(1-2)بين النور حمد والواثق كمير: من يملك شجاعة مغادرة السودان الق كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 09-13-2026, 00:31 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-12-2026, 04:34 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 321

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
(1-2)بين النور حمد والواثق كمير: من يملك شجاعة مغادرة السودان الق كتبه خالد كودي

    04:34 AM September, 11 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر






    11/9/2026 ، بوسطن

    المثقف العضوي بين إعادة إنتاج الهيمنة وشجاعة التأسيس:
    أثار د. الواثق كمير، في مقاله "المثقف أمام مرآته: المعيار الانتقائي"، المنشور في الأسافير بتاريخ 6 سبتمبر 2026، سجالاً مباشراً مع د. النور حمد حول علاقة المثقف بالسلطة ومعيار الحكم على اصطفافاته السياسية. وينطلق كمير من قبول سؤال النور عن "الوظيفة السياسية" التي يؤديها موقف المثقف، لكنه يرى أن النور يطبّق هذا المعيار بصورة انتقائية: ينتقد مشاركة مثقفين وأكاديميين في مبادرات مرتبطة بحوار البرهان باعتبارها قد تمنح السلطة العسكرية شرعية رمزية، بينما لا يُخضع، في رأيه، انضمامه إلى قيادة تحالف تأسيس وعلاقته بقوة مسلحة للصرامة النقدية نفسها.
    ويعزز كمير حجته باستدعاء موقف النور حمد في 2021، حين دعا إلى المصالحة مع الإسلاميين، وتحدث عن "السياسة فن الممكن" و"التسوية التاريخية الشاملة" وضرورة إشراك القوى السياسية والاجتماعية المختلفة. ومن هنا يطرح سؤال الاتساق: إذا كان الحوار مع الإسلاميين ممكناً ومشروعاً آنذاك، فلماذا يصبح الحوار مع قوى أخرى اليوم موضع شبهة أو دليلاً على إعادة إنتاج السلطة؟ كما يوسّع كمير هذا الاختبار إلى علاقة الجمهوريين بنظام مايو، وإلى النفوذ الإقليمي، ثم يطرح بصورة مباشرة سؤال علاقة النور بتحالف تأسيس والقوة المسلحة الموجودة في قلبه، مطالباً في النهاية بمعيار واحد لمساءلة المثقف أينما وقف...
    لكن اختزال الخلاف في اتساق النور مع مواقفه السابقة يفوّت، في تقديري، السؤال الأكثر جوهرية. فالمشكلة ليست أن النور قال شيئاً في 2021 ثم اتخذ موقفاً مختلفاً في 2026؛ وإنما ما الذي تغير في الواقع، وما الذي تعلمه المثقف من هذا التغير، وأي مشروع للدولة تخدمه مواقفه القديمة والجديدة؟ فالثبات الأخلاقي لا يعني الجمود السياسي، وتغير الموقف لا يصبح انتهازية لمجرد أنه تغير؛ وإنما يُختبر بمدى اتساقه مع المبادئ وبقدرته على تفسير الواقع الجديد.
    ومن هنا يتجاوز السجال شخصي الواثق كمير والنور حمد إلى سؤال أقدم في الفكر السياسي السوداني: هل وظيفة المثقف إصلاح الممكن داخل بنية السودان القديم، أم مساءلة هذه البنية نفسها عندما تكشف التجربة التاريخية عجزها المتكرر عن إنتاج المواطنة المتساوية والسلام والديمقراطية؟ أهمية التحول في موقف النور في تقديري، من هذه الزاوية، لا تكمن في عصمة تأسيس، ولا في منح أي قوة مسلحة شهادة ديمقراطية، بل في انتقال مركز السؤال من كيفية إدارة الدولة القائمة إلى ضرورة إعادة تأسيس الدولة نفسها. ولنناقس هذا مع دكتور الواثق كمير.
    في هذا السياق، يصبح استدعاء أنطونيو غرامشي مهماً لأنه ينقل النقاش من مواقف الأشخاص إلى البنية التي تصنع المواقف وتحدد حدود التفكير السياسي نفسه منطلقا. فغرامشي يوضح أن استمرار السلطة لا يعتمد على الجيش وأجهزة الدولة والقسر وحدها، بل على قدرتها على إنتاج الهيمنة: أي تحويل مصالح فئات تاريخية بعينها وتصوراتها للدولة والمجتمع إلى "حس مشترك" يبدو طبيعياً ومحايداً ووطنياً. ومن ينجح في تعريف ما هو "واقعي" و"معتدل" و"وطني" و"ممكن" لا يسيطر على مؤسسات الدولة فحسب، بل يسيطر أيضاً على المجال الذي يجري داخله تخيل البدائل.
    وهذا ما يجعل غرامشي ضرورياً لفهم السودان القديم وعلاقة المثقف به. فالسؤال ليس فقط: من يؤيد السلطة ومن يعارضها؟ بل: بأي مفاهيم يفكر المعارض نفسه، ومن أين جاءت حدود ما يعتبره ممكناً؟ فقد يعارض المثقف الحاكم والانقلاب والحرب، بينما يظل أسير التصورات التي أنتجتها البنية التاريخية نفسها حول الدولة والهوية والمركز والهامش. هنا تصبح الهيمنة أعمق من القمع: القمع يمنعك من تغيير النظام، أما الهيمنة فتجعلك عاجزاً عن تخيل دولة تتجاوز منطقه.
    الهيمنة: عندما يسكن السودان القديم في وعي معارضيه:
    من هذا المنظور، فإن "السودان القديم" ليس البشير أو البرهان أو الإسلاميين وحدهم، ولا حكومة يمكن إسقاطها ثم إعلان نهاية عهدها. إنه بنية تاريخية لإنتاج السلطة والمعرفة والهوية والامتياز: مركز يحتكر القرار وتعريف الهوية الوطنية؛ وأطراف عوملت بوصفها موضوعاً للإدارة أكثر من كونها شريكاً في تأسيس الدولة؛ وثقافة مهيمنة تقدم نفسها باعتبارها الثقافة الوطنية العامة؛ ومؤسسة عسكرية تمارس الوصاية على السياسة؛ ومركزية في السلطة والثروة؛ وعلاقة ملتبسة بين الدين والدولة؛ وتراتبية تحدد من يملك حق التحدث باسم السودان ومن يُطلب منه باستمرار إثبات سودانيته.
    ولهذا يمكن أن تسقط حكومة ويبقى السودان القديم، وأن تنهار ديكتاتورية وتستمر ثقافتها السياسية، وأن تتغير الشعارات بينما تعيد علاقات القوة إنتاج نفسها. وأخطر انتصارات السودان القديم ليست حين يبقى في القصر، بل حين يخرج من القصر ويبقى في العقل؛ حين يستطيع المثقف معارضة الحاكم من دون أن يصل نقده إلى الدولة التي أنتجت الحاكم وشروط الهيمنة معاً.
    وهنا تظهر مشكلة أعمق في تاريخ قطاعات واسعة من المثقفين والأكاديميين السودانيين. فباستثناء نماذج محدودة، ظل كثير منهم أقرب إلى مثقفي الدولة والمركز منهم إلى "المثقف العضوي" بالمعنى الغرامشي: عارضوا حكومات وانقلابات واستبداداً، لكن نقدهم نادراً ما تحول إلى مساءلة جذرية للبنية التاريخية التي وزعت السلطة والثروة والمعرفة والاعتراف على نحو غير متكافئ. ولذلك ظل التغيير في كثير من خطابهم إصلاحاً للسودان القديم أكثر منه تأسيساً لسودان جديد.
    ومن هنا تكتسب تداخلات د. كمير ود. حمد معناها الأعمق: ليست المسألة في أيهما أكثر اتساقاً مع ماضيه فقط، بل في أيهما أكثر استعداداً لمساءلة الإطار الذي صنع ذلك الماضي نفسه. وهنا يقع الفارق بين مثقف يظل نقده محكوماً بحدود الممكن الذي ورثه من السودان القديم، ومثقف يحاول توسيع حدود الممكن بطرح سؤال الدولة من جديد. وهذا، في النهاية، هو الفرق بين إدارة الهيمنة وشجاعة التأسيس.
    الواثق كمير والنور حمد: المعيار الواحد لا يعني تماثل السياقات:
    يبدأ كمير في مقاله من سؤال مشروع: إذا كان النور حمد يسأل عن "الوظيفة السياسية" التي يؤديها المثقف، ويرى أن مشاركة مثقفين في حوار مرتبط بسلطة بورتسودان يمكن أن تمنح تلك السلطة رأس مال رمزيّاً، فلماذا لا تخضع مشاركة النور نفسه في "تأسيس" للمساءلة ذاتها؟
    حتى هنا لا مشكلة. يجب أن يخضع النور للمساءلة، كما يخضع الواثق، وكما ينبغي أن تخضع "تأسيس" وسلطة بورتسودان والقوى المسلحة والمدنية جميعاً للنقد والمساءلة.
    لكن الخلل يبدأ عندما يتحول توحيد معيار المساءلة إلى افتراض تماثل موضوع المساءلة، وهذه نقطة شديدة الأهمية!
    فليس كل اقتراب من سلطة يؤدي الوظيفة التاريخية نفسها. وليس كل تحالف مع قوة مسلحة متطابقاً سياسياً. وليس كل حوار جزءاً من المشروع نفسه. وليس كل انتقال في الموقف تناقضاً. المعيار الأخلاقي الواحد يقتضي أن نسأل الجميع: ماذا تفعلون؟ وما المشروع الذي تخدمونه؟ وما علاقتكم بالانتهاكات والسلطة والديمقراطية؟ لكنه لا يفرض علينا أن نصل إلى الحكم نفسه قبل تحليل اختلاف المشاريع والسياقات، ولا شنو؟
    وهنا تظهر محدودية مقاربة د. الواثق كمير بجلاء: فهي تركز بقوة على موقع المثقف بالنسبة إلى الفاعل السياسي، بينما يدفع موقف د. النور حمد بالسؤال إلى مستوى أعمق: ما موقع هذا الفاعل نفسه بالنسبة إلى البنية التاريخية للدولة؟
    لذلك لا يكفي أن نسأل: من جلس مع من؟ ومن تحالف مع من؟ ومن اقترب من أي قوة مسلحة؟ السؤال الأكثر كشفاً هو: أي مشروع للدولة يمنحه هذا الموقع معرفة وشرعية ورأس مال رمزي؟ هل يساعد على ترميم السودان القديم، أم يفتح إمكانية تاريخية لإعادة تأسيسه؟
    المثقف التقليدي والمثقف العضوي:
    هنا يصبح تمييز أنطونيو غرامشي بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي مفيداً لفهم تاريخ النخبة الاكاديمية والمتعلمة في السودان. فالمثقف التقليدي يتصور نفسه فوق الصراعات الاجتماعية، ويتحدث باسم الخبرة والواقعية والاعتدال والمهنية، مع أن موقعه المعرفي والاجتماعي قد يكون جزءاً من علاقات القوة التي يدّعي الوقوف خارجها. فما يصفه بأنه "واقعي" قد لا يكون سوى الحدود التي رسمتها الهيمنة القديمة للممكن السياسي، وما يسميه "اعتدالاً" قد يكون مقدار التغيير الذي تستطيع البنية القائمة احتماله من دون أن تفقد امتيازاتها.
    ومن هذه الزاوية، يكشف تاريخ قطاعات واسعة من المتعلمين والأكاديميين السودانيين عن انحياز متكرر، بدرجات مختلفة، إلى الدولة القائمة أكثر من الانحياز إلى إعادة تأسيسها. فقد شارك كثير منهم في إنتاج مشروعات وطنية وأيديولوجية بدت حديثة أو ثورية أو إصلاحية، لكنها احتفظت في العمق بمركزية الدولة، وبالتراتبية بين المركز والهامش، وباحتكار تعريف الهوية الوطنية، وبالتفاوت التاريخي في توزيع السلطة والثروة والاعتراف. ولذلك كان الخلاف في أحيان كثيرة حول من يدير المركز وكيف يُصلح، لا حول حق المركز نفسه في احتكار تعريف الدولة وتحديد شروط المواطنة.
    ولا يعني ذلك أن الأكاديميين والمثقفين السودانيين لم يعارضوا السلطة؛ فقد عارض كثير منهم الديكتاتوريات والانقلابات ودفع بعضهم أثماناً باهظة. لكن المعارضة السياسية للحاكم لم تتحول، إلا في نماذج محدودة، إلى قطيعة معرفية مع بنية الدولة التي أنتجت الحاكم والتهميش معاً. ولهذا كان التغيير مقبولاً غالباً ما دام يبدأ من المركز، وتضع نخب المركز لغته وحدوده وأولوياته؛ أما حين جاءت مشاريع التغيير من المجتمعات المهمشة وطالبت ليس بنصيب أكبر في الدولة القديمة، بل بحق إعادة تعريف الدولة نفسها، فقد قوبلت كثيراً بالريبة أو وُصفت بالجهوية والتطرف وتهديد الوحدة الوطنية.
    أما المثقف العضوي بالمعنى الغرامشي فليس داعية لحزب أو قائد أو قوة مسلحة، بل هو من يرتبط بتحول اجتماعي تاريخي ناشئ، ويمنح خبرات الجماعات التي ظلت خارج مركز السلطة مكانها بوصفها مصدراً للمعرفة والمشروع، لا مجرد موضوع للتعاطف. إنه يساعد على نقل الهامش من موقع المطالبة بالإنصاف داخل النظام إلى موقع المشاركة في إنتاج تصور جديد للدولة والمواطنة والسلطة.
    ومن هنا يمكن فهم "المثقف الخائف" بوصفه نمطاً معرفياً لا حكماً نفسياً على شخص بعينه: مثقف يملك الشجاعة لمعارضة الحاكم، لكنه يتردد أمام مساءلة الدولة التي تنتج الحاكم؛ يرفض الانقلاب لكنه يخشى إعادة بناء مؤسسة عسكرية جديدة؛ ينتقد الاستبداد لكنه يتحفظ على الدولة العلمانية؛ يتحدث عن التهميش لكنه يتراجع أمام إعادة توزيع السلطة والثروة؛ ويؤيد الديمقراطية ما دامت لا تقود إلى مبادئ فوق دستورية تحمي الحقوق من تقلبات الأغلبية. الخوف هنا ليس من السلطة القائمة بقدر ما هو من النتائج التأسيسية للنقد عندما يصل إلى جذور السودان القديم.
    إدوارد سعيد: المثقف ليس فنياً لصيانة النظام:
    يقدم ادوارد سعيد معياراً آخر لهذا السجال. فوظيفة المثقف النقدية ليست أن تتحول المعرفة إلى خبرة فنية لإدارة المؤسسات القائمة وإصلاح أعطالها، وإنما أن تكشف علاقات القوة التي تجعل الأزمة قابلة للتكرار.
    وهنا يبدو الفرق بين كمير والنور أكثر وضوحاً. كمير يسأل، بصورة مشروعة، عن اتساق المثقف وعن رأس المال الرمزي الذي يمنحه لتحالفاته. أما النور، في موقعه الراهن، فيدفع السؤال إلى ما وراء أخلاق المثقف الفردية: ما الدولة التي يخدمها هذا الاتساق نفسه؟
    لقد عاش السودان دورة تكاد تصبح مؤسسة سياسية قائمة بذاتها: حرب، فحوار، فتسوية، فمرحلة انتقالية، فتقاسم للسلطة، فوثيقة دستورية، فمؤتمر للمصالحة والتوافق، ثم أزمة جديدة وحرب جديدة. ولهذا لم يعد السؤال الكافي هو: كيف ندير الأزمة المقبلة بصورة أفضل؟ بل: ما الذي يجعل الدولة السودانية نفسها منتجاً متكرراً للأزمة والحرب؟
    هذه هي، في تقديري، النقلة المهمة في موقف النور حمد: من خبرة إدارة الأزمة إلى نقد البنية المنتجة للأزمة.
    فانون: الاستقلال الذي لم يتحول إلى تأسيس:
    ياخذنا فرانتز فانون خطوة أبعد. فالاستعمار لا ينتهي بالضرورة عندما يخرج المستعمر إذا ورثت النخبة الوطنية مؤسساته وتراتبياته وأجهزته وعلاقاته بالمجتمع، ثم أدارتها تحت علم وطني جديد.
    وهذا شديد الصلة بالسودان. فالاستعمار لم يترك حدوداً إدارية فحسب؛ ترك أيضاً جغرافيا للسلطة: مركزاً وأطرافاً، مناطق حظيت باستثمارات أكبر وأخرى بقيت خارج دوائر التنمية، وهويات امتلكت قدرة أكبر على تعريف "القومي"، ومؤسسات صممت للإدارة والضبط أكثر مما صممت لتمثيل مواطنين متساوين.
    وهنا تكتسب أطروحة النور حمد عن النخب التي ورثت جانباً من العقلية الاستعمارية أهميتها: الاستقلال سودن الدولة الموروثة أكثر مما أعاد تأسيسها. ومن ثم لا تعود المشكلة مجرد سوء إدارة لمؤسسات سليمة في أصلها؛ بل تكون المشكلة في التصميم التاريخي للمؤسسات نفسها.
    وهنا أيضاً تظهر المسافة مع كمير: إذا بقي معيارنا هو كيفية إصلاح المؤسسات القائمة وإعادة القوى إليها عبر تسوية أفضل، فنحن لا نزال داخل سؤال السودان القديم. أما إذا أصبح السؤال: لماذا ينبغي لهذه المؤسسات وعلاقات السلطة التي أنتجتها أن تبقى نقطة البداية أصلاً؟ فنحن ننتقل إلى سؤال السودان الجديد.
    ألبرت ميمي: حين يعيد الوطني إنتاج المستعمِر:
    يضيف البرت ميمي بعداً نفسياً واجتماعياً مهماً: فالاستعمار لا ينتج المؤسسات فقط؛ ينتج صوراً للذات والآخر. وقد ترث النخبة الوطنية بعد الاستقلال نظرة المستعمِر إلى جماعات أخرى داخل الوطن، فتصفها بالقبلية والتخلف وعدم الجاهزية، وتفترض أن المركز أكثر قدرة منها على تحديد مصالحها ومستقبلها.
    وهنا يتحول الاستعمار الخارجي إلى استعمار داخلي في علاقات السلطة والتمثيل والمعرفة.
    وهذا يساعدنا على فهم حساسية اللحظة الراهنة. فالمشكلة ليست في أن ينتقد الواثق كمير "تأسيس" أو النور حمد؛ فالنقد واجب. المشكلة تبدأ إذا ظل المركز القديم هو المرجعية غير المعلنة التي تقاس بها شرعية كل مشروع جديد. عندئذ يمكن للهامش أن يكون ضحية، ويمكن أن نتعاطف مع موته وفقره ونزوحه، لكنه يصبح مقلقاً عندما ينتقل من المطالبة بنصيبه في الدولة إلى المشاركة في تعريف الدولة ذاتها.
    وهذه نقلة معرفية وسياسية كبرى: الهامش ليس مجرد جغرافيا تنتظر التنمية من المركز؛ إنه أيضاً مكان لإنتاج المعرفة والرؤية والمشروع السياسي.
    باولو فريري: حين يحمل المعارض لغة النظام الذي يعارضه:
    يعمق باولو فريري المسألة حين يبين أن المقهور قد يستبطن بعض صور العالم التي صنعها القاهر. فالتحرر لا يكتمل برفض السلطة إذا ظلت مفاهيم السلطة مستقرة في وعينا.
    وهكذا يمكن لمعارض للإنقاذ او لسلطة البرهان الحالية أن يرفضهما سياسياً ويبقى أسير تصورات أقدم منهما حول الهوية والدولة. ويمكن لديمقراطي أن يخشى العلمانية. ويمكن لناشط ضد الحرب أن يتمسك ببنية دولة أنتجت الحروب. ويمكن لمثقف أن يتضامن بحرارة مع المهمشين عندما يظهرون ضحايا، ثم يشعر بالقلق عندما يظهرون فاعلين سياسيين يريدون إعادة تعريف المركز والهامش والدولة نفسها... ولا مش كده؟
    علي كل، هنا تحقق الهيمنة أحد أكبر انتصاراتها: حين يستطيع الإنسان معارضة النظام باستخدام القاموس العميق للنظام نفسه
    ومن ثم يصبح السؤال الذي يفرّق بين موقفي كمير والنور أكبر من الشخصين: هل يكفي أن نقيس الموقف بمدى ابتعاده عن السلطة العسكرية القائمة، أم يجب أيضاً أن نقيسه بمدى تحرره من منطق الدولة التي جعلت الوصاية العسكرية ممكنة أصلاً؟
    نغوغي وا ثيونغو: استعمار العقل وقاموس السودان القديم:
    نغرغي واثيونغو ينقلنا إلى اللغة. فالهيمنة لا تسيطر على الأرض وحدها؛ إنها تسيطر على القاموس الذي نفكر به في الأرض
    وفي السودان توجد كلمات تبدو محايدة: "الوحدة الوطنية"، "الثوابت"، "الخصوصية السودانية"، "الإجماع الوطني"، "الحوار السوداني–السوداني"، "المؤسسة الوطنية"، "المصالحة"، "الاعتدال"، "الواقعية". المشكلة ليست في المفردات بذاتها، بل فيمن يملك تعريفها.
    فقد تصبح "الوحدة" اسماً للمركزية، و"الثوابت" اسماً لامتيازات تاريخية، و"الإجماع" حقاً للقديم في تعطيل الجديد، و"المصالحة" بديلاً عن المساءلة، و"المؤسسة الوطنية" حصانة لمؤسسة لم تُعد بناؤها وطنياً بعد، و"الاعتدال" مطالبة أصحاب الحقوق بتخفيض سقف حقوقهم، بينما يوصف مشروع إعادة تأسيس الدولة بأنه تطرف أو مغامرة.
    هذه إحدى أكثر صور الهيمنة فعالية: السيطرة على قاموس الممكن السياسي...
    مغالطة تجميد النور حمد في ماضيه:
    من هنا نصل إلى إحدى الحجج الأساسية عند الواثق كمير: استدعاء موقف النور حمد في 2021، عندما تحدث عن المصالحة مع الإسلاميين وعن السياسة بوصفها "فن الممكن"، ثم مقارنته بموقفه الراهن.
    ظاهرياً، هذا اختبار للاتساق. لكن الاتساق ليس أن يكرر المفكر في 2026 ما قاله في 2021 مهما تغير التاريخ. الاتساق الحقيقي هو أن يستطيع تفسير ما الذي بقي ثابتاً في مبادئه، وما الذي تغير في تقديره للواقع، ولماذا...
    فالمفكر، مثل الثوري، يعيش داخل التاريخ. الأول يختبر المفهوم أمام المعرفة الجديدة، والثاني يختبر الاستراتيجية أمام تغير ميزان القوى. وفي الحالتين، تحويل رأي أو أداة كانت مناسبة للحظة معينة إلى التزام أبدي ليس اتساقاً؛ إنه إلغاء للتاريخ.
    مانديلا: لا الوسيلة سجن للثورة ولا الكتاب سجن للفكر:
    يقدم نلسون مانديلا مثالاً سياسياً بالغ الدلالة على أن الثبات على المشروع لا يعني الجمود في الموقف أو الوسيلة. فقد انتقل من النضال السلمي إلى المقاومة المسلحة عندما أغلقت دولة الأبارتهايد المجال أمام العمل السياسي السلمي، ثم انتقل لاحقاً إلى التفاوض عندما تغيرت موازين القوى وأصبح ممكناً تحويل الصراع إلى تسوية دستورية تنهي نظام الفصل العنصري. لم يكن الانتقال من وسيلة إلى أخرى تخلياً عن المشروع التحرري، بل كان تعبيراً عن القدرة على قراءة التحولات التاريخية وإعادة تحديد الأداة الملائمة لها.
    وهنا تصبح تجربة مانديلا ذات صلة مباشرة بحجة د. الواثق كمير تجاه تغير موقف د. النور حمد. فاستدعاء موقف سابق لإدانة موقف لاحق لا يكفي ما لم يُثبت أن المبدأ الذي يحكم الموقف قد تغير، لا أن تقدير الواقع ووسائل التعامل معه قد تغيرا. مانديلا لم يجعل موقفه السابق سجناً لموقفه اللاحق؛ راجع الوسيلة لأن شروط الصراع تغيرت، بينما ظل هدف تفكيك الأبارتهايد ثابتاً. وبالمعيار نفسه، لا يكون السؤال العلمي: لماذا لم يبق النور حمد حيث كان في 2021؟ بل: هل تغيرت الشروط التي بُني عليها موقفه السابق، وهل يمثل موقفه الراهن تخلياً عن مبادئه أم محاولة أكثر جذرية لتحقيقها في واقع جديد؟ ففي لحظات التحول التاريخي، قد يصبح الجمود على الموقف القديم أكثر تناقضاً مع المبدأ من مراجعته.
    مالكوم إكس وديوي: الخبرة ليست خيانة للموقف:
    اما مالكوم اكس، فقد أعادت تجاربه السياسية والإنسانية في سنواته الأخيرة تشكيل بعض تصوراته السابقة حول العرق والتحالف وإمكان العمل المشترك. ولم تكن قيمة هذا التحول في الانتقال من "خطأ" بسيط إلى "صواب" نهائي، وإنما في الاستعداد لأن تصبح الخبرة الجديدة جزءاً من عملية التفكير.
    وهذا يلتقي مع حون ديوي الذي جعل الخبرة والاختبار والتصحيح جزءاً من طبيعة المعرفة. فالفكرة، مثل الاستراتيجية السياسية، لا تكتسب صدقيتها لأنها وفية لسيرة صاحبها، وإنما لأنها قادرة على مواجهة الواقع وإعادة بناء نفسها عندما تكشف الخبرة حدودها.
    مارتن لوثر كينغ وماركس: حين تتسع المشكلة يتسع النقد:
    ويقدم مارتن لوثر كنج نموذجاً آخر. فقد اتسع مشروعه في سنواته الأخيرة من مواجهة الفصل والتمييز القانوني إلى ربط العنصرية بالفقر والحرب واللامساواة الاقتصادية. لم يتخل عن المساواة؛ بل أدرك أن تحقيقها يتطلب توسيع تعريف المشكلة.
    وفي الفكر نجد منطقاً قريباً عند كارل ماركس:
    المراجعة لا تعني بالضرورة التخلي عن السؤال الأصلي، بل تعني اكتشاف أن الظاهرة أكثر تعقيداً مما بدت عليه أول مرة. عندما تتسع المعرفة، يصبح الإصرار على التحليل القديم تقليصاً متعمداً للواقع...
    فريدريك دوغلاس: الحق في تصحيح الفرضية:
    وفردريك دوغلاس بدوره مثال بالغ الدلالة؛ فقد تطورت قراءته للدستور الأمريكي من موقف شديد النقد لعلاقته بنظام العبودية إلى رؤية رأت إمكان استخدام مبادئه في الصراع ضد العبودية.
    لينين وهيغل: التاريخ لا يطيع النص:
    حتى التجارب الثورية الأكثر أيديولوجية اضطرت إلى مراجعة أدواتها. فقد عدل فلاديمير لينين
    السياسات الاقتصادية عندما اصطدمت الثورة بواقع الحرب والانهيار الاقتصادي، وكانت السياسة الاقتصادية الجديدة مثالاً على أن الحفاظ على غاية سياسية قد يقتضي تغيير أداة أو تقدير سابق.
    وعلي المستوي الفلسفي، وضع هيغل الصيرورة والتناقض والتحول في قلب فهم التاريخ. فالثوري الذي يعامل استراتيجيته كنص مقدس يشبه المفكر الذي يضع مفهومه خارج التاريخ: كلاهما يطالب الواقع بأن يطيع فكرته، بدلاً من إعادة اختبار الفكرة أمام الواقع.
    ماو وديوي: لا معنى لنظرية لا تتعلم من اختلاف الواقع:
    أعاد ماو تسي تونغ صياغة الاستراتيجية الثورية في ضوء البنية الاجتماعية الصينية، بدلاً من التطبيق الحرفي لنموذج نشأ في المجتمعات الصناعية الأوروبية، ومنح الفلاحين والريف موقعاً مركزياً في استراتيجيته. وبصرف النظر عن النقد الضروري والواسع لتجربته اللاحقة، فإن الدرس المنهجي هنا واضح: النظرية التي لا تتعلم من خصوصية الواقع تتحول من أداة لتحليله إلى عقيدة مفروضة عليه.
    وهنا يلتقي الثوري والمفكر: المفكر يراجع المفهوم عندما تتغير المعرفة، والثوري يراجع الاستراتيجية عندما تتغير شروط الصراع، والسياسي المسؤول يراجع تقديره عندما تتغير حدود الممكن...
    نواصل في الجزء الثاني:

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de