زكريا نمر وفوبيا المجتمعات العربية من العلوم الاجتماعية والفلسفة جواهر المعارف السودانية للاطفال والناشئة والشباب (111) يوسف أرسطو نشر الباحث والمفكر السوداني زكريا نمر مقالاً بعنوان: "لماذا تخشى المجتمعات العربية العلوم الاجتماعية والفلسفة حتى الآن؟"، مُشخصاً ومُحللاً أسباباً عدة نرى أنها على قدر كبير من الأهمية، كونها تؤسس لفهم تفكيكي مُزدوج لواقع العلوم الاجتماعية والفلسفة في السياق العربي. فلا ينفصل حذر المجتمع والسلطة من هذه العلوم عن خوف العلوم ذاتها وارتباك أدواتها، إنها دائرة مغلقة تُنتج معاً شللاً فكرياً واستقالةً معرفية. ونحسب أنه يمكن الإضافة والإضاءة أكثر لرفد هذا الطرح وبناء المزيد من الوعي. أولاً: أبعاد احتراس المجتمعات من العلوم الإنسانية يرجع التوجس المجتمعي والمؤسسي من الفلسفة والعلوم الاجتماعية إلى صدمة التفكيك التي تمارسها هذه التخصصات، ويتجلى ذلك في عدة أبعاد: صراع المعرفة (النفعية ضد المتسائلة والمزعجة): يُرحب المجتمع بالمعرفة الأدواتية (كالطب والهندسة) لأنها تقدم حلولاً مادية مباشرة ولا تمس بنية القيم، بينما يلفظ "المعرفة النقدية" لأنها تغوص في المسكوت عنه داخل الدين، السلطة، العائلة، والطبقة. تجهيل المنظومة التعليمية: تُفرغ الجامعات من روحها التفكيكية عبر تحويل تدريس الإنسانيات إلى حفظ للتعاريف وسرد لتاريخ الفلاسفة، مما يُنتج طالباً يتلقى المعرفة كحقائق حتمية مقدسة لا كأداة للسؤال والتشكيك. دفاعات التفكير الانغلاقي: يُجابه السؤال النقدي بـ "شخصنة النقاش" عبر استهداف هوية السائل بدلاً من فحص فكرته، مع فرض رقابة جمعية وصارمة تُمارسها الأسرة والقبيلة لضمان الاتباع وخشية العزل الاجتماعي. الهروب إلى التفسير الأخلاقوي: يؤدي غياب المنهج العلمي إلى رؤية الأعراض دون التشخيص؛ فيُختزل الفقر في "كسل الأفراد" أو القسمة والنصيب وتُرد النزاعات والضائقة المعيشة إلى "فساد الأخلاق"، بدلاً من تفكيك هيكلية الثروة، وسوق العمل، وتوازنات القوة. النفعية الاقتصادية وضيق الأفق السياسي: تُقزم التخصصات الإنسانية بحجة عدم تماشيها مع سوق العمل، فيما تفر الرقابة السياسية من أسئلة المواطنة والشرعية، متجاهلة أن الدولة التي لا تفهم تاريخها واجتماعها تعجز حتماً عن إدارة أزماتها. ثانياً: الخوف الذاتي للعلوم الاجتماعية (انقلاب المعادلة) عند تحويل السؤال إلى الداخلي، نجد أن العلوم الاجتماعية ليست مجرد "ضحية"، بل هي ذات تعاني من الخوف والارتباك المنهجي: الخوف من التشخيص الهيكلي: الاكتفاء بجمع البيانات الوصفية والحلول السطحية الآمنة تجنباً للصدام مع شبكات المصالح والبنى السلطوية. الخوف من السلطة المجتمعية: ممارسة "رقابة ذاتية مسبقة" والابتعاد عن التابوهات (الأسرة، الدين، التقاليد) خوفاً من التهم الجاهزة والتكفير أو التغريب. الخوف من فقدان الشرعية والموارد: تقديم تنازلات منهجية وتحويل المعرفة إلى أطر تنظيرية مجردة لضمان استمرار التمويل. الخوف من التفكير المستقل: الارتهان للنظريات الغربية واستيراد المفاهيم صماء نتيجة عجز الباحثين عن تصنيع معرفة محلية نابعة من خصوصية واقعهم. ثالثاً: مفارقة الموقع والتحول التحليلي المحور عندما نسأل: "لماذا تخشى المجتمعات هذه العلوم؟" عندما نسأل: "لماذا تخاف العلوم الاجتماعية؟" موقع العلوم موضوع للدراسة، ومجال مغضوب عليه أو مهمش. ذات فاعلة مكبلة بالخوف، تعاني من الرقابة الذاتية وأزمة الأدوات. طبيعة العائق جهل المجتمع، قسوة السلطة، وسيطرة التقاليد. ضعف التكوين الميداني، الاستسهال التنظيري، والارتهان للمفهوم الجاهز. النتيجة المعرفية حظر وحجب للكتب والتخصصات. إنتاج معرفة شكلية، آمنة، خالية من النقد، وغير قادرة على تشخيص الواقع. إن سيرورة الخوف ليست أحادية الاتجاه؛ فخوف العلوم الاجتماعية من الصدام مع السلطة والمجتمع، ومن فقدان التمويل، ومن ممارسة النقد الذاتي، هو ما يجعلها تقدم نفسها في صورة "معرفة محايدة وأليفة". وحين تفقد العلوم الاجتماعية جرأتها على السؤال، يتحول دورها من أداة للفهم والإصلاح إلى مجرد سرديات مكررة ومحفوظة تتجنب الإجابة عن سؤال: "لماذا؟".
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة