إذا أردنا أن نفهم حقيقة ما يجري، فلا بد أن نقرن بين عنوان «الحوار» وحقيقة «السلاح الكيماوي»؛ فهما وجهان لعملة واحدة، لا يمكن فصلهما ولا تجاهل أي منهما. فالذين يطرحون شعارات الحوار هم أنفسهم الذين أشعلوا هذه الحرب واستخدموا فيها أبشع أنواع الأسلحة.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: إلى متى نظل نُفصل بين الخطاب والممارسة؟ بين من يُسمّي نفسه «طرفاً للحوار» وبين يديه سلاح كيماوي استُخدم ضد الشعب؟ ألا يكفي ما ضاع من السودان من وقت ومال وأرواح، بينما تُقلب الحقائق ويُستبدل العدوان بـ «حوار»؟ متى يستفيق الضمير الوطني؟ هذه ليست مجرد أسئلة بلاغية، بل هي نداء لمراجعة مسار طويل ظللنا فيه نُفصل بين الأقوال والأفعال. الشعوب لا تتقدم بالشعارات المنفصلة عن الواقع، وهذه حقيقة لا تحتاج لمن يؤكدها. التقدم يبدأ حين نرى من يدعونا للحوار ونعرف ماذا فعل بالسلاح المحرم.
وهنا يبرز التناقض الصارخ الذي لا يمكن تجاوزه: هل من أشعل الحرب وغامر باستخدام السلاح الكيماوي ضد شعبه، يمكن أن يُصدّق بأنه يسعى لحوار وطني؟ أليس من أبسط شروط الحوار أن يتوقف العدوان، وأن يُعترف بالجريمة، قبل أن يُطلب من الناس الجلوس معاً؟
إن الحوار الذي يُقام في ظل استمرار القصف واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً ليس حواراً، بل هو محاولة لفرض واقع بالقوة، ثم تجميله بلغة السياسة. فكيف نتحاور ورائحة الغاز الكيماوي لا تزال عالقة في البيئة والمياه والأرض؟ وكيف نتفاوض والجرحى والمصابون بهذا السلاح محرومون حتى من العلاج والتوثيق؟
وقد بلغت الأمور ذروة المفارقات حين سُمّيت حرب الخيانة «حرب كرامة»! فأي كرامة تُبنى على استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين؟ وأي كرامة تُقام فوق ركام قرى ومدن تعرض أهلها لهذا النوع من الجرائم؟
والأدهى والأمرّ: أن جريمة السلاح الكيماوي لم تُقدم عليها حتى الدول في حروبها الخارجية! فكيف يُرتكب بحق أبناء الوطن الواحد؟ مجرم الحرب برهان ومن خلفه الكيزان القتلة الأشرار، من أجل البقاء في السلطة، لا يتورعون عن أي شيء. هؤلاء يقتلون القتيل ويمشون في جنازته، والشاهد على ذلك هذه الحرب التي أشعلوها واستخدموا فيها حتى السلاح الكيماوي. وفوق كل ذلك أطلقوا كذبة سموها «لجنة الحوار الوطني».. أي وقاحة هذه؟ وأي استهتار بعقول الناس؟ لقد قُلبت المفاهيم تماماً: فالعدوان صار «دفاعاً»، والجريمة بالسلاح الكيماوي يتم تجاهلها بل هناك نية وتوجه الى نكرانها ... والحرب على الثورة تُغلف بأنها «حرب ضد مليشيا»، ومن يعارض الحرب يعتبر إنه مجرم!
والآن يُراد لنا أن نصدّق أن لجنة تُدار من نفس منصات القصف والقتل يمكن أن تقود البلاد إلى سلام!
لذلك ليس غريباً على من شبّ على الأكاذيب أن يشيب عليها. فالذي تربّى في بيئة تُقلب فيها الحقائق، لا يتوقع منه فجأة أن يُصبح صادقاً ما لم يحدث تحول جذري في الوعي وفي موازين القوى.
وهنا يكمن التحدي الأكبر: نحن كشعب لا بد أن نربط دائماً بين «من يتكلم» و«ماذا فعل». فالكذبة لا تستمر إلا إذا وجدت من يفصل بين القول والفعل. ولعل أخطر أشكال الخداع هو خداع الذات — حين نعرف أن هؤلاء استخدموا السلاح الكيماوي، لكننا نفضّل أن نتجاهل ذلك ونناقش فقط شعاراتهم الجديدة. السودان ليس في حاجة إلى لجنة حوار تُغطي جريمة. السودان محتاج إلى الصدق مع الذات — أن نقول بوضوح: لا حوار فوق الجراح، ولا سلام يُبدأ بإنكار الجرائم. نحتاج أن نرى بوضوح الخلل ونقاط الضعف التي أوصلتنا إلى هذا الدرك السحيق: استخدام السلاح المحرم، وتجاهل معاناة المواطن، وتوظيف السياسة لتبرير العدوان بدلاً من معالجته. الحوار الحقيقي يسبقه وقف للحرب، وكشف حقيقة استخدام السلاح الكيماوي، وتقديم المسؤولين عنه للمحاسبة، وبدء مسار للعدالة يضمن عدم تكرار ذلك. أي حوار يبدأ بتجاهل هذه الحقائق هو مجرد مسرحية جديدة ستضاف إلى سجل مسرحياتنا الطويل. فهل نستمر في تكرار المشهد نفسه، ونصدّق أن من حمل السلاح الكيماوي يمكن أن يصنع السلام؟ أم نستفيق أخيراً ونقول: كفى خداعاً .. كفى نفاقاً .. كفى أكاذيب. لا حوار مع من يُحرقك ثم يقول لك تعال نتحاور! الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر تزوير الحقائق، ولا بالوقوف مع الظالم، ولا بفصل القول عن الفعل. الطريق نحو المستقبل يمر عبر الصدق: الصدق مع الذات، والصدق مع الشعب، والصدق مع التاريخ. وقول الحقيقة المُرة: إن من استخدم السلاح الكيماوي لا يمكن أن يكون طرفاً لسلام، بل هو طرف في جريمة تحتاج أولاً إلى محاسبة قبل أي حوار.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة