في افتراض حوار البرهان طريقاً لتنظيم أطراف التفاوض! كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 09-13-2026, 03:47 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-05-2026, 00:12 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 322

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
في افتراض حوار البرهان طريقاً لتنظيم أطراف التفاوض! كتبه خالد كودي

    00:12 AM September, 04 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    في افتراض حوار البرهان طريقاً لتنظيم أطراف التفاوض!

    3/9/2026 خالد كودي، بوسطن

    من تعدد الأصوات إلى تكوين أطراف سياسية ناضجة قابلة للتفاوض:
    قد يبدو، للوهلة الأولى، أن الحوار الذي دعا إليه الفريق عبد الفتاح البرهان يزيد المشهد السوداني تعقيداً، بإضافة منصة سياسية جديدة إلى حرب تعاني أصلاً من تعدد المبادرات والأطراف. غير أن قراءته من منظور نظرية التفاوض وتصميم عمليات السلام تتيح فرضية مختلفة: فمن غير الواقعي ولا الموضوعي افتراض أنه بإمكان هذا الحوار ان ينتج حل للأزمة السودانية. الأرجح أن أهميته قد تكون في إعادة تنظيم المعسكر السياسي والعسكري المرتبط بالجيش، وتجميع مكوناته المتفرقة، وصياغة حد أدنى من المواقف المشتركة بينها، بما يحوله تدريجياً إلى كتلة أكثر وضوحاً وتماسكاً وقابلية للتمثيل في عملية تفاوضية موضوعية لابد منها طال الزمن ام قصر!
    وهذه وظيفة مهمة في النزاعات المركبة. فالتفاوض يصبح شديد الصعوبة عندما لا يكون واضحاً من يمثل من، ومن يستطيع الالتزام باسم أي قوة او مشروع، ومن يملك سلطة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. لذلك فإن إحدى المشكلات السابقة على أي تفاوض ليست دائماً الخلاف بين الخصوم، وإنما التشظي داخل كل معسكر على حدة.
    وهنا يمكن قراءة حوار البرهان، من حيث وظيفته السياسية المحتملة، باعتباره محاولة لتجميع معسكر الجيش والقوى المرتبطة بالسودان القديم حول مشروع بعينه، وفي الوقت نفسه إنتاج غطاء سياسي ومدني يمنح البرهان شرعية يسعى إلى تسويقها داخلياً وخارجياً. غير أن حدود هذه المحاولة واضحة؛ فمهما اتسعت دائرة المشاركين، لا يستطيع حوار يدور داخل معسكر واحد أن يحوّل البرهان إلى ممثل للسودان أو يمنحه تفويضاً وطنياً. وحتى إذا نجح في التوصل إلى صفقة مع الإسلاميين أو غيرهم من حلفائه تُبقيه وتُبقي القوى المؤيدة له في السلطة، فإنها تظل تسوية داخل معسكره فقط، لا حلاً للصراع ولا عقداً سياسياً ملزماً لبقية أطرافه. ومن ثم قد ينجح الحوار في تنظيم هذا المعسكر، لكنه لا يستطيع، بمجرد ذلك، أن يصنع الشرعية التي يحتاجها لحكم السودان.

    أولاً: الحوار ليس هو التفاوض
    من الضروري ابتداءً الفصل بين وظيفتين مختلفتين
    Sustained Dialogue الحوار، كما طور مفهومه هارولد سوندرز في نظرية الحوار المستدام
    يعمل أساساً على العلاقات والتصورات والمخاوف المتبادلة، ويساعد المشاركين بمرور الوقت على تكوين معرفة مشتركة وتحويل علاقاتهم بما يسمح بالانتقال من الانقسام إلى العمل المشترك.
    أما التفاوض، وفق الأدبيات الكلاسيكية لروجر فيشر ووليام يوري وبروس باتون، فهو عملية أكثر تحديداً: هناك مشاريع، وأطراف، ومصالح، وقضايا متنازع عليها، وبدائل، ومقايضات، وفي النهاية اتفاقات والتزامات يفترض أن تكون الأطراف قادرة على تنفيذها.
    لهذا فإن ليس كل من يجب أن يشارك في الحوار يجب أن يجلس بالضرورة إلى طاولة التفاوض، وليس كل حوار مطلوباً منه أن ينتج اتفاق سلام.
    وهذا التمييز مهم جداً لفهم ما يمكن أن يفعله حوار البرهان أيا كانت الادعاءات او الأوهام او الاحلام.

    ثانياً: مشكلة السودان ليست كثرة الأطراف فقط، بل سيولة الأطراف
    الحرب السودانية لا تدور بين مشروعين سياسيين منظمين بصورة كاملة، لكل منهما قيادة واحدة وبرنامج واحد وسلطة قرار واحدة. تأسيس، تبنت مشروع السودان الجديد ولديها ميثاق قائم علي مبادئ فوق دستورية غاية في الوضوح، اما معسكر الجيش يشمل قوي سياسية ومدنية، وحركات مسلحة، وشخصيات عامة، ومجموعات اجتماعية ومصالح اقتصادية وشبكات مرتبطة بالنظام السابق، إضافة إلى اتجاهات مختلفة داخل البيئة السياسية المؤيدة للجيش علنا او علي حياء.
    المشكلة هنا أن الاصطفاف العسكري لا يعني بالضرورة التجانس السياسي.
    عموما، قد تتفق مجموعة من القوى على القتال في جبهة واحدة، بينما تختلف جذرياً حول الدولة التي تريدها بعد الحرب
    ولهذا فإن الانتقال إلى مفاوضات جادة يتطلب مرحلة سابقة يجيب فيها معسكر المعسكر عن أسئلته الداخلية.
    ما رؤيته للحرب والسلام؟
من يمثله سياسياً؟
ما موقفه من شكل الدولة؟
ما الذي يقبل التفاوض حوله؟
وما الذي يعتبره خطاً أحمر؟
ومن يملك في النهاية سلطة الالتزام باسمه؟
    وعليه، ومن هذه الزاوية يصبح الحوار الداخلي مفيداً حتى بالنسبة إلى الخصم؛ لأن الخصم المنظم أسهل في التفاوض من تحالف فضفاض لا تعرف أين تبدأ سلطته وأين تنتهي.

    ثالثاً: حوار البرهان قد يصنع "الطرف الآخر يوضوح"
    هنا تكمن المفارقة.
    إذا نجح الحوار في جمع القوى المتحالفة، المتفقة أو المتقاربة مع الجيش، وكشف خلافاتها الداخلية، ودفعها إلى التوافق على حد أدنى من الرؤية السياسية، فقد يؤدي تدريجياً إلى تشكيل كتلة سياسية ـ عسكرية أكثر تجانساً وتنطيما!
    وعندئذ لا يعود المشهد عبارة عن الجيش، والحركات المتحالفة معه، والإسلاميين، والقوى المدنية المتقاربة معه، والشخصيات المستقلة، ومجموعات مدنية أخرى تتحدث كل منها بلغة مختلفة؛ بل يبدأ في الظهور معسكر سياسي له رؤية وممثلون ومطالب يمكن تعريفها والتفاوض حولها.
    ولا يعني ذلك أن هذه القوى قد تصبح متطابقة أيديولوجياً. المقصود بالتجانس هنا هو ما يمكن تسميته التماسك التفاوضي، :Negotiating Cohesion
    قدرة مجموعة متعددة المكونات على الاتفاق على موقف مشترك وتفويض من يتحدث باسمها والالتزام بما يوقعه.
    وهذا في حد ذاته تطور إيجابي في تصميم عملية السلام.
    فالمفاوضات لا تحتاج فقط إلى " وقف الحرب و إرادة السلام"، وإنما إلى أطراف قابلة للتعريف وقادرة على الالتزام.

    رابعاً: من هنا يمكن أن يصبح الحوار مقدمة للتفاوض
    إذا انتهى حوار البرهان إلى إنتاج رؤية مشتركة بين الجيش والقوى السياسية والعسكرية والمدنية المتحالفة أو المتوافقة معه، فإن وظيفته التاريخية قد لا تكون حل الأزمة السودانية، وإنما ترتيب أحد أطراف الأزمة استعداداً للمرحلة التالية.
    وعندها يصبح ممكناً الانتقال من حوار داخل المعسكر إلى تفاوض بين المعسكرات.
    وهذا يقود إلى تصور مختلف للعملية السياسية:
    الحوار داخل كل فضاء سياسي أولاً، ثم التفاوض بين القوى التي أفرزتها هذه الحوارات!
    أي أن حوار البرهان لا يمكن ان يكون بديلاً عن التفاوض مع "تأسيس"، كما أن حوار القوى المرتبطة بمشروع السودان الجديد ليس بديلاً عن التفاوض مع الجيش ومن معه. وظيفة كل عملية داخلية هي بلورة الموقف؛ أما وظيفة التفاوض فهي البحث عن الصيغة التي تستطيع الأطراف المختلفة العيش معها داخل دولة واحدة، إذا كان ذلك ممكناً.

    خامساً: "تأسيس" أيضاً يجب أن تدخل التفاوض بوصفها مشروعاً لا مجرد مجموعة تنظيمات
    تنطبق القاعدة نفسها على تحالف "تأسيس"...
    إذا كان هذا التحالف يمثل قوى تتبنى مشروعاً مختلفاً لإعادة بناء السودان، فإن قوته التفاوضية لا تأتي من وجود قوى عسكرية فقط أو مناطق نفوذ، وإنما من قدرته على تحويل هذا الواقع إلى مشروع سياسي منظم وموقف تفاوضي متماسك
    وهنا يصبح التفاوض الحقيقي بين رؤيتين للدولة، وليس مجرد اجتماع بين جنرالات أو محاصصة بين أحزاب.
    فالخلاف السوداني الأعمق في هذا الوقت يتجاوز سؤال: من يحكم الخرطوم؟
    إنه يتعلق بأسئلة الدولة نفسها: المواطنة، والعلمانية، واللامركزية، والأرض والثروة، وبناء الجيش القومي، والعدالة التاريخية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وشروط الوحدة الطوعية.
    وبالتالي فإن التفاوض المطلوب ليس تقاسم السلطة داخل الدولة القائمة فقط، بل التفاوض حول إعادة تأسيس الدولة نفسها.

    سادساً: لماذا يمكن أن يكون وجود كتلتين واضحتين أفضل من عشرات الأطراف؟
    قد يبدو تكوين معسكرين سياسيين كبيرين نوعاً من الاستقطاب، لكنه من منظور التفاوض يمكن أن يخفض درجة التعقيد.
    فكلما ازداد عدد الأطراف المستقلة على الطاولة ازدادت مشكلات الفيتو، والتمثيل، والتفويض، والالتزام والتنفيذ. وقد يوافق قائد سياسي على اتفاق لا تقبله القوة العسكرية التي يفترض أنه يمثلها، أو توقع حركة مسلحة اتفاقاً ترفضه قواعدها، أو تتحدث قوى مدنية باسم معسكر لا تملك عليه أي سلطة... وهكذا...
    ولهذا فإن تنظيم التعدد قبل التفاوض سيكون أكثر فاعلية من نقل كل التعدد الخام مباشرة إلى طاولة واحدة.
    وجود طاولة تفاوض محددة، لا يتعارض ولا يمنع وجود فضاء وطني أوسع للحوار والمشاركة!

    سابعاً: الدرس الليبي مهم، ولكن بصورة أكثر تعقيداً
    تقدم ليبيا مثالاً مفيداً. فقد حاول ملتقى الحوار السياسي الليبي بناء توافق حول سلطة تنفيذية موحدة وخارطة طريق للانتخابات، وضمت العملية 75 مشاركاً من خلفيات سياسية واجتماعية وجغرافية متعددة. وتمكن المشاركون بالفعل من الاتفاق على خارطة طريق انتخابية.
    لكن التجربة الليبية تكشف أيضاً حدود الحوار السياسي عندما لا يتطابق التوافق السياسي مع بنية القوة الفعلية على الأرض.
    وهذا درس بالغ الأهمية للسودان: لا يكفي أن يتفق المدنيون في قاعة في بورتسودان، بينما تبقى مراكز القوة العسكرية خارج هندسة الاتفاق؛ كما لا يكفي أن يتفق العسكريون على وقف النار في جدة او المنامة بينما تبقى قضية الدولة والشرعية والمواطنة بلا معالجة.

    ثامناً: القوى المدنية أمام سؤال الاختيار السياسي التاريخي
    في هذا السياق، يصعب استمرار الحديث عن "القوى المدنية" او "صمود" اوماسمي "القوي المناهضة للحرب" بوصفها كتلة تقف فوق الصراع السياسي، وكأن المدنية في ذاتها مشروع متكامل للدولة. فالمدني قد يؤيد دولة مركزية أو لامركزية، دينية أو علمانية، وقد ينحاز إلى استمرار بنية السودان القديم أو إلى مشروع السودان الجديد. وصف "مدني" يحدد العلاقة بالمؤسسة العسكرية، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: أي دولة يريد هذا المدني؟
    ومع اقتراب لحظة التفاوض الناضج والجاد، ستجد هذه القوى نفسها أمام ضرورة تحديد خياراتها بصورة أكثر وضوحاً. وليس المطلوب أن تنضم تنظيمياً إلى أحد المعسكرات، وإنما أن تحدد موقفها من المشاريع المتنافسة حول طبيعة الدولة. فلا يمكن بناء موقع سياسي ثالث على ادعاء احتكار تمثيل "السودان المدني"، أو على التعويل على العلاقات الدولية باعتبارها طريقاً لإعادة هذه القوى إلى السلطة، بينما جوهر الصراع يدور حول أسس الدولة نفسها.
    وقد تكون إحدى النتائج المهمة، وإن غير المقصودة، لحوار البرهان أنه يساعد على فرز المجال السياسي وفق المشاريع لا الصفات. فمن يتبنى رؤية الجيش والقوى المتحالفة معه سيجد نفسه أقرب إلى ذلك المعسكر، ومن يتبنى إعادة تأسيس الدولة على مبادئ السودان الجديد سيقترب موضوعياً من المشروع المقابل، بينما تستطيع القوى المستقلة الاحتفاظ باستقلالها مع تحديد مواقفها بوضوح من القضايا التأسيسية.
    وعندئذ يصبح السؤال السياسي أكثر دقة: ليس من هو المدني ومن هو العسكري؟ بل من يقف مع أي تصور للدولة، وعلى أي مبادئ يريد تأسيس السودان القادم؟

    تاسعاً: الخطر ليس في قيام حوار البرهان، بل في ادعاء أنه الحوار الوطني النهائي
    حوار البرهان، في أقصى ما يمكن أن يؤديه، هو حوار داخل معسكر سياسي وعسكري محدد، وظيفته تنظيم مكوناته وتقريب مواقفها وصياغة حد أدنى من التوافق بينها، بما يجعل هذا المعسكر أكثر وضوحاً وتماسكاً واستعداداً للدخول في عملية تفاوضية أوسع. أما تقديم هذا الحوار بوصفه الحوار الوطني النهائي الذي يستمد منه السودان شرعية تحديد مستقبله، فهو ادعاء يخلط بين تنظيم أحد أطراف الصراع وبين تمثيل الإرادة الوطنية والوهم!
    فالفرق جوهري بين أن تتحاور هذه القوى لتحدد موقفها من مستقبل السودان، وبين أن تتحاور لتقرر مستقبل السودان نيابة عن بقية السودانيين وقواه الفاعلة. الأول ممارسة سياسية ضرورية، وقد تسهم في تكوين طرف أكثر تماسكاً وقابلية للتفاوض؛ أما الثاني فيحوّل حواراً داخلياً لمعسكر الجيش والقوى السياسية المرتبطة ببنية السودان القديم إلى محاولة لاحتكار الشرعية والتمثيل الوطني.
    وهنا تبرز قاعدة أساسية في تصميم عمليات السلام: الحوار داخل معسكر واحد لا يمنحه حق تمثيل المجتمع مهما ادعي، والقدرة على التفاوض لا تمنحه حق تقرير مستقبل الدولة منفرداً. فمستقبل السودان لا يمكن أن تحدده منصة واحدة أو معسكر واحد، وإنما يتطلب عملية سياسية أوسع تعترف بتعدد الأطراف والمشاريع المتنافسة حول طبيعة الدولة، وتفصل بوضوح بين تكوين أطراف قادرة على التفاوض وبناء شرعية وطنية قادرة على تأسيس الدولة.

    عاشراً: نحو هندسة مختلفة للسلام وإعادة تأسيس الدولة
    يمكن، بناءً على ذلك، تصور عملية سلام متعددة المستويات، تنطلق من حقيقة أساسية: أن المبادئ فوق الدستورية ورؤية السودان الجديد تمثل الإطار المرجعي للتفاوض حول تأسيس الدولة، لا موضوعاً مؤجلاً لما بعد التسوية السياسية.
    تبدأ العملية بحوارات داخلية تمكّن المعسكرات المختلفة من تنظيم نفسها وبلورة رؤاها ومواقفها التفاوضية. وفي هذا المستوى يمكن فهم حوار البرهان، مثلما تحتاج القوى الأخرى إلى بناء مواقفها ومؤسساتها وقدرتها على التفاوض.
    ثم يأتي التفاوض المباشر بين القوى القادرة فعلياً على استمرار الحرب أو وقفها، لمعالجة وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والممرات الإنسانية، والأسرى، والترتيبات الأمنية. لكن إنهاء القتال يفتح الطريق مباشرة إلى السؤال التأسيسي: كيف تُبنى دولة جديدة على عقد اجتماعي يقوم على المبادئ فوق الدستورية للسودان الجديد؟
    وعلى هذا الأساس يجري التفاوض السياسي حول ما هو قابل للتفاوض: شكل الانتقال، وهياكل الحكم، وتوزيع الاختصاصات والموارد، وآليات إعادة بناء المؤسسات. أما المواطنة المتساوية، والعلمانية، والديمقراطية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، والحقوق والحريات الأساسية، فلا تكون أوراقاً للمساومة، بل المرجعية التي تحدد حدود التفاوض واتجاهه.
    ويتوازى ذلك مع حوار سوداني واسع حول كيفية ترجمة هذه المبادئ إلى مؤسسات وسياسات تعالج قضايا الهوية والأرض والثروة والسلطة والعلاقة بين الدولة ومجتمعاتها.
    بهذه الهندسة يصبح الحوار طريقاً إلى تكوين أطراف التفاوض، والتفاوض أداةً لإعادة تأسيس الدولة، والمبادئ فوق الدستورية هي الإطار الذي يحكم العملية كلها؛ فلا يكون الحوار بديلاً عن التفاوض، ولا التفاوض وسيلة للمساومة على الحقوق التأسيسية.

    اخيرا: أحياناً يحتاج السلام إلى أن تتحدد أطراف الصراع أولاً
    لا يوجد ما يدعو إلى الخوف من حوار البرهان في حد ذاته. فمهما بلغت قوة الدعاية التي تحاول تقديمه بوصفه حواراً يمثل السودان كله أو يمتلك وحده الإجابة عن أزمته، فإن الخطاب الإعلامي لا يغيّر حقائق الصراع وموازين القوة على الأرض.
    هناك، في المقابل، تحالف تأسيس بقواه السياسية والمدنية والعسكرية، وحواضنه الاجتماعية، ومؤسساته، والأراضي الواسعة الواقعة تحت سيطرة القوى المنضوية فيه. وسواء اتُّفق مع مشروعه أم اختُلف معه، فإن وجوده يمثل واقعاً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً لا يمكن إلغاؤه بالدعاية، ولا تجاوزه في تصميم أي عملية تفاوض جادة لوقف الحرب وبناء السودان القادم.
    ومن هذه الزاوية، قد يؤدي حوار البرهان وظيفة مفيدة إذا ساعد الجيش والقوى المتحالفة معه على تنظيم معسكرها، وحسم تناقضاتها، وبلورة مشروعها، وتكوين قيادة أو وفد يمتلك تفويضاً واضحاً. فالمشكلة ليست في أن ينظم هذا المعسكر نفسه، بل في محاولة تحويل حواره الداخلي إلى شرعية وطنية مصطنعة أو الادعاء بأن ما يتوصل إليه يمثل إرادة السودان بأكمله.
    لذلك فإن السؤال الأهم ليس: من شارك في حوار البرهان؟ بل: هل يستطيع هذا الحوار أن ينتج طرفاً سياسياً وعسكرياً متماسكاً وقادراً على التفاوض مع المشروع المقابل؟ عند هذه النقطة يمكن الانتقال من صراع بين قوى متشظية إلى تفاوض بين أطراف أكثر وضوحاً حول وقف الحرب، ثم حول مستقبل الدولة.
    وعندها يصبح جوهر التفاوض أكثر تحديداً: ليس اقتسام السلطة داخل السودان القديم، وإنما التفاوض انطلاقاً من المبادئ فوق الدستورية ورؤية السودان الجديد حول تأسيس دولة تقوم على المواطنة المتساوية، والعلمانية، والديمقراطية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية.
    فنجاح حوار البرهان لا يعني انتصاره على خصومه أو اكتسابه حق تمثيل السودان؛ وقد يكون نجاحه الحقيقي أكثر تواضعاً وفائدة: أن ينظم أحد أطراف الصراع بما يجعله طرفاً واضحاً يمكن التفاوض معه. أما مستقبل السودان وشرعيته الجديدة، فلا يصنعهما حوار معسكر واحد، بل عملية تأسيسية أوسع تنتهي إلى دولة تستطيع مجتمعاتها المختلفة أن تعيش فيها بحقوق متساوية، من دون إعادة إنتاج الأسباب التي دفعتها إلى الحرب.

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de