤثر العزلة، بعيدًا عن صخب الحياة ومغرياتها، حتى ألحّ عليّ وراق في أن ألتقيك، وظل يردد: «إن أردت رجلًا صادقًا، عفيف اليد واللسان، إنسانًا بمعنى الكلمة، يعينك في عملك العام، فهو عبد اللطيف».
وبعد إلحاح مني، وافقت على أن تعمل معي في اللجنة، من غير مال ولا مخصصات، ابتغاءً لوجه الله وخدمةً للوطن. وهناك وجدت فيك صدق ما قاله وراق؛ رجلًا أمينًا، نقيّ السريرة، يحمل مسؤولية العمل العام بإخلاص وتجرد.
كنت تحمل همّ أهل السودان جميعًا. وحين توليت مسؤولية صندوق الضمان الاجتماعي والمعاشات، جعلت حقوق أصحاب المعاشات وكرامتهم في مقدمة أولوياتك. وفي عهدك، لم يعد المعاش مجرد مبلغ يُصرف، بل غدا حقًا متصلًا بكرامة الإنسان واحتياجاته. أوصلت إلى المستحقين أموالهم، فنلت دعوات الآباء والأمهات، ومحبة أولئك الذين شعروا بأن من يصون حقوقهم ويهتم بمعيشتهم قد نهض بأمانته.
كنت حريصًا على أموالهم، وأشد حرصًا على أن تواكب معاشاتهم تقلبات الحياة وارتفاع تكاليفها. وعملت معي على إنشاء محفظة السلع الاستراتيجية، فكان ذلك عملًا فريدًا مباركًا، جمعنا فيه بين الأمل في تخفيف أعباء الناس والحرص على خدمة الوطن.
غادرت الصندوق وقد تركت فيه أكثر من خمسمائة مليون دولار، إلى جانب عقارات صنتها وحافظت عليها، ولم تتصرف في شبر واحد منها. وكان مؤلمًا أن ينتهي الصندوق، بعد مغادرتك، إلى الإفلاس، رغم ما خلفته فيه من موارد وأصول.
وظل حسين الحفيان يتصل بك صباحًا ومساءً، يرجوك العودة إلى موقعك، لكنك اعتذرت؛ فقد كنت زاهدًا في المنصب، كما عرفتك زاهدًا في الدنيا.
وظللت تعمل وتحلم، كما يحلم أبناء الوطن المخلصون، بوقف الحرب وعودة المواطنين إلى حضن وطنهم، آمنين مطمئنين، بعد أعوام من النزوح والوجع.
غادرتنا قبل أيام، وكنا ننتظر عودتك إلينا، لكنك لبّيت نداء ربك. رحلت، وبقيت سيرتك شاهدًا على أمانتك، وبقيت دعوات من أحسنت إليهم، ومحبة كل من عرفك وعمل معك.
رحمك الله يا أخي عبد اللطيف، وغفر لك، وأكرم نزلك، وأسكنك الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة