|
|
باب المندب: هندسة الواقع وإعادة رسم التوازنات البحرية كتبه اسعد عبدالله عبدعلي
|
01:21 AM September, 11 2026 سودانيز اون لاين اسعد عبد الله عبد علي-العراق-بغداد مكتبتى رابط مختصر
تتضح ملامح التحول الجيوسياسي المتسارع على امتداد الساحل الغربي لليمن, من خلال إعادة رسم الخارطة الميدانية, عبر زحف عسكري حاسم ومباغت، حيث تمكنت فيه الجماعة المجاهدة (الحوثيون) من فرض سيطرتها على سلسلة من النقاط الحاكمة ذات الثقل الاستراتيجي والاستثماري في جغرافيا المنطقة. لم يكن هذا التمدد مجرد تحرك تكتيكي عابر، بل صياغة واقع ميداني جديد بدأ باقتحام وتأمين المحاور المحيطة بمدينة المخا والمناطق المتاخمة لها كحيس والبوكس، ممّا أدى إلى تحييد خطوط الإمداد الحيوية, وقطع شرايين التواصل الميداني الممتدة أمام القوات الحكومية، ليمتد هذا الخنق الجغرافي نحو العمق المائي عبر السيطرة على جزيرة ميون (بريم) الرابضة في قلب مضيق باب المندب، والتي تمثل الشريان الرئيسي والمفصل الحاكم للانقسام الملاحي بين الممرين الشرقي والغربي. وتكتمل أبعاد هذه التحركات الاستراتيجية بالتمدد الميداني نحو أرخبيل جزر حنيش الكبرى والصغرى وجزيرة زقر، وهي المواقع الحاكمة التي تمنح نفوذاً مباشراً على امتداد جنوب البحر الأحمر قبالة السواحل الإقليمية، متزامناً مع إحكام القابضة على منطقة ذباب والشواطئ المتاخمة لباب المندب, للوصول إلى المداخل البرية الصلبة المقابلة للممر الملاحي الدولي، مما يجعل هذا التحرك إعادة رسم متكاملة لقواعد اللعبة العسكرية البحرية في المنطقة. · الأهمية الاستراتيجية لجزر باب المندب تُشكل جزر باب المندب، وفي مقدمتها جزيرة ميون الحاكمة، المرتكز الجيوسياسي العصبي الذي تتداخل عنده معدلات الأمن القومي والإقليمي والدولي في البحر الأحمر، إذ تمثل هذه الرقعة الجغرافية المحدودة المحرك الأساسي لحركة التجارة العالمية, عبر إشرافها المباشر على مضيق يمر عبره نحو عشرة بالمئة من الإمدادات التجارية, وحصص الطاقة, وشحنات النفط الحيوية, للمصانع والأسواق العالمية. وتتجلى الخطورة الاستراتيجية للسيطرة على هذه الجزر في تحويلها إلى قواعد تثبيت متقدمة, لشبكات الرادار ونقاط إطلاق الصواريخ البحرية والطائرات المسيرة، مما يمنح الطرف المسيطر قدرة عسكرية نافذة وفرض حصار بحري عملي, يُتيح له إغلاق الممر المائي واستهداف السفن بدقة عالية، وهو ما يرتب تداعيات اقتصادية باهظة تُضيق الخناق على الشرايين التجارية الخليجية والأوروبية، حيث يضطر أسطول الملاحة الدولي إلى تجنب هذا الشريان واستبداله بطرق طويلة حول طريق رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي يرفع تكاليف التأمين والمدد الزمنية للرحلات البحرية ويُعيد تشكيل كلفة التجارة العالمية برمتها. · الدوافع الخارجية للتحرك الحوثي إن ما يجري على الأرض ليس مجرد تحركات عسكرية عابرة أو صدامات ميدانية محدودة، بل هو تجسيد لستراتيجية شامخة تعتمد على صياغة معادلات نفوذ جديدة, ترتكز في جوهرها على هندسة الأمر الواقع. تبدأ هذه الستراتيجية من الإصرار على تثبيت الجغرافيا كحقيقة سياسية لا يمكن التغاضي عنها؛ فالجماعة لا تتعامل مع سيطرتها الميدانية بوصفها مكاسب عسكرية مؤقتة، بل كـ كارت تفاوضي ثقيل يُفرض على الطاولة الإقليمية والدولية. إن الغاية الأساسية هنا هي إجبار القوى الخارجية على إعادة حساباتها، والاعتراف بأن أي معادلة استقرار قادمة لن تُكتب إلا عبر بوابة التفاهم مع هذا الطرف الفاعل, الذي حول الأرض إلى ورقة ضغط سياسية لا يمكن تجاوزها. وفي الامتداد الطبيعي لهذه الفلسفة، يظهر توظيف الجغرافيا البحرية كعصب حيوي لربط الجبهات المحلية بالصراعات الإقليمية الأكثر تعقيداً. لم يعد الموقع الجغرافي المشرف على الممرات المائية مجرد إنجاز عسكري محلي، بل تحوّل إلى أداة جيوسياسية فائقة التأثير؛ تُستخدم للتحكم في رتم الملاحة الدولية من جهة، وتوفير مظلة إسناد لخطوط إمداد الحلفاء في المنطقة من جهة أخرى. وبذلك، تُكسر العزلة المحلية لتتصل القضية مباشرة بملفات الردع والتوازنات الكبرى، في مشهد يُعيد تعريف القوة البحرية كأداة ضغط سياسي واقتصادي عابرة للحدود. · الدوافع الداخلية للتحرك الحوثي أما على الصعيد الداخلي، فتكتمل هذه الرؤية عبر اقتناص الفراغات الستراتيجية لإفشال أي محاولات لحكومة الخصم, في إعادة التموضع أو التقاط الأنفاس. وتُستغل حالة التباعد والتشرذم بين الأطراف الميدانية المقابلة كفرصة مثالية للهجوم والتمدد، بهدف إحكام السيطرة الكاملة على الشريط الساحلي الغربي. إن حرمان الطرف الآخر من نقطة ارتكاز ساحلية لا يعني مجرد خنقه جغرافياً واقتصادياً، بل يعني بالضرورة حسم المعادلة الميدانية, صعوداً نحو هيمنة مطلقة, تُغلق الباب أمام أي مشاريع منافسة... وهي في جوهرها، عملية ممتدة ومتكاملة: تثبيتُ أمر واقع على الأرض يُترجم إلى قوة تفاوضية، وتوظيفُ الموقع البحري لربط الخيوط الإقليمية، ثم استغلالُ ثغرات الخصم لإغلاق الشريط الساحلي وبسط السيطرة التامة. · الخاتمة: وهكذا يتجلى هذا المشهد الجيوسياسي المعقد كلوحة سُكبت عليها ألوان القوة والنفوذ فوق واحدة من أشد مضايق العالم حرجاً وحساسية؛ حيث تتداخل صرخات الجغرافيا مع همس السياسة في صراع لا يستهدف الجزر والممرات كعقارات صامتة، بل يراها مفاتيح للهيمنة وبناء الأوراق. إن إعادة رسم خارطة البحر الأحمر وحصاد النفوذ على ضفافه يضع العالم بأكمله أمام حقيقة جليّة: إن الجغرافيا، حين تُمتلك ويُحسن استخدامها كأداة ضغط، تتجاوز حدود الجدران والحدود المحلية لتصبح صانعة للقرار الدولي ومُغيرة لقواعد اللعبة برمتها. غير أن الحكم الأبدي للتاريخ يظل يذكر الجميع بأن القوة الميدانية، مهما بلغت سطوتها واستحكاماتها البحرية، تبقى معرّضة للانكسار إن لم تُرعَ بحكمة تُراعي الاستقرار الشامل وتُدرك حدود القدرة على مناكفة التوازنات الدولية الممتدة. فالممرات المائية التي تمنح اليوم أوراق تفاوض رابحة، قد تُمسي غداً مسرحاً لاصطدامات أوسع لا يُبقي فيها المدى الحرج للضغط السياسي أي متسع للمناورة؛ فالسيطرة على الشرايين المائية قد تصنع قوة لحظية، لكن الحكمة والقوة معا وحدهما القادران على بناء السلام المستدام, وهما ما يضمنان بقاء الدول ونماء الشعوب وسط أمواج الصراعات العاتية.
|
|

|
|
|
|