من الواضح أن "نظرية الدفاع بالنظر" قد عادت ولكنها هذه المرة قد تطورت إلى نظرية "التحديق بالنظر" في الهواء للبحث عن الكيمياء. يبدو أن الصحافة الكيزانية اكتشفت أخيراً طريقة ثورية للتحقيق في الجرائم الكيميائية: احمل ميكروفوناً، تجوّل في الخرطوم، وانظر حولك جيداً. فإذا لم ترَ الكيماوي، فقد انتهت القضية! والكل براءة.
في مقطعين مختلفين، خرجت الصحفيتان جدية عثمان، وداليا الياس إلى قلب الخرطوم في مهمة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى البحث عن شخص مفقود. تمشي إحداهما، تتلفت الأخرى، وتدور الكاميرا، ثم تأتي الخلاصة التي ستغيّر مسار العلم إلى الأبد: "نحن في قلب الخرطوم، وما شفنا كيماوي"!! يا له من سبق صحفي عبقري "فات الكبار والقدرو"!
ربما كان ينبغي للكيماوي أن يراعي قواعد العمل الصحفي، فيظهر أمام الكاميرا، يلوّح للصحفية مهللاً مكبراً، ثم يمنحها تصريحا حصرياً: نعم، أنا هنا، وقد جئت خصيصاً لأفسد "الحوامة السياحية".
لكن المشكلة، مع كامل الاحترام للسيدتين/ جدية، وداليا ولمهمتهم المقدسة، أن الكيماوي ليس شخصاً يمكن البحث عنه في زحمة مولد أو في ناصية شارع أو في زقاق حي شعبي فاقد لملامح التخطيط. والميكروفون، مهما كان محترماً ومخلصاً لمهنته، ليس جهاز كشف غازات سامة، والكاميرا ليست مختبراً علمياً متنقلاً. بعض المواد الكيميائية لا تُرى بالعين أصلا، وبعضها لا رائحة له، وانتشار الغازات القاتلة وتركيزها يتأثر بعوامل بيئية عديدة. لذلك فإن عدم رؤية شيء في الهواء لا يثبت أن الهواء خال منه.
وإلا فلنذهب غداً إلى المستشفى ونعلن: "فتشنا عن الفيروس ولم نجده". ثم نصعد إلى السطح ونقول: "فتشنا عن الجاذبية ولم نرها". وربما ندخل محطة كهرباء، وبعد جولة قصيرة نعلن للشعب المستغفل: "لم نجد الإلكترونات"، ولذلك الكهرباء مجرد إشاعة.
المضحك أن السؤال "وينو الكيماوي"؟ يبدو امتداداً طبيعياً لذلك النوع من الأسئلة السياسية الذي يجعل وجود الأشياء مرتبطاً بقدرتنا على رؤيتها بالعين أو كما قال كاهنهم الأعظم "وينو الكيزان هسه في كيزان هنا". وكأن الحقيقة لا تصبح حقيقة إلا إذا وقفت أمام الكاميرا وقالت: أنا الحقيقة، وهذه بطاقتي الشخصية.
إذا كان هناك ادعاء باستخدام سلاح كيميائي، فالسؤال الصحفي الجاد ليس "وينو"؟، وإنما: أين العينات؟ أين التحاليل؟ أين التقارير الطبية؟ ما المادة؟ ومن فحصها؟ وهل يمكن التحقق من النتائج بصورة مستقلة؟ هذه هي الصحافة.
أما أن تمشي الصحفية الهوينا في الشارع، تحدق في الهواء، ثم تعود لتقول "ما لقينا"، فهذه ليست عملية استقصاء؛ هذه جولة تفتيش بالعين المجردة، وقد عادت العين منتصرة على الكيمياء!
والحقيقة أن المشهد يستحق جائزة في السخرية السوداء: صحفيتان تحملان ميكروفونين، تبحثان عن مادة غازية كما لو كانت حقيبة ضائعة في محطة مواصلات. وربما في الحلقة القادمة تحملان مغناطيساً للبحث عن الإشعاع! يا للمهازل!
يا سيداتي، لا أحد يطلب منكن أن تعثرن على "الكيماوي" عند موقف جاكسون أو شارع الجمهورية أو في غابة السنط. المطلوب أبسط وأصعب في الوقت نفسه: اتركن الكيمياء للعلم، واتركن الحكم للدليل.
فالميكروفون يسجل الكلام، والكاميرا تسجل الصورة، أما الحقيقة فلها أدوات أخرى.وليس استغباء الناس واحد منها. ولهذا، بدل السؤال: وينو الكيماوي كان الأجدر أن يكون السؤال: وينو الدليل؟ فإذا وُجد الدليل، لم تعد الصحفية بحاجة إلى أن ترى الكيماوي بعينيها.
وإذا لم يوجد، فلن تصنعه الكاميرا، مهما كانت عالية الدقة الكيماوي سيداتي الفضليات موجود ويسأل عنكن بشده، وكي ابسط لكُن المسألة إنه كـ "الرماد كن شالو ما بنشال وكن خلو سكن الدار" ألا أدلكن على مكان تجدن فيه الكيماوي بكثرة: في جبل مرة، وهذا قد تجدنه كيمياوياً كهلاً لأن عقد من الزمان قد مرّ على ولادته، قد تختفي بعض ملامحه ولكنه كيماوي الاصل والجذر.
أذهبن إلى مصفاة الجيلي، فهناك السيد الكيماوي موجود بكثرة. وبما أن الصحافة الاستقصائية مهنة مشاق "اخفسن" بالمرة إلى "مليط" التي حياها الشاعر محمد سعيد العباسي، وقال فيها "حياك مليط صوب العارض الغادي وجاد واديك ذا الجنات من واد"هناك يقيم الكيماوي إقامة دائمة فسلموا عليه بالأحضان واغروه حار تحياتي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة