في التاريخ الحديث لدول هشة مثل أفغانستان والسودان، تتكرر ظاهرة سياسية لافتة: صعود قائد عسكري من هامش الدولة، وبناؤه قوة مسلحة مستقلة، ثم تحوله تدريجياً إلى لاعب سياسي يتجاوز حدود الإقليم الذي خرج منه.
عبد الرشيد دستم في أفغانستان يمثل أحد أبرز هذه النماذج. ومحمد حمدان دقلو «حميدتي» في السودان يقدم نموذجاً أكثر تعقيداً، وربما أكثر طموحاً وخطورة.
المقارنة بين الرجلين ليست مقارنة بين شخصين بقدر ما هي مقارنة بين مسارين لبناء القوة خارج المؤسسة العسكرية المركزية، ثم محاولة تحويل هذه القوة إلى نفوذ سياسي ودور في الدولة.
دستم: رجل الشمال الأفغاني صعد عبد الرشيد دستم من داخل المؤسسة العسكرية الأفغانية، ثم أصبح قائداً لقوة عسكرية ذات قاعدة إقليمية قوية في شمال البلاد. ومع انهيار النظام الشيوعي وتفكك الدولة، تحول دستم إلى أحد مراكز القوة الأساسية في أفغانستان. امتلك الأرض والسلاح والرجال، وأصبح لاعباً لا تستطيع السلطة المركزية تجاهله. لكن تجربة دستم تكشف حدود القوة الإقليمية. فمهما بلغت قوته، لم يستطع تحويل شمال أفغانستان إلى دولة مستقلة، ولم يستطع أيضاً الاستيلاء على الدولة الأفغانية كلها.
والنتيجة كانت انتقاله تدريجياً من قائد قوة عسكرية إقليمية إلى لاعب داخل النظام السياسي الأفغاني. أصبح وزيراً للدفاع ثم نائباً للرئيس، وتحول من منافس للدولة إلى جزء من ترتيباتها السياسية. وهنا تكمن إحدى أهم دروس تجربته: القوة العسكرية تستطيع أن تفرض وجودك على الدولة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحك دولة.
حميدتي: مسار مختلف خرج من بيئة مختلفة، ومن هامش مختلف، لكنه اتبع في البداية مساراً مشابها. بدأ كقائد لقوة مسلحة ذات جذور إقليمية في دارفور، ثم تحولت قوات الدعم السريع التى اصبحت تحت قيادته إلى قوة عسكرية كبيرة ذات قيادة مستقلة وموارد اقتصادية وشبكات علاقات داخلية وخارجية. ومع سقوط عمر البشير، لم يعد حميدتي مجرد قائد لقوة دارفورية. أصبح نائب رئيس مجلس السيادة، وشريكاً في السلطة الانتقالية، ثم تحول الصراع بينه وبين قيادة القوات المسلحة إلى حرب شاملة في أبريل 2023.
وهنا حدث التحول الكبير. لم يعد السؤال كم يستطيع حميدتي أن يحصل عليه من الدولة؟ بل أصبح هل يستطيع حميدتي أن يبني مركزاً بديلاً للدولة؟ وهذا هو الفارق الأساسي بين تجربته وتجربة دستم من السيطرة على الإقليم إلى منافسة الدولة. دستم كان في جوهر تجربته رجل إقليم. أما حميدتي فقد تجاوز الإقليم إلى محاولة بناء قوة ذات امتداد وطني. الدعم السريع لم تعد مجرد قوة دارفورية. أصبحت شبكة عسكرية واقتصادية وسياسية تمتد إلى مناطق متعددة من السودان، وأصبح مشروعها مرتبطاً بالسيطرة على الأرض والموارد وبناء ترتيبات إدارية وسياسية موازية. وهنا تظهر فكرة «الانتقال من الدولة الواحدة إلى منافسة الدولة».
فحين تمتلك حركة مسلحة: أرضاً تحت سيطرتها، قوات عسكرية مستقلة، مصادر تمويل، إدارة محلية، شبكات تجارية، علاقات خارجية، ومشروعاً سياسياً، فإنها لا تعود مجرد تمرد مسلح. إنها تبدأ في الاقتراب من مفهوم بناء دولة منافسة. لكن الاقتراب من الدولة شيء وبناء دولة مؤسسات شيء آخر تماماً.
لماذا لم يتحول دستم إلى مؤسس دولة؟ هذه النقطة مهمة لفهم مستقبل حميدتي. دستم امتلك معظم عناصر القوة الصلبة: الرجال والسلاح والأرض والموارد والنفوذ السياسي. لكنه لم يمتلك القدرة أو الظروف اللازمة لتحويل هذه القوة إلى دولة مستقلة ذات شرعية ومؤسسات. وبمرور الوقت أصبح أكثر واقعية في التعامل مع الدولة الأفغانية. لقد قبل بأن يكون جزءاً من النظام بدلاً من محاولة إنشاء نظام جديد بالكامل.
وهنا قد يكون الفرق بين الرجلين واضحاً. دستم أراد موقعاً داخل الدولة الأفغانية. أما حميدتي فقد دفعت الحرب مشروعه نحو البحث عن موقع يمكن أن يكون خارج الدولة المركزية أو في مواجهتها. المشكلة ليست السيطرة على الأرض. أكبر خطأ في تحليل مثل هذه المشاريع هو الاعتقاد بأن السيطرة العسكرية على الأرض تعني قيام الدولة.
التاريخ يقول غير ذلك. فالدولة تحتاج إلى أكثر من الجيش.تحتاج إلى شرعية سياسية، ومؤسسات، وقضاء، وإدارة، ونظام مالي، وخدمات، وتعليم، وصحة، وأمن، واقتصاد منتج، وقبول اجتماعي واسع. يمكن للقوة العسكرية أن تفتح الطريق أمام هذه المؤسسات لكنها لا تستطيع أن تحل محلها. وهنا تكمن المعضلة الأساسية أمام حميدتي. فإذا استطاع أن يحافظ على السيطرة العسكرية لكنه فشل في بناء مؤسسات مدنية، فقد ينتهي مشروعه إلى نموذج آخر من سلطة الحرب. أما إذا استطاع تحويل القوة العسكرية إلى مؤسسة وطنية، وتحويل الموارد إلى اقتصاد رسمي، وتحويل الولاءات الشخصية إلى مؤسسات سياسية، فسيكون قد تجاوز تجربة دستم بالفعل.
هناك عامل آخر يميز التجربة السودانية. اقتصاد الحرب السوداني، وخصوصاً الذهب والتجارة والشبكات المالية المرتبطة بالقوى المسلحة أعطى حميدتي قدرة على الاستقلال عن الخزانة المركزية. وهذه ميزة عسكرية هائلة. لكنها قد تصبح مشكلة سياسية. فالدولة الحديثة تحتاج إلى أن تنتقل من اقتصاد يمول القوة إلى اقتصاد تموله الدولة ويخدم المجتمع. وهذا انتقال بالغ الصعوبة.
القائد الذي يستطيع تمويل جيشه من موارده الخاصة يستطيع أن يستمر في الحرب فترة طويلة. الدولة التي تعتمد على موارد مرتبطة بشبكة شخصية أو عائلية أو عسكرية تواجه سؤالًا مختلفاً: هل تستطيع هذه الموارد أن تمول دولة كاملة؟
معضلة الخلافة وهنا ربما تظهر أهم نقطة في مقارنة حميدتي بدستم. فقد كان نفوذ دستم مرتبطاً بشخصه، لكنه كان أيضاً مرتبطاً بشبكة سياسية واجتماعية وعسكرية أوسع. أما المشروع الذي يتمحور بشدة حول شخص واحد وعائلته وشبكته الاقتصادية والعسكرية، فإنه يواجه مشكلة الخلافة إذا كان المشروع قائماً على القائد، الأسرة، القوة العسكرية ، الموارد ثم الولاء الشخصي فإن غياب القائد يمكن أن يفتح الباب أمام الصراع الداخلي. وهذا هو أحد أخطر التحديات أمام أي مشروع يمكن وصفه بأنه مشروع شبه سلالي (Proto-Dynastic Project). فالدولة المؤسسية تستطيع أن تستمر بعد اختفاء رئيسها لاى سبب من الأسباب. أما المشروع الشخصاني فقد يبدأ بالتفكك بمجرد غياب مؤسسه.
درس دستم لحميدتي تجربة دستم تقدم لحميدتي درساً بالغ الأهمية. فلا يكفي أن تكون أقوى من خصومك عسكريا. يجب أن تكون قادراً على بناء نظام يستطيع أن يعيش بعدك. دستم استطاع أن يبقى لاعباً سياسياً مهماً لعقود، لكنه لم ينجح في تحويل قوته إلى دولة. وهذا هو الاختبار الذي يواجه حميدتي. هل سيكون مصيره مصير قائد عسكري قوي يفاوض على موقعه داخل السودان؟ أم يستطيع أن يتحول إلى مؤسس لترتيب سياسي جديد؟ أم أن المشروع نفسه سينتهي إلى تقسيم السودان إلى مراكز قوة متنافسة؟
السودان ليس أفغانستان مع ذلك، يجب الحذر من إسقاط التجربة الأفغانية على السودان بصورة ميكانيكية. السودان يمتلك تاريخاً مختلفاً، وجغرافيا مختلفة، وتركيباً اجتماعياً وسياسياً مختلفاً، كما أن موقعه الإقليمي والدولي مختلف. لكن التشابه الأعمق موجود في شيء آخر. ضعف الدولة المركزية يفتح المجال أمام قادة عسكريين إقليميين لبناء مراكز قوة مستقلة. وعندما تصبح هذه المراكز أقوى من مؤسسات الدولة، فإن السؤال لم يعد عن مستقبل الحكومة وحدها، وإنما عن شكل الدولة نفسها. التحول من رجل الإقليم إلى رجل الدولة ربما يكون هذا هو الخط الفاصل الحقيقي بين دستم وحميدتي. دستم وصل إلى سقف القوة العسكرية الإقليمية، ثم اضطر إلى التكيف مع الدولة. حميدتي حاول أن يتجاوز هذا السقف، وأن يحول القوة الإقليمية إلى قوة وطنية تنافس على الدولة نفسها. لكن الوصول إلى هذه المرحلة لا يعني النجاح. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد السيطرة. هل تستطيع أن تحكم، و أن توفر الأمن، و تبني مؤسسات، وهل تستطيع أن تجمع الضرائب وتدير الاقتصاد، و أن تقدم الخدمات؟ وهل تستطيع أن تقنع مواطناً في دارفور وكردفان والخرطوم والشرق والشمال بأن السلطة الجديدة هي دولته، وليست سلطة جماعة مسلحة؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها السلاح.
الخلاصة من دستم إلى حميدتي، نرى انتقالاً من نموذج «رجل الإقليم» إلى محاولة بناء «مشروع الدولة». لكن التاريخ يضع أمام حميدتي تحذيراً واضحاً. السيطرة على الأرض أسهل من بناء الدولة. والانتصار في الحرب أسهل من صناعة السلام. وتمويل الجيش أسهل من بناء اقتصاد. وإجبار الناس على الطاعة أسهل من الحصول على الشرعية. وبناء سلطة حول شخص أسهل من بناء مؤسسة تستمر بعد الشخص.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي عن مستقبل مشروع حميدتي ليس: هل يستطيع أن ينتصر عسكرياً؟ بل: هل يستطيع أن يفعل ما لم يستطع دستم فعله و تحويل القوة العسكرية والإقليمية إلى دولة مؤسسات قابلة للحياة؟ فإذا فشل في ذلك، فقد يدخل التاريخ بوصفه واحداً من أقوى رجال الحرب في السودان. أما إذا نجح، فسوف يكون قد تجاوز نموذج دستم وانتقل من رجل الإقليم إلى مؤسس نظام سياسي جديد.
والفارق بين الاثنين ليس في عدد الجنود ولا في مساحة الأرض التي يسيطر عليها. الفارق هو الدولة. د. الطاهر الفكى لندن/١٢/٩/٢٠٢٦
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة