المجرى الواحد يحتاج جدارًا لا مجرد روافد قراءة استكمالية في نظرية الروافد عند زكريا آدم علي بقلم: د. علي عبدالله الخليفة طه
أولًا: في أهمية ما طرحه الأستاذ زكريا آدم علي
يقدّم الأستاذ زكريا آدم علي في مقاله «نظرية الروافد في تكوين الهوية السودانية» محطة ناضجة في رحلة فكرية طويلة، بدأها منذ عام 2013 وتدرّجت عبر «السودانوية» في 2024 وصولًا إلى هذا الطرح. وتكمن قيمة هذه المحطة في أنها تنجز نقلة منهجية حقيقية: من سؤال الأصل (من جاء أولًا؟) إلى سؤال التكوين (كيف تشكّلنا؟). هذه النقلة ليست تفصيلًا لغويًا، بل تحرير كامل للنقاش السوداني من فخ الأسبقية الذي أنهك الهوية الوطنية عقودًا، وأنتج بدلًا منه عن حق صورة السودان بوصفه مجرى تفاعلت فيه روافد متعددة دون أن يملك أحدها المجرى بمفرده. كما أن خلاصته الختامية ، (الرافد يساهم في صناعة المجرى، لكنه لا يملكه؛ والمجرى يجمع الروافد، لكنه لا يلغيها) ، تلتقي بعمق مع أحد المفاهيم المركزية التي يقوم عليها ميثاق النجاة وبناء الدولة، وهو مفهوم الافتقار: أن لا مكوّن من مكوّنات الدولة مكتفٍ بذاته أو مستغنٍ عن غيره، وأن الوجود المشترك قائم على تداخل وجودي متبادل لا على هيمنة أحادية. وحين يصوغ الأستاذ زكريا هذه الفكرة بلغة ثقافية-تاريخية، فإنه يقدّم لنا الأساس الحضاري الذي تحتاجه أي بنية مؤسسية لاحقة كي لا تبدو مفروضة من خارج الوجدان السوداني.
ثانيًا: الفجوة بين الوصف الثقافي والضمانة المؤسسية
غير أن نظرية الروافد، بقدر ما هي محكمة في تفسير كيف تشكّلت الهوية، تبقى صامتة عن سؤال لا يقل إلحاحًا: من يضمن أن رافدًا واحدًا، إذا تمكّن من مقاليد الدولة، لن يعيد تعريف (المجرى) على صورته الخاصة، ويحوّل التنوع الثقافي إلى احتكار سياسي؟ هذا بالضبط هو السؤال الذي تنشأ الدولة الحديثة لتجيب عليه، ولا يكفي فيه حسن الوعي الثقافي وحده. الجدار المؤسسي هو الآلية التي يقترحها الميثاق لسد هذه الفجوة تحديدًا: فصل صريح بين الثقل الثقافي أو الديموغرافي لأي مكوّن وبين قدرته على احتكار أدوات السلطة والموارد. بعبارة أخرى، إن كانت الروافد تتساوى في المساهمة التاريخية كما يصف الأستاذ زكريا بحق، فإن الجدار المؤسسي هو الترجمة التنفيذية لهذا التساوي؛ إذ يمنع تحويل أي غلبة عددية أو ثقافية إلى غلبة مؤسسية دائمة.
ثالثًا: من التصالح الرمزي إلى التعويض الفعلي
شعار(الجمع دون الإلغاء) جميل ومطلوب، لكنه يظل بلاغة معلّقة ما لم تسانده آلية تحوّله إلى واقع قابل للتحقق بين الروافد التي أصابها التهميش أو الإقصاء التاريخي الفعلي. فبعض الروافد ، كما يعلم القارئ السوداني جيدًا ، لم تدخل (المجرى) بشروط متكافئة، بل عبر تاريخ من التمييز في الموارد والتمثيل والاعتراف. العدالة الانتقالية الثلاثية (مجالس مصالحة محلية، ثم لجنة حقيقة وتعويض، ثم دائرة للجرائم الكبرى دون عفو) هي الآلية التي يقترحها الميثاق لتحويل الإقرار الثقافي بتعدد الروافد إلى مسار عملي يعالج ندوب التاريخ قبل أن تُطلب من الجميع المشاركة في (المجرى) على قدم المساواة. فبلا هذا المسار، يبقى الخطاب عن (الروافد المتساوية) صحيحًا من الناحية الوصفية، لكنه غير منصف من الناحية التاريخية.
رابعًا: أين تلتقي الروافد؟ سؤال الموارد الغائب
يركّز مقال الأستاذ زكريا، بحكم موضوعه، على البعد الثقافي والتاريخي للتفاعل بين الروافد: التصاهر والتجارة والهجرة والتبادل الاجتماعي. وهذا تحليل دقيق فيما يخصه. لكن تفاعل الروافد في الواقع السوداني المعاصر لا يجري في فراغ ثقافي محض، بل عبر بوابات فعلية للموارد والفرص والسلطة: من يحصل على التعليم، ومن يصل إلى الخدمة المدنية، ومن تُوجَّه إليه استثمارات الدولة، ومن يُقصى من هذه البوابات جميعًا. اقتصاد البوابات هو المفهوم الذي يرصد هذا البعد الغائب عن التحليل الثقافي: فحين تتحكم شبكة ضيقة، مهما كان انتماؤها الرافدي، في بوابات الموارد والفرص، فإن التنوع الرافداوي الجميل على مستوى الهوية يتحول عمليًا إلى احتكار ضيق على مستوى العيش والمواطنة. ومعالجة هذا الاحتكار شرط ضروري كي تتحول نظرية الروافد من إطار تفسيري إلى واقع معيش يشعر فيه كل رافد بأنه شريك فعلي لا شريك رمزي.
خامسًا: من النظرية إلى الهيكل التنفيذي
الخطوة الأخيرة والأهم هي الانتقال من ( نظرية عن الهوية) إلى ( هيكل يجسّدها على الأرض) . فكرة الروافد تحتاج جسدًا تنفيذيًا يعبّر عنها يوميًا في الخدمات والإدارة والتعبئة الوطنية، لا أن تبقى إطارًا فكريًا رفيعًا معزولًا عن الممارسة. النفير الوطني الكبير هو الطبقة التنفيذية-المدنية التي يقترحها الميثاق لهذا الغرض تحديدًا: بنية عمل جماعي مفصولة بجدار مؤسسي عن طبقة السياسة والتنافس الحزبي، تُعبِّئ كل الروافد معًا في مهام إعادة البناء والخدمة العامة، فتتحول فكرة ( مجرى واحد لا يُلغي روافده) من عبارة تفسيرية أنيقة إلى ممارسة يومية ملموسة يراها المواطن في مدرسته ومستشفاه وطريقه.
خاتمة: تكامل لا تناقض
لا تناقض إذن بين نظرية الروافد وميثاق النجاة وبناء الدولة، بل تكامل طبيعي بين مستويين ضروريين لأي مشروع نهضة: مستوى الفهم الثقافي العميق لكيف تشكّلنا، وهو ما يقدمه الأستاذ زكريا آدم علي بجهد يستحق التقدير والمتابعة، ومستوى الترجمة المؤسسية لهذا الفهم إلى ضمانات وآليات تحول الجميل الثقافي إلى عدل سياسي دائم. فالروافد وحدها، مهما بلغ جمال تفاعلها التاريخي، لا تكفي لحماية (المجرى) من أن يستأثر به رافد واحد ما لم يُسنَد هذا الفهم الثقافي بجدار مؤسسي يحمي التنوع، وعدالة انتقالية تجبر الضرر، واقتصاد بوابات مفتوح يوزّع الفرص، ونفير وطني يترجم كل ذلك إلى عمل يومي. وحين تجتمع هذه المستويات، تصبح عبارة الأستاذ زكريا الجميلة، الرافد يساهم في صناعة المجرى لكنه لا يملكه، ليست فقط توصيفًا تاريخيًا صادقًا، بل ضمانة مؤسسية معاشة لكل الأجيال القادمة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة