زكريا نمر وفوبيا الأنظمة السلطوية من العلوم الاجتماعية والفلسفة سلسلة جواهر المعارف السودانية للأطفال والناشئة والشباب (112) يوسف أرسطو تعرضنا سابقاً لِما طرحه الباحث والمفكر زكريا نمر حول فوبيا المجتمعات العربية من العلوم الاجتماعية والفلسفة؛ وهو طرحٌ عميق وضع اليد بدقة على مكمن الخلل في علاقة هذه المجتمعات بالمعرفة النقدية. لقد شخّص ببراعة التواطؤ غير المعلن بين خوف المجتمع والسلطة من التفكيك النقدِيّ، وبين خوف العلوم الاجتماعية ذاتها وركونها إلى "الأمان المعرفي". ونستكمل في هذا العدد تعميق هذا الطرح عبر تسليط الضوء المكثف على دور الأنظمة والحكومات العربية في تحجيم وتسطيح المناهج لتغييب الوعي، إذ تُعدّ هذه السياسات الممنهجة مكمن الخلل الرئيس، والسبب الأول في اجتثاث التفكير الحر. آليات السلطة في تجويف المعرفة لا يمكن فصل الارتباك الذاتي للعلوم الإنسانية أو التوجس المجتمعي منها عن التخطيط السياسي للتعليم الذي مارسته الأنظمة العربية لعقود؛ حيث أُديرت المؤسسات التعليمية بذهنية أمنية بدلاً من ذهنية قائمة على بناء الإنسان والدولة، وذلك عبر الآليات التالية: تأسيس الوعي الزائف عبر المناهج: تعتمد الأنظمة الشمولية على تفريغ مناهج الفلسفة والاجتماع من روحها النقدية بقرار سياسي واعي وممنهج. وتشتغل هذه السياسة على استبدال الأسئلة المفتوحة بالتلقين والحفظ، وتحويل الفلسفة من منهج تفكير إلى سرد تاريخي للأفكار المُفرغة من سياقها؛ لضمان عدم تدريب الطالب على التفكيك أو التشكيك في المسلمات. تحييد أسئلة المواطنة والشرعية: تُمارس السلطة هندسة منهجية تتعمد تجنب موضوعات العلوم السياسية والاجتماعية التي تتقاطع مع هياكل الحكم. فيتم استبعاد مفاهيم حقوق الإنسان، العدالة الاجتماعية، ونقد البنى الطبقية، مقابل التركيز على طاعة ولي الأمر والاستقرار الظاهري، ليعرف المواطن واجباته دون أن يتساءل عن حقوقه وشرعيتها. تجويف الجامعات ورسالتها: شهدت الجامعات العربية عامة والسودانية خاصة تحولاً تدريجياً من فضاءات للإنتاج المعرفي إلى معامل لتخريج أيدٍ عاملة مطيعة. تم تهميش مراكز البحوث المستقلة، وتقييد حريات الأكاديميين، وربط الترقيات بالأبحاث الآمنة أو الولاءات السياسية، مما أدى إلى تجريف النخبة الفكرية وإبعادها عن قضايا الشارع. شيطنة التخصصات الإنسانية اقتصادياً: تُعزز الخطابات الرسمية ثقافة النفعية الضيقة بالترويج لأن الفلسفة والاجتماع لا يوفران فرصاً تنافسية في سوق العمل، مما دفع الشباب للهروب نحو التخصصات التطبيقية، لتوجيه العقول نحو المهنية الاستهلاكية وإبعادهم عن القضايا الفكرية الكبرى. معالم الخروج نحو المستقبل إن كسر هذه السلسلة من التجهيل السلطوي والهروب الذاتي للعلوم الإنسانية يتطلب رؤية إجرائية تُعيد بناء المشهد الفكري عبر: توطين المعرفة وتبيئتها: الانتقال من دور "المستورد للنظرية" إلى "المُنتج للمفهوم" المنبثق من تعقيدات الواقع العربي والمحلي، واستخدام أدوات تحليل تفكك بؤس مجتمعاتنا ومكوناتها. بسط الفلسفة والاجتماع في المساحات العامة: إخراج هذه العلوم من أبراج الجامعات وقاعاتها المغلقة إلى المسارح والمبادرات المجتمعية؛ لتبسيط التفكير النقدي وجعله أداة يومية في يد الأطفال والشباب. الانتقال من التشخيص الوصفي إلى التفكيك البنيوي: التخلي عن الأبحاث المسحية السطحية، والتحلي بشجاعة الخوض في تحليل شبكات المصالح، واقتصاديات السلطة، والبنى التقليدية التي تعوق التحول الديمقراطي والتنموي. إن تسطيح المناهج وتخويف المجتمعات ليس قدرًا محتومًا، بل هو استراتيجية هيمنة تُديرها السلطة ويُغذيها الخوف الأكاديمي. والرهان الحقيقي يبدأ من المبادرات التعليمية البديلة التي تُعيد لتلك المعارف اعتبارها، وتجعل من "السؤال" حجر الزاوية في بناء أي نهضة سودانية وعربية مرتقبة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة