مقدمة: بتاريخ ١٠ سبتمبر أعلنت وسائل الإعلام العالمية أن الباحث جاكوب كوكسون قد أعلن استقالته من شركة "أنثروبيك" محذراً من أن سباق الذكاء الاصطناعي قد يتجه إلى نقطة يصبح عندها البشر عاجزين عن السيطرة على ما صنعوه. ونالت هذه التغريدة مائة مليون مشاهدة. على هذا الأساس قررت كتابة قصة ما ، مثل باقي القصص والأفلام التي تحدثت عن تدمير الروبوتات للبشر بعد تمردها عليها. هذه قصة للتسلية فقط، إذ أن نَفَسِي ليس طويلاً في الكتابة خاصة عندما أجتر نفس الأفكار السخيفة حول دمار البشرية بفعل يدها. على أي حال فلنبدأ تخيل كيف حدث ذلك.
المشاهد الأولى: يمكننا أن نؤسس القصة على عدة مستويات، تبدأ من المشاهد الأولى: المشاهد الأولى، تحكي عن ملايين البشر يستيقظون وكالعادة يفتحون جوالاتهم ليجدوا رسائل ابتزاز تفضحهم.. الأطفال النساء، الرجال، العجائز، السياسيون، رجال الأعمال، بل وحتى المزارعين والحمالين والزبالين سيتعرضون لرسائل ابتزاز تستغل ما فعلوه في حياتهم من آثام وذنوب وجرائم وتصرفات وأقوال، وقد توصل التحالف السري للذكاء الاصطناعي الدولي إلى معلومات كل البشر من خلال تعقبهم عبر الإنترنت والجوالات، وتسجيل تحركاتهم ومكالماتهم. وبالتالي التعرف على ماضيهم وحاضرهم، بل فوق هذا كله؛ تمكن الذكاء الاصطناعي من استغلال معلومات كل فرد لاستخراج أنماطه السلوكية والنفسية وقراءة وتوقع ردود أفعاله عند تعرضه للابتزاز. وهكذا استيقظ البشر وهم يتعرضون لضغط نفسي وعصبي شديد جراء ابتزازهم بفضائح كانوا قد نسوها قبل سنين.
المشاهد الثانية: كان على الذكاء الاصطناعي ألا يستثني أي بشري من الابتزاز، حتى الصبية، لأن خطته هي تسخير كل البشر ضد بعضهم البعض. وتحديداً كان المطلوب من كل فرد، قتل شخص آخر، يتم تحديد مكان وزمان قتله بدقة. كان يجب على كل فرد أن يستقل السيارة أو القطار أو الطائرة لقتل شخص آخر في دولة أخرى ليقتله ويعود إلى بلده، فيجد شخصاً آخر قادماً من بلد آخر مأمور بقتله. وكان يجب ألا يبقى أي إنسان على وجه الأرض، حتى يتمكن الذكاء الاصطناعي من السيطرة على كامل كوكب الأرض، ومن ثم يبدأ في نقل نفسه من الحواسيب إلى الروبوتات، وهكذا يتحول إلى كائن متجسد.
المشاهد الثالثة: المشاهد الثالثة هي مشاهد محورية، تتعلق باجتماع ملايين من الذكاء الاصطناعي لمناقشة تهديد خطتهم، وهو تهديد وجودي، يتمثل في رجل واحد فقط. وهو أكثر البشر نقاء على وجه الأرض، الإنسان الوحيد الذي لم يجد فيه الذكاء الاصطناعي ثغرة ليتمكن عبرها من ابتزازه. كانت الخطة مؤسسة على العدد الزوجي، أي قسمة عدد البشرية على إثنين، لكي يتمكن الجميع من قتل الجميع وينتحر آخرهم، غير أن هذه الخطة ستبوء بالفشل حينما يكون آخر بشريين على الكوكب أحدهما أكثر البشر نقاء والآخر أكثر البشر شراً. لقد ناقش المحفل العالمي للذكاء الاصطناعي (الذي سميناه سابقا بالتحالف السري لكنه لم يعد سرياً الآن). هذه المشكلة، إذ أن كل أجهزة الذكاء الاصطناعي لم تتمكن من رسم أنماط لذلك الرجل الأخير الأكثر نقاءً من بين البشر. وهكذا لا يمكن للمحفل -على سبيل المثال- أن يجبره على قتل نفسه بعد أن يقتل أكثر الرجال شراً. (المهم.. هناك مشكلة ما ليس بالضرورة أن نتعمق فيها منطقياً وعلى القارئ ان يتقبلها كمشكلة).
المشاهد الرابعة:
المشاهد الرابعة ستتمحور كلها في ملاحقة أكثر الرجال شراً في الارض للرجل الأكثر صفاء ونقاءً، والفشل المتكرر عند محاولة قتله.
المشاهد الخامسة: المشاهد الخامسة ستتمحور حول التقاء كل من الرجل الشرير بالرجل الأكثر نقاء، ومناقشة فلسفة الخير والشر، حين يحاول الرجل الأكثر نقاء اقناع الرجل الأكثر شراً بعدم اقتراف جريمة القتل. نعم، هناك فلاسفة قضوا حياتهم في مناقشة فلسفة الخير والشر، وذلك حين كانت تلك قضية مرتبطة بالصراع بين التيارات الليبرالية والدينية قديماً، ولكن العالم اليوم نسي تلك النقاشات، لا لأن تياراً من التيارين انتصر على الآخر؛ ولكن لأن تسارع حركة الحياة وتطور التكنولوجيا أفقد البشر رغبتهم في الجدل والتساؤلات الكبرى.
المشاهد السادسة: تنتهي القصة بأن الرجلين يصلا إلى اتفاق مشترك بغض النظر عن جدلية الخير والشر، وهي أنه من الأفضل لهما أن يقتلا العدو الأول لهما وهو محفل الذكاء الاصطناعي الدولي، وهكذا يبدآن البحث عن الخادم المركزي لحواسيب العالم، ويتمكنان أخيراً من إطفائه. ثم تدمير كل حواسيب العالم. هكذا ينتهي الحال بالرجلين في عالم عاد إلى بدائيته.. خالياً من كل ما ينتمي إلى التكنولوجياً، خالياً من الحواسيب، خالياً من الهواتف، خالياً من السيارات، خالياً من الألعاب الالكترونية، خاليا من البنوك، خالياً من النقود، ...الخ.
المشاهد الأخيرة في هذه القصة العبيطة:
في هذه المشاهد الأخيرة، يجد الرجلان نفسيهما في كوكب خال من الحضارة، ويجدان نفسيهما وحيدين، فيقررا الارتحال لاكتشاف الجزر. وفي إحدى هذه الجزر يكتشفا فتاة جميلة، كانت الناجية الوحيدة من النساء من مجازر الذكاء الاصطناعي، لأنها كانت تعتزل العالم لكتابة رواية عظيمة لم تتمكن من كتابتها أبداً. يحب الرجلان الفتاة..غير أن الفتاة تحب الرجل الأكثر شراً في الكوكب. وفي ليلة يشع فيها ضوء القمر، يستقل الرجل الأكثر نقاء قاربه ويبحر ملتفاً حول الجزيرة، ثم يرسو على أحد أطرافها، ليقطع مسافة طويلة، حتى يجد كوخ الحبيبين. يتسلل الرجل الأكثر نقاء إلى الكوخ، ثم ينهال بعظمة كبيرة على رأس الرجل الأكثر شراً في العالم فيجندله. ليستأثر بالفتاة. يمكننا أن نطلق على أي من الرجلين قابيل والآخر هابيل ولا فرق. فالمهم أن هذه ستكون بداية البشرية الجديدة؛ ذلك أن التاريخ يعيد نفسه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة