مِنْ حِرَاسَةِ البَوَّابَةِ إِلَى إِدَارَةِ الحِوَار قَاسِمُ بَدْرِي وَمَأْزِقُ التَّكْوِينِ الأُحَادِيِّ لَيْسَ السُّؤَالُ هُنَا عَنْ كَفَاءَةِ قَاسِمِ بَدْرِي الأَكَادِيمِيَّةِ، وَلَا عَنْ دَوْرِ «الأَحْفَادِ» التَّارِيخِيِّ فِي تَعْلِيمِ المَرْأَةِ السُّودَانِيَّةِ؛ وَإِنَّمَا عَنْ مَدَى مُلَاءَمَةِ تَكْوِينِهِ التَّرْبَوِيِّ وَالمُؤَسَّسِيِّ لِمَهَمَّةِ إِدَارَةِ حِوَارٍ وَطَنِيٍّ فِي بَلَدٍ مُتَعَدِّدٍ كَالسُّودَانِ. فَالسِّيْرَةُ تَكْشِفُ مَسَاراً مُتَمَاسِكاً: تَعْلِيمٌ فِي مُؤَسَّسَةِ الأُسْرَةِ، ثُمَّ جَامِعَةٌ خَاصَّةٌ، ثُمَّ العَوْدَةُ إِلَى مُؤَسَّسَةِ الأُسْرَةِ نَفْسِهَا، وَالاسْتِمْرَارُ فِيهَا حَتَّى القِيَادَةِ. وَقَدْ عَمِلَ بَدْرِي فِي الأَحْفَادِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ دِرَاسَاتِهِ العُلْيَا، ثُمَّ أَصْبَحَ رَئِيساً لِلْجَامِعَةِ. هَذَا لَيْسَ عَيْباً فِي ذَاتِهِ؛ وَلَكِنَّهُ يَطْرَحُ سُؤَالاً تَرْبَوِيّاً مُهِمّاً: هَلْ يَكْفِي التَّعَرُّفُ عَلَى التَّعَدُّدِ فِكْرِيّاً وَأَكَادِيمِيّاً لِإِدَارَةِ التَّعَدُّدِ سِيَاسِيّاً وَاجْتِمَاعِيّاً؟ ١. «لا سِيَاسَةَ» فِي الأَحْفَاد تُقَدِّمُ تَغْطِيَةٌ لِـ«لُوسْ أَنْجِلِسْ تَايْمْز» سَنَةَ ١٩٩٦ صُورَةً وَاضِحَةً عَنْ نَمَطِ العَمَلِ فِي الأَحْفَادِ؛ فَقَدْ وَصَفَتِ الجَامِعَةَ بِأَنَّهَا تَتَّبِعُ شِعَارَ «لا سِيَاسَة»، وَنَقَلَتْ عَنْ طَالِبَةٍ أَنَّهُ لَا تُقَامُ اجْتِمَاعَاتٌ سِيَاسِيَّةٌ فِي الجَامِعَةِ. والمفارقة أن الصحيفة نفسها نقلت عن قاسم بدري أن الأَحْفَادَ تُرِيدُ تَخْرِيجَ نِسَاءٍ «عَوَامِلَ تَغْيِير»، وأن المنهج يتضمن جانباً عملياً وخدمةً للمجتمع والريف. إذن نحن أمام تمييز مهم: التغيير الاجتماعي مقبول؛ لكن الصراع السياسي المنظم داخل المؤسسة شيء آخر. وهذا التمييز قد يكون مشروعاً إدارياً في جامعة، لكنه يصبح موضع مساءلة عندما ينتقل صاحب هذا النموذج من إدارة مؤسسة تعليمية إلى إدارة حوار وطني. ٢. واقعة يناير ٢٠١٨: الاختبار العملي الأهم من كل التحليل النظري واقعة يناير ٢٠١٨. خرجت طالبات الأحفاد للاحتجاج على الغلاء، وأردن الخروج من الجامعة للمشاركة في المظاهرات. وأقر قاسم بدري بأنه أمر بإغلاق البوابات ومنع الطالبات من الخروج، كما أقر بانفعاله وضرب إحدى الطالبات. وفسّر ذلك بأنه كان مسؤولاً عن سلامتهن، وأن الشرطة كانت خارج الجامعة. وفي رواية لاحقة له، قال إن طالبات الأحفاد شاركن في حراك ديسمبر، لكنه كان يمنعهن من الخروج خشية الشرطة والدعم السريع، مشيراً إلى تعرض الجامعة للغاز المسيل للدموع في أحداث سابقة. إذن الواقعة لا تسمح لنا بالقول إن الرجل «ضد الشعب» أو «ضد الديمقراطية»؛ فهذا حكم يتجاوز الدليل. لكنها تسمح بسؤال أدق: عندما يتعارض حق الطالبات في الاحتجاج مع تقدير الإدارة لمصلحتهن وسلامتهن، أيُّ المبدأين ينتصر؟ في واقعة ٢٠١٨ انتصر منطق الحماية والوصاية على حق الاختيار السياسي. وهنا تبدأ أهمية الواقعة بالنسبة إلى رئاسة الحوار الوطني. ٣. مِنْ «أَنَا أَحْمِيهِنَّ» إِلَى «أَنَا أَدِيرُ الحِوَار» قد تكون نية الحماية صادقة. لكن علم الاجتماع السياسي لا يكتفي بالنوايا؛ بل يسأل عن بنية العلاقة بين صاحب القرار ومن يتخذ القرار نيابةً عنهم. فحين يقول المدير: «أنا أمنعكم لأنني أحميكم»، فهو يتخذ القرار عن الآخرين. أما الديمقراطية فتقوم على قاعدة مختلفة: أن يكون للآخر حق اختيار المخاطرة، وحق الاعتراض على تقدير السلطة لمصلحته، ما دام يمارس حقاً مشروعاً وسلمياً. وهذه ليست مسألة تخص الأحفاد وحدها. إنها جوهر سؤال الحوار السوداني. هل سيُنظر إلى القوى السياسية والمدنية بوصفها أطرافاً راشدة متساوية، أم بوصفها جماعات تحتاج إلى من «يحميها» من خياراتها؟ ٤. الخطر التربوي: من المؤسسة المتجانسة إلى المجتمع المتعدد التربية داخل مؤسسة ذات قواعد واضحة، وهوية محددة، وسلطة إدارية مركزية، تختلف عن التربية السياسية داخل مجتمع متعدد. فالجامعة تستطيع أن تقول: هذه بوابتنا، وهذه لوائحنا، وهذا ما نسمح به داخل الحرم. أما الوطن فلا بوابة واحدة له، ولا مديراً واحداً، ولا جماعة تملك وحدها تعريف المصلحة العامة. السودان ليس «الأحفاد». في السودان: جيشٌ ومدنيون، فلول وانتهازيون، أحزابٌ وحركاتٌ مسلحة، شبابٌ وشيوخ، نساءٌ ورجال، مركزٌ وأقاليم، لاجئون ونازحون، ضحايا ومتهمون، وملايين المواطنين الذين لا ينتمون إلى أيٍّ من هذه الأطر. الحوار الوطني الحقيقي لا يحتاج إلى شخص يعرف كيف يُدير المتشابهين؛ بل إلى شخص يستطيع أن يُبقي المختلفين داخل الغرفة دون أن يطلب منهم أن يصبحوا متشابهين. ٥. التناقض الذي ينبغي ألا نتجاهله لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن تكوين قاسم بدري ليس أحادي المصدر تماماً. فقد درس في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم واصل دراساته العليا في الخارج، وتحدث بنفسه عن تأثره بقيم التسامح وحرية الفكر والديمقراطية التي وجدها في الجامعة الأميركية في بيروت. إذن لا يصح اختزاله في صورة «الرجل الذي لم يرَ العالم». الأدق هو القول: إن تكوينه جمع بين انفتاح أكاديمي وفكري واسع، وبين ممارسة إدارية طويلة داخل مؤسسة ذات هوية مؤسسية قوية، شهدت تاريخياً حدوداً واضحة للنشاط السياسي. وهذه الازدواجية هي التي تستحق الفحص. ٦. من «الحماية» إلى الوصاية المشكلة ليست في حماية الطلاب من العنف. بل في السؤال: متى تتحول الحماية إلى وصاية؟ الحماية تقول:
«اخرجوا إن شئتم، وسأوفر لكم المعلومات والضمانات الممكنة، وأحمي حقكم.»
أما الوصاية فتقول:
«أنا أعرف مصلحتكم، ولذلك سأقرر بدلاً منكم.»
وفي يناير ٢٠١٨، بحسب اعتراف بدري نفسه، جرى منع الطالبات من الخروج وإغلاق البوابات بدعوى حمايتهن. وهذه السابقة تستحق أن تُطرح أمام اللجنة الحالية لا بوصفها إدانة أخلاقية نهائية، وإنما بوصفها سؤالاً عن فلسفة إدارة الاختلاف. ٧. الامتحان الحقيقي لرئاسة الحوار لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل قاسم بدري رجل متسامح؟ ولا: هل هو ديمقراطي أم غير ديمقراطي؟ فهذه أحكام نفسية وسياسية واسعة لا تثبتها واقعة واحدة. السؤال الأدق هو: هل يستطيع أن يمارس في الحوار الوطني عكس ما فعله في تلك اللحظة الجامعية؟ أي: أن يقبل اختلافاً لا يستطيع ضبطه. أن يحمي حق المختلف، لا أن يحميه من نفسه. أن يسمح لمن يرفضون السلطة القائمة بأن يتحدثوا. أن يقبل مخرجات لا توافق رؤية السلطة. وأن يجعل اللجنة مستقلة حتى لو أدى استقلالها إلى إدانة الجهة التي سمحت بتكوينها. فإذا استطاع ذلك، فإن تجربة ٢٠١٨ تصبح حادثةً محدودةً في مسار أطول، ولا تمنع نجاحه. أما إذا أصبح الحوار قائماً على: تحديد المشاركين، وضبط سقف الاختلاف، وتعريف «المصلحة الوطنية» مسبقاً، ومنع ما تعتبره السلطة خطراً على الاستقرار، فإننا لا نكون أمام حوار. بل أمام إدارة للاختلاف من أعلى. الخلاصة إن أخطر ما ينبغي فحصه في تجربة قاسم بدري ليس كونه ابن «الأحفاد»، ولا كونه رئيس جامعة للبنات، ولا كونه تلقى تعليماً خاصاً. إنما هو النمط المؤسسي الذي مارس من خلاله السلطة: مؤسسةٌ لها حدود، طالباتٌ تحت مسؤولية الإدارة، إدارةٌ تحدد ما هو خطر، وقرارٌ يمكن أن يُتخذ باسم الحماية. وهنا تكمن المفارقة التاريخية: الرجل الذي وقف ذات يوم عند بوابة الجامعة ليمنع طالباتٍ من الخروج إلى الشارع، يُطلب منه اليوم أن يقف عند بوابة الوطن ليفتح المجال أمام المختلفين جميعاً للدخول إلى الحوار. ليس المطلوب أن نحكم عليه مسبقاً. بل المطلوب أن نطالبه بإثبات أن بوابة الحوار لن تكون مثل بوابة الأحفاد. فالسودان لا يحتاج إلى «أبٍ» جديد يحمي أبناءه من السياسة؛ السودان يحتاج إلى مُيسِّرٍ يعترف بأن المواطنين بالغون، وأن من حقهم أن يختلفوا، وأن يخطئوا، وأن يحتجوا، وأن يرفضوا، وأن يختاروا مستقبلهم بأنفسهم. وهنا تحديداً تُختبر أهلية قاسم بدري لإدارة الحوار: هل سيدير الحوار بعقلية حارس البوابة، أم بعقلية حارس حق الجميع في عبور البوابة؟ #الاحادية النفسية واثرها فى استدامة الديكتاتورية #الاعتذار _عن رئاسة لجنة برهان فضيلة المراجع ١. لوس أنجلِس تايمز، ١٨ أغسطس ١٩٩٦: تقرير عن جامعة الأحفاد يصف سياستها المؤسسية بأنها «لا سياسة»، مع عرض فلسفة قاسم بدري التعليمية. ٢. الراكوبة، ١٣ يناير ٢٠١٨: تغطية اعتذار قاسم بدري عن ضرب الطالبات، ونقله تفسيره بأنه فعل ذلك لحمايتهن من المخاطر خارج أسوار الجامعة. ٣. سودانايل، ١٢ يناير ٢٠١٨: تصريح منسوب إلى قاسم بدري يقر فيه بإغلاق بوابات الجامعة ومنع الطالبات من الخروج والتظاهر، ويشرح دوافعه. ٤. الراكوبة، مقابلة لاحقة مع قاسم بدري: تتضمن روايته التفصيلية لأحداث يناير ٢٠١٨، وقوله إنه منع الطالبات من الخروج خوفاً عليهن من الشرطة والدعم السريع. ٥. أرشيف خريجات الأحفاد: يعرض رواية مدافعة عن موقف بدري، ويؤكد في الوقت نفسه واقعة احتجاج الطالبات ومنعهن من الخروج، بما يفيد في مقارنة الروايات المتعارضة حول الواقعة. الملحق الأول: الواقعة محل التحليل يناير ٢٠١٨: احتجاج طالبات الأحفاد على ارتفاع الأسعار، ورغبتهن في الخروج للمشاركة في الاحتجاجات. تدخل قاسم بدري، وأُغلقت بوابات الجامعة، ووقعت مشادة انتهت بضرب إحدى الطالبات. أقر بدري بالواقعة وقدم تفسيراً يقوم على حماية الطالبات من الشرطة والمخاطر المحتملة. الملحق الثاني: قاعدة التحليل لا يستنتج هذا المقال من الواقعة أن قاسم بدري «شخصية استبدادية»؛ فهذا تشخيص نفسي وسياسي لا تكفي له المصادر المتاحة. الاستنتاج الأكثر تحفظاً هو: وجود سابقة موثقة اتخذ فيها قرارٌ أبويٌّ/حمائيٌّ نيابةً عن طالباتٍ أرَدنَ ممارسة فعل احتجاجي، وهي سابقة تستحق أن تدخل في تقييم فلسفته المحتملة لإدارة الاختلاف عندما يُطلب منه إدارة حوار وطني. وهذا الفرق بين الواقعة والاستنتاج ضروري حتى يبقى النقد قوياً وقابلاً للدفاع عنه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة