*حين قلَّ الأجاويد وكَثُرَ الجنجويد:* *نظرية في المعنى والمبنى*
-بقلم الريح عبد القادر-
لطالما استوقفتني كلمة "جنجويد"، ليس بسبب معناها الذي اشتهرت به في ظاهرة الحرب الحالية وقبلها حرب دارفور، فأنا من دارفور وأذكر أن الكلمة كانت مستعملة قبل ذلك بعقود، بل كانت تطلق، فيما تطلق، على مجموعة الأطفال المشاغبين. لذلك أدعو بشدة إلى طرح تفسير «جن راكب جواد» جانباً، فهو أقرب إلى الاشتقاق الشعبي ويبعد بعيداً عن البحث اللغوي.
والأغرب أن في غرب السودان كلمات أخرى يلفت النظر فيها مقطع قريب: "جنقور" للخرقة البالية أو الثوب الممزق، و"جنقجورا" التي تحولت إلى "جنقو"، وهو اسم يشير إلى العمال الموسميين القادمين من غرب السودان. وقد تناول عالم عباس محمد نور تاريخ "الجنقو والجنقجورا" في بحث جدير بالرجوع إليه، كما أشار شوقي بدري إلى استعمال "الجنقور" للخرقة، ولوصف الرثاثة الحسية والمعنوية: فـ"جنقور راجل"، يعني رجل والسلام.
وهناك كذلك كلمة "جانقي"، التي تطلق في بعض البيئات على أفراد قبيلة الدينكا، ومفردها "جنقاوي"، وهي تسمية لا يقبلها الدينكا لأنهم يسمون أنفسهم دينكا، وتحمل في استعمالها الاجتماعي حمولة انتقاصية.
فهل "جن/جنق/جانق" مقطع ذو دلالة سالبة في لغات أو لهجات غرب السودان؟ أم أن التشابه بين هذه الكلمات مجرد مصادفة؟
لا أعرف الجواب، حقيقةً، وأطرح السؤال على أهل الاختصاص والاهتمام.
لكن هناك سؤال آخر أكثر إثارة:
هل يمكن أن تكون كلمة "جنجويد" قد ارتبطت، ولو في مرحلة من مراحل تشكلها، بـ"أجاويد"؟
"الأجاويد" في دارفور، وفي مناطق أخرى، هم الذين يُستعان بهم عند وقوع المشكلة؛ وهم أهل الوجاهة والإصلاح، الذين يدخلون بين المتخاصمين ليحلوا النزاع، ويحملوا عن الناس بعض أعبائهم.
أما "الجنجويد"، في الاستعمال الشعبي الذي أعرفه، فكانوا على النقيض: المشاغبون والمتفلتون الذين قد يكونون هم أنفسهم مصدر المشكلة.
وهم لا علاقة لهم بقبيلة ولا منطقة ولا فئة. إنهم سلوك!
والأجاويد يُستعان بهم لحل المشكلة، والجنجويد قد يكونون هم المشكلة.
هل نحن أمام مجرد تشابه صوتي؟ أم أمام تحول لغوي واجتماعي أعمق؟
لا أزعم أن "جنجويد" مشتقة من "أجاويد". فالانتقال الصوتي يحتاج إلى دليل، وأصل الكلمة ما زال غامضاً. لكنني أقترح أن نبحث في جنقور، جنقجورا، جنقو، جانقي، جنقاوي، وجنجويد معاً، لا في كل كلمة منفردة، وأن نبحث عن أصولها في لغات غرب السودان بقدر ما نبحث عنها في العربية، فقد لا يكون لهذه الأخيرة ناقة ولا جمل في هذا الأمر.
هذه مجرد فرضية، ونحن نطرحها للنقاش لا للحسم.
فربما لا تعود هذه الكلمات في نهاية المطاف إلى أصل واحد، وربما تكون ثمة تأثيرات بيئية ولغوية واجتماعية كاملة تركت بصمتها عليها.
و"التسوّي بإيدك، يغلب أجاويدك، وما ينفعوك جنجويدك"!
ويبقى الأجاويد مطلوبون. وهم في الغالب قلة. أما الجنجويد فهم كثرة. ويوجدون في كل مكان. ويكونون معك وحولك، ويكلفونك، وفي النهاية يضرونك ولا ينفعونك. وهم لا قبيلة لهم ولا منطقة ولا فئة. إنهم سلوك!
وكما أسلفنا: الأجاويد يُستعان بهم لحل المشكلة؛ والجنجويد قد يكونون هم المشكلة!
والمشاكل في السودان، في كل مكان. والجنجويد كمان.
ويحدونا أملٌ عظيم في أن يقل الجنجويد ويكثر الأجاويد! فهذا البلد، الذي قلّ أجاويده، يحتاجهم بشدة!
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة